الأربعاء 12 سبتمبر 2018


اليهود السفارديم (3)
0. نبيل محمد سعيد عبدالعزيز
حمل اليهود السفارديم معهم أعباءً وأثقالاً قذفت بهم إلى المجتمع الإسرائيلي، فقبل كل شيء حمل هؤلاء المهاجرون معهم حين هجرتهم إلى (إسرائيل) كل أفراد المجموعات التي كانوا ينتمون إليها خارج (فلسطين)؛ الأصحاء والمرضى؛ والأطفال والشيوخ؛ المبصرين والمكفوفين، فهجرتهم كانت هجرة جماعية لا انتقائية، ولذا فقد وجدت هذه المجموعات نفسها ومنذ اليوم الأول مثقلة بالآلاف من المقعدين والشيوخ والمرضى الموجودين في كل الأُسر، ومن جهة أخرى، كان المهاجرون السفارديم في غالبيتهم يخضعون لتقاليد ومعايير دينية تحث على توسيع الأسرة _ فيما كان الإشكنازيم قد تخلوا عن هذه التقاليد قبل بضعة أجيال قليلة _ ولذا فقد كان تعداد أفراد أسر المهاجرين يصل بسهولة إلى سبعة أو ثمانية أطفال بل أكثر، وفي معظم الحالات كانت الأم ما تزال شابة فتستمر الأسرة في (إسرائيل) بالتكاثر، كما كان اليهود السفارديم لدى وصولهم إلى (إسرائيل) محرومين تماماً من المهارات التكنولوجية الحديثة، إلا أنهم لم يكونوا محرومين من الثقافة، بل على العكس كانوا يحملون تقاليداً وميراثاً ثقافياً ومعاييراً كثيرة في مجال العلاقات الأسرية واحترام الأهل والعادات والتقاليد. (1)

واختص اليهود السفارديم بهوية يهودية قوية، حيث لم تكن لديهم هوية قومية علمانية على غرار تلك التي كانت تميز الحركة الصهيونية الإشكنازية، فقد كانت ميول اليهود السفارديم من النوع الديني التقليدي الذي ساد ولو مع تغييرات معينة بين الطوائف اليهودية في القرون الوسطى، وحتى حينما احتكوا في بلادهم الأصلية باتجاهات التحديث، فإن تأثير هذه الاتجاهات عليهم انحصر بخاصة في زيادة الانتماء التقليدي، وهكذا فإن هجرة اليهود السفارديم إلى (إسرائيل) لم تحدث انعزالاً عن البناء الاجتماعي والثقافي التقليدي الخاص بهم، فقد هاجروا إلى(إسرائيل) بأمل أن يستطيعوا ممارسة حياة كاملة وآمنة وفقاً لطريقتهم الخاصة، ولم يأملوا في تغيير متطرف، فهم لم يكونوا على استعداد لأن يغيروا _ عن وعي _ البناء الاقتصادي والتشغيلي الخاص بهم، ولا الأُسس الرئيسية لحياتهم الاجتماعية والثقافية ووعيهم اليهودي الديني وفقاً للتقاليد. (2)

وتمتع اليهود الإشكنازيم بأفضلية كبيرة في فرص الانطلاق في جميع المجالات، فبالرغم مما نالهم من العداء النازي في أوروبا، فإن معظمهم كان لا يزال فتياً واستطاع بسهولة تجاوز صعوبات التأقلم، إضافة إلى أن الكثيرين منهم كانوا يملكون مهارات تكنولوجية كانوا قد اكتسبوها في أوروبا، كما كان لبعضهم أقرباء بين المهاجرين إلى (فلسطين) قبل تأسيس الدولة، ومن الناحية الأسرية ونظراً لاتباعهم قاعدة النواة الأسرية المحدودة (أب وأم وطفلان أو ثلاثة) فقد استطاعوا منح أولادهم ثقافة رفيعة _ لم تكن في معظمها دينية _ وتربية وتعليم جيدين حتى ولو كان عمل الوالدين قاسياً، كما أن التعويضات الألمانية التي تلقاها " ضحايا النازية " الإشكنازيم قد ساهمت في تحسين أوضاعهم (*)، وهكذا نجح أكثرهم في تخطي المحنة وتنظيم أموره، وبدون صعوبة ارتقوا كل الدرجات وحصلوا على تمثيل سياسي لهم في كل أركان السلطة الاقتصادية والسياسية في (إسرائيل). (3)

وتعتبر هجرة اليهود السفارديم شديدة الأهمية لدى (إسرائيل)، وذلك نتيجة الفراغ البشري الكبير، وقلة نسبة اليهود من أصل أوروبي التي اختارت الهجرة إلى (فلسطين) حيث لم تتعد 1 %، فضلاً عن الحاجة إلى المزيد من القوى العاملة الرخيصة في الدولة الناشئة لتحل محل العمال الفلسطينيين، بالإضافة إلى استغلال طابعهم الحضاري العربي في دوائر التجسس، وأخيراً الحاجة الماسة للمزيد من الجنود، وتجدر الإشارة إلى أنه لولا هجرة اليهود السفارديم إلى (إسرائيل) لما كان بمقدور (إسرائيل) الدوام. وفي المقابل كان هناك تخوفاً كبيراً لدى النخبة الحاكمة من أن تصبح (إسرائيل) دولة ذات طابع شرقي على ضوء ازدياد نسبة اليهود السفارديم في مطلع الخمسينات. (4) فقد اعتبرت الطبقة الحاكمة اليهود السفارديم بمجموعهم كمواطنين من الدرجة الثانية، و " مشرقيين " لا تؤهلهم ثقافتهم ولا إسهامهم في المجتمع لأن يصونوا السمة الأوروبية لدولة (إسرائيل)، والواقع فإن احتقارهم للمشرق وللثقافة اليهودية السفاردية هو أحد المراسي العرقية اليهودية _ الإشكنازية، فقد كان (دافيد بن جوريون) " דוד בן-גוריון " (1886 _ 1973 م) واضحاً في قوله حول هذا الموضوع: " إننا لا نريد أن يصبح الإسرائيليون عرباً، وإن من واجبنا أن نحارب الروح المشرقية التي تفسد الأفراد والمجتمعات، وأن نصون القيم اليهودية الشرعية كما كانت مجسدة في يهود المجتمعات الغربية "، وقوله: " لا أريد لثقافة (مراكش) أن تكون عندنا هنا، كما وأنني لا أري أية مشاركة يمكن أن يقدمها اليهود الإيرانيون ". كما عبرت (جولدا مئير) " גולדה מאיר " (1898 _ 1978 م) عن موقفها من اليهود السفارديم بقولها: " نحن في (إسرائيل) بحاجة إلى مهاجرين يتمتعون بمستوى رفيع، لأن مستقبل بنيتنا الاقتصادية يُقلقنا، إن لدينا مهاجرين من (مراكش) و (ليبيا) و (إيران) و (مصر) ومن بلدان أخرى ترجع مستوياتهم الاجتماعية إلى القرن السادس عشر ". (5)

وبالرغم من كل المحاولات التي بذلها المسئولون في (إسرائيل) لجلب أعداد أكبر من اليهود الإشكنازيم، فقد تبين لهم منذ بداية الهجرة الكبرى لليهود السفارديم أنه لا محالة من أن تصبح نسبة اليهود السفارديم في المستقبل القريب أكبر بكثير من نسبة اليهود الإشكنازيم، ومن ثم فقد عملت السلطات الإسرائيلية على وضع برامج اجتماعية واقتصادية وتربوية وثقافية من أجل صهر المجموعتين وتوحيدهما في بوتقة واحدة، ولكن النتيجة كانت أن هذه العمليات الدمجية جاءت على حساب مجموعة دون أخرى، ارتباطاً بالجهة المسيطرة والتي وضعت هذه الخطط والبرامج (6)، فقد لجأت السلطات الإسرائيلية إلى تغريب اليهود السفارديم بحجة تمدينهم ومساعدتهم على الانخراط في المجتمع الإسرائيلي، ولتنفيذ هذا المخطط استعانوا بالأساليب العلمية في الجامعات والباحثين الجامعيين أمثال عالم الاجتماع (شموئيل ايزنشتات) " שמואל אייזנשטדט " (1923 _ 2010 م) المسئول عن " نظرية الصهر "، وعالم التربية (كارل فرانكنشتاين) " קרל פרנקנשטיין " (1905 _ 1990 م) صاحب نظرية " محتاجي العناية الخاصة " وهي النظرية التي افترضت سلفاً تخلف الذهنية السفاردية، وكانت من نتائجها إقامة نظام تربوي خاص لمن هم بحاجة للعناية الخاصة، والطفل الذي يحكم عليه بدخول هذا النظام، يحكم عليه عملياً بالتجهيل مدى الحياة، وكان تصنيف الأولاد يتم حسب عدة معايير، لا تشمل من بينها " الذكاء " أو القدرات العقلية للطفل، وإنما اشتملت على: أصل الأب الآسيوي أو الأفريقي، والوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدني " الهامشية "، ومستوى دخل العائلة، مما يعني أن غالبية أولاد اليهود السفارديم في الأحياء الفقيرة وبلدات التطوير كانوا يقعون ضمن هذا التصنيف، حيث تدل الإحصائيات أن حوالي 90 % من الأولاد في هذه المدارس هم من اليهود السفارديم. (7)

جديرٌ بالذكر فإن اليهود السفارديم لم يكن لهم دورٌ يُذكر في الحركة الصهيونية، كما أنهم لم يسهموا في نشأة الاستيطان الصهيوني في (فلسطين) قبل قيام (إسرائيل)، ولم يسهموا أيضاً في جهود إقامة الدولة الإسرائيلية، ولا في حرب 1948 م _ مع ما لها من أهمية في تثبيت دعائم الوجود الصهيوني على أرض (فلسطين) _ إلا بقدر ضئيل للغاية لا يكاد يحسب لهم على الإطلاق في نظر الإشكنازيم (8)، وهذه الحقيقة سوف يكون لها الأثر السلبي على مصالحهم لاحقاً، وذلك لأن أجهزة الدولة في (إسرائيل) ما بعد عام 1948 م كانت استمراراً مباشراً للبنية المؤسساتية الصهيونية السابقة على قيام الدولة. (9)

وأخذ التمييز العرقي ضد اليهود السفارديم منذ بداية استقرارهم عدة أشكال، بدءاً من المعاملة الاستعلائية والقهرية، كاستقبال مهاجري (اليمن) برشهم بمسحوق دي. دي. تي المبيد للحشرات (10)، واختطاف أبنائهم وبيعهم لأغراض التبني (11)، مروراً بالإلغاء الثقافي والتدمير الاجتماعي، وصولاً إلى التهميش السياسي والاقتصادي. ومن ضمن الإجراءات التي كان يخضع لها هؤلاء:

1 - مصادرة ثقافة اليهود السفارديم، حيث مارست السلطات الإسرائيلية سياسة الاضطهاد الثقافي ضد اليهود السفارديم، وقد قامت عملية القمع الثقافي والتذويب القهري تجاه اليهود السفارديم بمسح الهوية الثقافية الخاصة بهم بدفعهم طوعاً أو كرهاً للتخلي عن هويتهم اليهودية السفاردية ونبذ عاداتهم وكراهية تقاليدهم المتوارثة، ونسيان جذورهم الثقافية، وإعادة التشكيل القسري للهوية السفاردية، وفيها يتم تربية السفاردي بمختلف وسائل الترغيب والترهيب على تبني النمط الإشكنازي العلماني (12)، حيث تم فصل اليهود السفارديم _ وخاصة جيل الشباب منهم _ عن ماضيهم وأصولهم، وتم تلقينهم بأن كل شيء قد بدأ في أوروبا الشرقية: النظرية اليهودية ؛ والصهيونية ؛ والفكر الطليعي ؛ والاستقرار في (فلسطين)، بالإضافة إلى انتزاع إحدى الثروات الثقافية القيمة التي كانوا قد حملوها معهم، ألا وهي " اللغة العربية "، نتيجة لموجة الاحتقار الإشكنازي حيال العرب نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي، ومن ثم فقد هجر اليهود السفارديم " اللغة العربية "، ورفضوا استخدامها وعمدوا إلى إهمالها. (13)

2 - تمزيق الروابط الأسرية لليهود السفارديم، حيث لم تعترف الحركة الصهيونية الغربية بالبنية الممتدة للعائلة السفاردية، فشتت شمل هذه العائلات عبر فصلها وإسكانها في أماكن متفرقة، تماشياً مع خطط الاستيطان، فعبر تفتيت الأسر الكبيرة ورفض التقاليد الأبوية لدى اليهود السفارديم تم تدمير التقاليد والبنى التسلسلية القديمة العائدة لقرون، فتمزقت العائلات السفاردية الكبيرة إلى عشرات النوى الصغيرة، وهكذا ترك المهاجر السفاردي الذي تعود على أن يكون في كنف العائلة، يواجه بمفرده مؤسسات مجهولة بالنسبة له. (14)

3 - إسكانهم في مدن تنمية وبلدات التطوير على أطراف المدن الكبرى، ويشير بحث قام به كلٌ من (يوفال الملخ) " יובל אלמלך " و البروفيسور (نوح لفين _ ابشتاين) " נח לוין-אפשטיין " _ الأستاذ بجامعة تل أبيب _ نُشر في مجلة " مجاموت " " מגמות " إلى تعرض المهاجرين السفارديم لظروف شديدة التباين عن تلك التي تعرض لها المهاجرون الأوائل، وكان من بين أسباب هذا الوضع أن حكومة (إسرائيل) انتهجت منذ عام 1952 م سياسة توطين المهاجرين في مدن التنمية الواقعة في الضواحي، ومن هنا فقد تم توطين حوالي 46 % من مهاجري شمال أفريقيا الذين تدفقوا خلال أعوام (1954 _ 1959 م) في هذه المدن، وقد استند الباحثان في سياق دراستهما على بحث آخر كان قد كشف أن المهاجرين اليهود الذين هاجروا من (رومانيا) في عقد الخمسينات نعموا أكثر من يهود (المغرب) _ الذين أقاموا آنذاك في الخيام _ بحق اختيار الأماكن التي يفضلون الإقامة فيها، وتوضح هذه الشهادات أن الحكومة لعبت دوراً رئيسياً في خلق فروق بين السفارديم والإشكنازيم في مجال الإسكان. (15)

4 - نتيجة إسكان اليهود السفارديم في مخيمات انتقالية أو تجمعات زراعية أو مدن تطوير بعيدة أو منفصلة عن التجمعات السكانية القديمة، فقد درس معظم أطفال السفارديم في مدارس منفصلة _ أما أولئك الذين التحقوا بمدارس في المجتمعات السكانية القديمة فغالباً ما وجدوا أنفسهم في فصولٍ منفصلة _ وكانت هذه المدارس الجديدة غير متكافئة مع المدارس القديمة لا من ناحية عدد وخبرة المعلمين ولا من ناحية تطبيق المناهج الرسمية، أو التناغم بين المدرسة والمجتمع ؛ أو الانفتاح نحو ثقافة المجتمع ولسانه، وخلال سنوات قليلة انعكست هذه الفجوة في تحصيلات الطلاب السفارديم، فقد وصل عدد ضئيل منهم إلى المدارس الثانوية، وعدد أقل إلى الجامعات الإسرائيلية، فيما شكل الإشكنازيم الأغلبية الساحقة في المدارس الثانوية والجامعات، وعلى الرغم من أصابع الاتهام التي وجهت نحو سياسة وزارة التعليم التمييزية، إلا أن الوزارة ألقت باللائمة على السفارديم أنفسهم، مبررة نظرات أكاديمية وشعبية مفادها أن السفارديم نظراً لأسباب تاريخية وثقافية غير قادرين على التعامل مع المناهج الرسمية وهم بحاجة إلى " تربية خاصة "، ومن ثم فقد تم إدخال مناهج جزئية أو أقل إلزامية في مدارس الأحياء الفقيرة ومدن التطوير حيث يعيش السفارديم، وقد تسبب ذلك في خلق مستوى متدن ٍ من التحصيل، وفي الوقت الذي حدث فيه النمو الاقتصادي العام في (إسرائيل) وأصبحت الوظائف المكتبية والأشغال من كافة الأنواع تحتاج إلى قوى عمل مع كفاءات علمية عالية، سرعان ما أصبحت الشهادة الجامعية أمراً أساسياً، فيما كان مصير معظم الطلاب السفارديم عقب تخطيهم المرحلة الإعدادية هو الالتحاق بالثانويات المهنية، وعدم ملاءمتهم لاستكمال تعليمهم في الصفوف العليا في المدارس الثانوية التي تحضر الطلاب للدراسات الأكاديمية. (16)


5 - قامت مناهج التعليم بتنحية تاريخ اليهود السفارديم جانباً لصالح تاريخ اليهود الإشكنازيم، وينعكس هذا في عدد الصفحات القليلة المخصصة في كتب التاريخ لليهود السفارديم، والأهم المضمون السيئ، فيحتوي كتاب " تاريخ شعب إسرائيل في الأجيال الأخيرة " _ والذي كان يدرسه في السبعينات طلاب المدارس الثانوية _ للدكتور (شمشون كيرشنباوم) " שמשון קירשנבאום " على ثماني صفحات فقط تأتي على ذكر تاريخ اليهود السفارديم من بين أربعمائة صفحة، وأما محتواها السيئ فيُظهر اليهود السفارديم (كرهائن لا حول لهم ولا قوة تحت سطوة قوى الظلام العربية، وقد جاء خلاصهم على أيدي إخوتهم البيض الحسان والشجعان). وكذلك في كتاب الدكتور (شلومو هوروفيتس) " שלמה הורוביץ " ست صفحات فقط من بين (638) صفحة تذكر اليهود السفارديم، والمضمون سيئ للغاية، وقد جاء فيه:

" في حين كان يهود أوروبا يعيشون عملية انقلاب جذري عاصف، ويبنون فيما وراء البحار مركزاً يهودياً قوياً وهاماً، كانت تعيش في البلدان الإسلامية المتخلفة في آسيا وإفريقيا، التي ازدهرت فيها الثقافة اليهودية في الماضي، جماعات من اليهود بلغ تعدادها حتى نهاية تلك الفترة حوالي (800) ألف نسمة، يعانون من سطوة الاستبداد الشرقي والتعصب الإسلامي، ويعيشون معزولين في أحيائهم الخاصة، على عدد محدود من المهن (كالحرف الصغيرة، والتجارة المتجولة...)، في نمط حياة جامد، وسُبات روحاني عميق ". ويضيف (شلومو هوروفيتس): " كان عامة الشعب يعيشون في فقر وجهل مدقعين، ويتكلمون لغة البلد، وأما أولئك الذين عاشوا في مناطق نائية عن " عرش " التاريخ الحديث (منهم سكان كردستان وهضبة إيران، وسكان المُغُر في جبال الأطلسي وعلى أطراف الصحاري) فكان مستواهم منخفض أكثر ونمط حياتهم مماثلاً لجيرانهم المسلمين أنصاف الوحوش ". ويتابع: " الأغلبية الساحقة من الجماعات اليهودية كانت جاهلة وغارقة كجيرانهم في خرافات غريبة، وعلى صعيد الحياة الاجتماعية كان هنالك جمود مطلق، فليس ثمة ذكر لأية حركة اجتماعية أو صراع فكري أو طموح حي، ما عـدا حـنين بــدائي لقــدوم المسيح ". كما يحتوي كتاب " جولة في المستوطنات الأولى " (إصدار وزارة التربية، تل أبيب، 1992 م) _ والذي كان يُدرس في المرحلة الابتدائية _ على جزء بعنوان " اليمني الصغير "، يحتوي على صور ملونة للتطريز اليمني، ووصفات أطعمة يمنية، وقصة على لسان (مِيرالِه) بنت التسع سنوات والنصف، لعائلة مجرية، جاء فيها: " في أحد الأيام ظهر في زقاق حارتنا صبي صغير، كان أسمر وأنحف من جميع الأولاد الذين عرف حتى ذلك الوقت [... ] تجول الصبي في الزقاق، متنقلاً من بيت إلى بيت وهو ينادي جبنة ! جبنة ! بلهجة غريبة، تشبه العربية قليلاً والعبرية قليلاً، لكنها غير واضحة تماماً. صد الجميع الباب في وجهه، التفتت إلي أمي بنظرة حادة قائلة: " هذا الولد جاء على (القدس) قبل عدة أيام مع مائتي شخص، جميعهم سُمر البشرة ونحفاء جداً مثله، يقولون أنهم يهود جاءوا من بلاد بعيدة، بلاد (اليمن)، لكن في (القدس) لم يصدقوهم "، " لماذا ؟ " سألتها. نفذ صبرها وصرخت في وجهي: " قولي ميرا، منذ متى يوجد يهود سُمر ؟ " [... ] وعند مغادرته صدرت ضجة كبيرة من الزقاق، تحدث الجميع ضده، قالوا إنه عربي وإنه متخف وقالوا أموراً أخرى لم أعد أذكرها، كانت الأقاويل مُرعبة جداً، حتى أن أُمى اعتادت قفل الباب بالمفتاح مرتين لزيادة الحيطة _ أما نهاية القصة _ " أخبار سعيدة "، فقد بشرت الجارة وهي تلتقط أنفاسها _ " أتعرفين يا (ميرا) إن هؤلاء اليمنيين هم يهود، لقد استدعاهم حاخاماتنا وأجروا فحصاً لصلواتهم وقوانين الطعام لديهم وثبت أنهم يهود، يهود جاءوا من (اليمن) ". (17)

جديرٌ بالذكر فإن عملية دمج اليهود السفارديم وتغريبهم اعتبرت في نظر الإشكنازيم إحساناً ومبرة أبوية، فقد أكدت (جولدا مئير): " إنني عندما أرى في تلك الأيام ماذا فعلنا من أجلهم أستطيع القول بأننا حققنا تقدماً مذهلاً ". (18)

وبالرغم من مرور عدة عقود على تنفيذ سياسات الدمج والصهر، وتبني اليهود السفارديم للكثير من المفاهيم وأساليب الحياة الغربية، فإن الشعور بالظلم والإجحاف ما زال يسيطر على قطاع واسع من الجمهور السفاردي، وخاصة في نسبة تولي اليهود السفارديم للمناصب الهامة في (إسرائيل). فقد نشر البروفيسور (أمنون روبنشتاين) " אמנון רובינשטיין " (1931 م _ ) مقالاً بملحق عيد الفصح لصحيفة " يسرائيل هايوم " " ישראל היום " طرح فيه على الجمهور بحثاً يفيد بأن أكثر من 90 % من أعضاء السلك الأكاديمي بالجامعات الإسرائيلية هم يهود إشكنازيم، وعلق (روبنشتاين) بقوله: " يميل أعضاء السلك الأكاديمي الإسرائيلي إلى استنساخ أنفسهم وتفضيل أشخاص مثلهم "، فيما صرحت مدير عام حركة " القوس الديمقراطي الشرقي " " הקשת הדמוקרטית המזרחית " (*) (ياعيل بن يافت) " יעל בן יפת " بأن التمييز لا يقتصر على السلك الأكاديمي فحسب ولكنه يمتد ليشمل المحاكم أيضاً، حيث أن معظم قضاة المحكمة العليا هم من اليهود الإشكنازيم. (19)

وتمتد الهوة الطائفية في تولي المناصب الهامة في (إسرائيل) لتصل إلى رأس المؤسسات الأمنية (الحكومة، وزارة الدفاع، وقيادة الأركان العامة، والاستخبارات، و (جهاز الأمن العام) " شاباك " " שירות הביטחון הכללי " " שב"כ " و (مؤسسة الاستخبارات والعمليات الخاصة) " موساد " " המוסד למודיעין ולתפקידים מיוחדים " " מוסד "، ولجنة الطاقة النووية، ووحدتي النخبة بجيش الدفاع، وكتيبة القيادة العامة، والأسطول 13)، ويعكس ذلك حقيقة أن هناك صلة كمية واضحة _ حتى ولو بدون قصد _ بين الأصل الطائفي وبين تسلق قمة النظام الحاكم في (إسرائيل). (20)




___________________________________________

(1) ارييه ايلياف، مرجع سابق، ص. ص 17 _ 18.

(2) رشاد الشامي (د)، القوى الدينية في إسرائيل. بين تكفير الدولة ولعبة السياسة، مرجع سابق، ص. ص 182 _ 183.

(*) بالرغم من أن بعض السفارديم في شمال أفريقيا قد عانى من ممارسات الاحتلال النازي، إلا أنه لم يتم إدراجهم كناجين من النازية، ولم تُصرف لهم أي تعويضات. انظر: (رامي شاني، " إسرائيل لا تثق في الناجين من النازية ذوي الأصول التونسية "، مختارات إسرائيلية، مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، عدد 183، مارس 2010 م، ص. ص 57 _ 59) .

(3) ارييه ايلياف، مرجع سابق، ص 16 ، ص 18.

(4) نبيه بشير، الشرقيون في مستنقع الصهيونية، في: إلياس جرايسة ومنير فخر الدين (تحرير)، اليهود الشرقيون _ إلى أين؟ _ اتجاهات التحرر وإشكاليات الواقع، مركز المعلومات البديلة، القدس _ بيت لحم، حزيران 1998 م، ص. ص 11 _ 12.

(5) ميكائيل الباز، المنفي الداخلي لليهود الشرقيين في إسرائيل، في: مجموعة من الكتاب اليهود، إسرائيل الثانية المشكلة السفاردية، مرجع سابق، ص 120، ص 123.

(6) أحمد مصطفى جابر، اليهود الشرقيون في إسرائيل: جدل الضحية والجلاد، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، سلسلة دراسات استراتيجية، عدد 92، 2004 م، ص 46.

(7) نبيه بشير، الشرقيون في مستنقع الصهيونية، في: إلياس جرايسة ومنير فخر الدين (تحرير)، مرجع سابق، ص. ص 13 _ 14.

(8) رشاد عبد الله الشامي (د) القوى الدينية في إسرائيل. بين تكفير الدولة ولعبة السياسة، مرجع سابق، ص 182.

(9) شلومو سفيرسكي، الشرقيون وجهاز التعليم: تيارات مختلفة ومسارات منفصلة، في: إلياس جرايسة ومنير فخر الدين) تحرير)، مرجع سابق، ص 36.

(10) كاميليا أبو جبل (د)، مرجع سابق، ص 200.

(11) شوش مدموني، اختفاء أولاد اليمن: تجارة أم عنصرية ؟، في: إلياس جرايسة ومنير فخر الدين (تحرير)، مرجع سابق، ص. ص 46 _ 52.

(12) أحمد الشحات هيكل، " القمع الثقافي لليهود السفاراديم "، مختارات إسرائيلية، ع 117، سبتمبر 2004 م، ص 115.

(13) ارييه ايلياف، مرجع سابق، ص 20.

(14) أحمد مصطفى جابر، مرجع سابق، ص 56.

(15) أوري كشتي، " الفجوة الطائفية في مجال الإسكان "، مختارات إسرائيلية، ع 51، مارس 1999 م، ص. ص 27 _ 28.

(16) شلومو سفيرسكي، مرجع سابق، ص. ص 37 _ 40.

(17) سامي شالوم شطريت، اليهود الشرقيون في مناهج التعليم، في: إلياس جرايسة ومنير فخر الدين (تحرير)، مرجع سابق، ص. ص 22 _ 23، ص. ص 28 _ 29.

(18) ميكائيل الباز، مرجع سابق، ص 124.

(*) القوس الديمقراطي الشرقي " הקשת הדמוקרטית המזרחית ": حركة اجتماعية تأسست عام 1996 م من قبل أبناء المهاجرين السفارديم في (إسرائيل).

انظر. ( موقع الحركة على الشبكة الدولية للمعلومات، http://www.ha-keshet.org.il/ ).

(19) ליאת עזר، "אפליה עדתית קיימת גם בבתימ"ש، לא רק באקדמיה"، ישראל היום، 2 / 5 / 2010.

http://www.israelhayom.co.il/site/newsletter_article.php?id=6417

(20) موشيه زوندر وعاميت نافون، " الجندي الأبيض والجندي الأسود. سر التفرقة بين أبناء الطائفة الشرقية والغربية في تولي المناصب القيادية "، مختارات إسرائيلية، ع 67، يوليو 2000 م، ص 19 .

 
 
   Bookmark and Share      
  
 اليهود السفارديم (3)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7