الرئيسة بحوث ودراساتبحوث عام2009الخط القبطي والتاريخ المصري
 
الثلاثاء 3 نوفمبر 2009

إذا كانت اللغة الصوتية (الألفاظ) هي وسيلة للتفاهم والتعبير عن الأغراض الإنسانية؛ فالخط المصور للغة (اللغة المكتوبة) يعد الوعاء الحضاري للفكر والعلوم وحافظة التاريخ والتراث الإنساني، الذي هو ملك للبشرية عمومًا وخاصة كل أمة.

والسؤال هنا: ماذا قدم لنا الخط القبطي نحن المصريين؟ ما هي العلوم والفنون التي دونت بذلك الخط؟ وما هو التاريخ الذي حفظه لبلدنا؟

إن اللغة القبطية لم تحفظ لمصر تاريخها أو ثقافتها؛ لأنها لم تكن امتدادًا أو تطورًَا طبيعيًّا للغة شعبها.

فتفسير الكتابات المصرية القديمة (الهيروغليفية) ظل سرًّا غامضًا حتى على هؤلاء الذين يتمسكون بلفظ "قبط" و"أقباط" في محاولة للتميز وللدلالة على أصالة جذورهم المصرية.

فقد انتظرنا زمنًا طويلاً حتى تم اكتشاف حجر رشيد عام 1799وجاء الفرنسي شمبليون وادعى فك رموزه، فأي فضل قدمه الخط القبطي للكشف عن تاريخ الشعب المصري القديم وثقافته؟

إن أعظم فضل قدمه ذلك الخط هو ما كشف عنه من معرفة حقيقة العقائد الدينية التي كانت يعتنقها المسيحيون المصريون والتي كشفت عنها نصوص نجع حمادي القبطية (التوحيدية؛ والمسماة بالغنوصية).

وعلى ما يبدو أن هؤلاء كانوا ينظرون للغة القبطية كمرحلة انتقالية ضرورية لتعلم الدين المسيحي المدون باليونانية لحين ترجمته بالخط المصري الهيروغليفي، يشير إلى ذلك ما ورد في نصوص نجع حمادي القبطية من نصيحة هرمس لتلميذه بأن يكتب ما يتعلمه من الحكمة على لوح من الفيروز بالحروف الهيروغليفية.

تلك النصيحة التي أزعجت آباء الكنيسة، وربما تكون هي التي دفعتهم للتفكير في ترجمة الكتاب المقدس من اللغة اليونانية إلى لغة المصريين الهيروغليفية، فلما عثر عليهم الأمر قاموا بترجمته بالقبطية.

ونجد أيضًا الراهب شنودة في منتصف القرن الخامس الميلادي يصدر تح ذيرًا شديدًا ضد دراسة الكتابة الهيروغليفية.

وهكذا تم استبعاد التراث الحضاري المصري، وقطعت الصلة بينهم وبين لغتهم؛ بسبب موقف الكنيسة آنذاك، الذي كان ينظر بعين الريبة إلى حضارة مصر القديمة.

أين الهوية المصرية في القبطية؟

وقد بلغ الإخفاق أقصى المدى حين لم يستطع ذلك الخط (أو اللغة) المحافظة على أخص خصائص الهوية والحصن الأخير لها وهو اسم البلاد "مصر" الذي عرفت به منذ فجر التاريخ، فهو نسبة إلى مصريم بن حام بن نوح ـ عليه السلام ـ وأبناءه هم الذين سكنوا البلاد، وعرفوا باسم قدماء المصريين، (وبأسمائهم سميت بعض المواضع كأشمون وبشادي) وهو الاسم الذي عرفها الله سبحانه وتعالى به في التوراة والإنجيل والقرآن، إلا أن الخط الجديد زل فانجرف وراء الاسم الروماني "إيجيبتوس" بقطع النظر عن أصله.

سواء أكان لفظ إغريقيًَّا مشتقًّا من اسم بحر "ايجة" اليوناني الذي شكل سكانه أساسًا رئيسيًّا للهجرات اليونانية لمصر، أم أنه هبط علينا من وحي خيال هوميروس في أسطورته الإغريقية، التي تزعم أن إيحيبتوس هذا كان حاكمًا لمصر، وأنه كان ابنًا للإله زيوس من جهة الأم، وأنه نصب نفسه ملكًا على كل آلهة الإغريق، بعد أن اغتصب العرش من أبيه "خرونوس" ، وأصبحت كلمته هي العليا في مجلس آلهة الأولمب.

أم كان من اللفظ المصري (حا ـ كا ـ بتاح ) أي مكان روح الإله بتاح ذاته، ثم وجد الإغريق صعوبة في نطق حرف H (ح) في أول اللفظ المصري وآخره فنطقوه "إيجيبتوس"، فعلى الأول والثاني فالأمر واضح في عدم انتمائه للثقافة والحضارية المصرية، وإن كان على الوجه الثالث فهل السوي السليم يمشي وراء العليل الألدغ الذي لا يمكنه النطق الصحيح، بمعنى أن (حا ـ كا ـ بتاح ) إن كان صعبًا عثرًا في النطق على الرومان فحرفوه ونطقوه كما اتفق لهم، فهو ليس بعثر على أهله وأصحابه الذين هم أول من نطق به؛ فلم لم يظل كما هو (حا ـ كا ـ بتاح )؟ أم أن لسانهم قد زل فصار كلسان القوم وغلبهم الإغريق على اسم بلدهم.

آه ممن يترك الانتساب لأحفاد الأنبياء (مصرايم بن حام بن نوح عليه الصلاة والسلام) وينتسب للوثنيات أغريقية كانت أو غيرها!

وثَمَّ عجب آخر وهو ترجمة "إيجيبتوس" لـ "قبط" فالمصريون كان يندر جدًّا إن لم يكن ينعدم في لغتهم صوت الـ(ق) ولذا تراهم ينطقونها إما (أ) فمثلاً يقولون: (أصب) بدلاً من (قصب) وإما تنطق (ج) فيقولون (جطر) بدلاً من (قطار) و(جال أوآل) بدلاً من (قال)، فكان الأولى أن تكون جبط أو أبط، وأولى من هذا وذاك "كبط" فالـ(ك) هو الحرف الأصلي في الاسم (حا ـ كا ـ بتاح).

التستر خلف الشعوبية

وبعد فلما كل هذا الضجيج الذي يثار بين الحين والآخر عن ضرورة إحياء تلك اللغة بدعوى العودة للهوية وما إلى ذلك من دعاوي وهذا هو حالها كما قدمنا.

أما إن كان المسيحيون يسعون لتعلمها باعتبارها لغة مقدسة، فهي اللغة التي حملت لهم الدين، فهذا أمر يتفهمه عامة الشعب المصري من المسلمين، ولا ننكره عليهم، وليس لدينا أي مانع فيه؛ ولكن التستر خلف الشعوبية مقيتة والادعاء بأنها لغة الشعب المصري القديم، فهذا ما لا يمكن تفهمه لأنه يخالف الواقع والحق.

وثم أمر آخر وهو إن كان تعظيم المسيحيين للخط القبطي لأسباب دينية عقائدية محضة لكونها لغة دينية، بالرغم من الآثار السلبية التي أثارت بها على اللغة الأم لغة الشعب المصري وخطها، فلم التباكي إذن على ضياع الهوية المصرية؟ وها هم يقدمون ما هو ديني على ما هو وطني.

هذا مع العلم أن جميع محاولاتهم لإحياء تلك اللغة باءت بالفشل؛ إضافة لكونهم مختلفين في تحقيق نطق أصوات بعض الحروف، سواء كان في اللفظ القديم أم الحديث وهذا فيه ما فيه.

وما ذاك إلا لكونهم ألقوا أنفسهم في فخ انقراض اللغة المصرية القديمة، في حين أن الشعب المصري مازال يتحدث بها أو بالكثير منها في العامية، والتي صبغ فيها العربية الفصيحة بصبغة لغته، وأما الخط المصري فقد اندثر تقريبًا من منتصف القرن الخامس الميلادي.

وختامًا نردد قول الأستاذ أحمد حسن الزيات: «انشروا ما ضمت القبور من رفات الفراعين، واستقطروا من الصخور الصلاب أخبار الهالكين، وغالبوا البلى على ما بقي في يديه من أكفان الماضي الرميم، ثم تحدثوا وأطيلوا الحديث عن ضخامة الآثار وعظمة النيل، ولكن اذكروا دائما أن الروح التي تنفخونها في مومياء فرعون هي روح «عمرو» وأن اللسان الذي تنشرون به مجد مصر هو لسان «مضر» وأن القيثار الذي توقعون عليه ألحان النيل هو قيثار "امرئ القيس".

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الخط القبطي والتاريخ المصري

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7