الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2018
 
الجمعة 17 أغسطس 2018


التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي (موسى بن ميمون-2)
0. نبيل محمد سعيد عبدالعزيز
كان موسى بن ميمون قد بدأ بالتدوين في المرية قبل أن يبلغ سن الثالثة والعشرين، وكانت باكورة أعماله رسالتين: الأولى بالعبرية في حسبان الميقات للأعياد اليهودية، وكان الغرض من هذه الرسالة شرح النسيء وكيفية معرفة الأشهر العبرية القمرية من السنة الشمسية لتعيين الأعياد اليهودية، وقد وضعها بطريقة سهلة جذابة لا يحتاج قارئها إلى مرشد. أما الرسالة الثانية فقد وضعها لعلماء اليهود ذوي الإلمام بالأدب العربي الذين يحتاجون إلى علم الفلسفة والمنطق الإسلامي(*)، ويذكر في بداية هذه الرسالة أن المنطق لا يعد علماً قائماً بذاته، بل هو وساطة إلى تمرين التلميذ والمعلم على البحث وتنظيم التفكير تنظيماً معقولاً، وهو للعقل كالقواعد للغة، فكما تعين القواعد على فهم اللغة يرشد المنطق إلى مسالك الضبط وتنظيم العقل. وهكذا يشرح في أربعة عشر فصلاً أُسس المنطق لمن يريد أن يدرسه، وقد وضع في نهاية كل فصل جملة مصطلحات منطقية شرحها شرحاً وافياً، حتى جمع في رسالته ما يزيد عن خمسة وسبعين ومائة مصطلح، وقد كتب هذه الرسالة باللغة العربية وتُرجمت في ما بعد بفترة وجيزة للغة العبرية(1).

وكان موسى بن ميمون قد بدأ في ذلك العهد، قبل هجرته مع أسرته إلى المغرب الأقصى، في تدوين شرحٍ لبعض أسفار التلمود البابلي(**)، غير أن هذا الشرح ذهبت أغلب صفحاته أدراج الرياح نتيجة تنقلاته الكثيرة قبل أن يصل إلى مصر. وكذلك بدأ في فجر شبابه في تأليف تفسيرٍ مفصلٍ للمشناه(***)، غير أن الأسفار الكثيرة وما حل به من موت أبيه وأخيه أعاقه عن إتمام بحثه إلى أجل، ولما كُتب له التغلب على المصاعب والمتاعب أكمل تفسيره هذا سنة 1168م، وقد بلغ إذ ذاك الثالثة والثلاثين من عمره، وسماه كتاب "السراج"، وقد وضع في صدره بحثاً وافياً عن تاريخ نشأة الرواية والإسناد عند اليهود. كما وضع فيه طريقة جديدة لدراسة المشناه، حتى أصبحت علماً مستقلاً يدرَس لذاته، والتي كانت حتى عهد موسى بن ميمون لا تدرس إلا بمعاونة التلمود؛ وذلك نظراً لاشتمالها على قوانينَ وشرائعَ دُونت بأسلوب موجَز دقيق يؤدي أحياناً إلى غموض وإبهام، لذلك لا تُفهم إلا بمعاونة التلمود الذي شرح غوامضها، وفسَّر أسباب القوانين، وناقش مذاهب المدارس المختلفة التي وردت فيها. وكان موسى بن ميمون يرجو لمؤلَّفه رواجاً عظيماً في البلدان الإسلامية لطرافته في الآداب اليهودية، ولكونه كُتب باللغة العربية، ولكن الجموع اليهودية السفاردية لم تُقبِل عليه إقبالاً مرجواً. وإن كان كتاب "السراج" لم يلقَ قبولاً مُرضياً في الشرق فإن يهود البلدان الغربية الإشكنازيم في المغرب الأقصى والأندلس وجنوب فرنسا، أخذوا يُقبلون عليه إقبالاً عظيماً، فتُرجمت بعض أجزائه إلى العبرية، غير أن أغلب الأجزاء قد نقل إلى العبرية بعد حوالي قرن من وفاة مؤلفه، ففي عام 1296م ألح يهود روما على سليمان أدرث في مدينة برشلونة بتكوين لجنة تترجم جميع أجزاء "السراج" إلى العبرية تحت إشرافه فدعا إليه أحباراً من رجالات العلم وعهد إليهم بذلك فانتشر الكتاب انتشاراً عظيماً في جميع البلاد التي كان يجهل فيها اليهود اللغة العربية. جديرٌ بالذكر فقد كان بن ميمون قد أراد في أُخريات أيامه أن يتولى بنفسه ترجمة كتابه "السراج" إلى العبرية، ولكنه المنية عاجلته قبل أن يحقق أمنيته(2).

ويعلق الدكتور إسرائيل ولفنسون بقوله: وكان هذا الكتاب وحدَه يكفي لتخليد اسم ابن ميمون في تاريخ اليهود، ولكنه استمر في التدوين حتى وصل فيه إلى أعلى درجة لم يبلغها غيره من مفكري اليهود في القرون الوسطى، فألف كتاباً آخر أدّى إلى ثورة اجتماعية في حياة اليهود الدينية، ونعني به كتاب تثنية التوارة. وكان موسى بن ميمون في بادئ الأمر لا يفكر أن يدون كتاباً ضخماً ينشر على الملأ في التشريع، بل أخذ يضع نماذج من القوانين كلما قرأ أو انتهى من قراءة باب، أو فصل في أدب التلمود لتكون مرجعاً له في أثناء تأدية وظيفته الشرعية، ثم لما كثر تدوين هذه الأحكام اتضح له أنها تفيد غيره من الأحبار والقضاة. وإذا كانت طريقة التلمود هي العرض للموضوع وإفساح المجال للمناقشة بين أصحاب المذاهب والآراء المختلفة، دون الترجيح في الغالب، فإن موسى كان يعتمد على الترجيح، ولا يجمع روايات ولا يدخل في غامرة مناقشة، بل يفصل تفصيلاً ويحكم حكماً صريحاً. وصنف كتابه هذا باللغة العبرية وبأُسلوب يقترب من أسلوب المشناه، إذ كان يعتقد أن أسلوب أسفار الكتاب المقدس هو الذي يلائم الموضوعات الشعرية ولا يوافق المواضيع التشريعية التي يجب أن تكون خالصة من شوائب المجازات وفيض العواطف، كما يجب أن تكون كل قضية نتيجة بحث منطقي مجرد عن الشعور والميول الوجدانية(3).

ويصف الدكتور إسرائيل ولفنسون أسلوب بن ميمون بقوله: "وأسلوب موسى العبري غني في المفردات دقيق في التعبير، وهو ليس بأسلوب المشناه الخالص، كما أنه ليس بأسلوب الكتاب المقدس، وإنما هو خلق جديد خاص به قد أثرت فيه الأساليب النثرية العربية المألوفة عند علماء المسلمين في عهده، وكان أسلوب موسى بن ميمون العبري قد أصبح المثل الأعلى لكل من دوَّن في التشريع في العبرية"(4).

ويضيف الدكتور إسرائيل ولفنسون: "إذا كانت البحوث التي وردت في مصنفي "السراج" و "تثنية التوراة" لا تتجاوز حدود الدين وأدب الدين والتشريع الإسرائيلي فإن كتاب موسى بن ميمون الثالث "دلالة الحائرين" يشغل ناحية أخرى من التفكير الإنساني هي الناحية الفلسفية والمنطقية أو الناحية الإنسانية العامة التي كانت تشغل بال المفكرين ورجال الفلسفة في ذلك العهد، ويعد كتاب "دلالة الحائرين" ذروةَ التفكير اليهودي الفلسفي في القرون الوسطى، وهو تفكير لا يزال يخصب العقلية اليهودية إلى يومنا هذا". ويؤكد الدكتور ولفنسون على أن: "مما لا شك فيه أن ظهور التفكير الفلسفي الديني اليهودي في القرون الوسطى إنما هو نتيجة لاتصال اليهود بالحضارة الإسلامية الفلسفية، وكانت الفلسفة اليهودية العربية تتقدم مع الفلسفة الإسلامية عامة(5)، وكتاب "دلالة الحائرين" موجه إلى علماء اليهود "الحائرين" بين ما تقرره الفلسفة العقلية وبين ما أتت به التوراة وشروحها وأخذ به أحبار اليهود (أي الحائرين بين ما يقضي به العقل وما جاء به النقل). وتمهيداً للغرض الذي توخاه من تأليف هذا الكتاب بيَّن موسى بن ميمون صعوبة دراسة الفلسفة وما تحتاج إليه من دراسات تمهيدية في المنطق، ومن تطهير للنفس بالأخلاق الفاضلة والتحرز من الشهوات، كما بيَّن الصعوبات القائمة في التوفيق بين الحكمة والشريعة. وأولها أن ألفاظ التوارة هي ألفاظ مشتركة المعاني لهذا يحتاج الأمر أولاً إلى تفسير هذه الألفاظ المشتركة(6).

جديرٌ بالذكر أنه ليس هناك كتاب عبري بعد الكتاب المقدس، وصحف التلمود قد أثر أثراً عميقاً في حياة اليهود مثل كتاب "دلالة الحائرين" فقد كان يُقرأ ويُدرس في المعابد، وأصبح عماد الاسترشاد لكل من يدرس كتب الدين وفقه الشريعة اليهودية(7).


----------------------------

(*) عُرِّف المنطق بعدة تعريفات، أهمها: المنطق هو العلم الباحث في المبادئ العامة للتفكير الصحيح، وموضوعه البحث في خواص الأحكام، لا بوصفها ظواهر نفسية، بل من حيث دلالتُها على معارفنا ومعتقداتنا. ويعني على الأخص بتحديد الشروط التي بها نبرر انتقالنا من أحكام معلومة إلى أخرى لازمة عنها. وعرَّفه إمانويل كنت بقوله: "نطلق نحن كلمة "منطق "Logik على علم القوانين الضرورية للذهن والعقل بوجه عام. انظر: عبد الرحمن بدوي (د)، موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1984م، الجزء الثاني، ص 473 - 476.

(1) إسرائيل ولفنسون، مرجع سابق، ص 41 - 42.

(**) التلمود البابلي "התלמוד הבבלי": يضم مناقشات علماء التلمود (الأمورائيم) "אמוראים" في (بابل)، وقد وضع في مجمله في "بيت مدراش" راف أش "רב אשי" في (صورا) في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الميلادي. انظر: رشاد الشامي (د)، موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 2003 م، ص 307).

(***) المشناه המשנה عبرية مشتقة من الفعل العبري שָׁנָה ومعناه "كرر". ولكن بتأثير اللغة الآرامية صار معناها "درس". ثم أصبحت الكلمة تشير بشكل محدد إلى دراسة الشريعة الشفوية، وخصوصاً حفظها وتكرارها وتلخيصها. و "المشناه" عبارة عن مجموعة كبيرة من الشروح والتفاسير تتناول أسفار "التناخ" (المقرا)، وتتضمن مجموعةً من الشرائع اليهودية التي وضعها معلمو "المشناه" (הַתַּנָּאִים- التنائيم) على مدى ستة أجيال. وتُعتبر "المشناه" مصدراً من المصادر الأساسية للشريعة اليهودية، وتأتي في المقام الثاني بعد التناخ (المقرا) باعتباره هو الشريعة المكتوبة التي تُقرأ. أما "المشناه" فهي الشريعة الشفوية، أو التثنية الشفوية، التي تتناقلها الألسن، فهي إذن تكرار شفوي لشريعة موسى مع توضيح وتفسير ما التبس منها. وتتكون الـ "مشناه" من ستة أبواب هي: (زراعيم "זרעים" - موعيد "מועד" - ناشيم "נשים" - نزِيقين "נזיקין" - قوداشيم "קדשים" - طهاروت "טהרות"). انظر: حسن ظاظا (د)، الفكر الديني الإسرائيلي. أطواره ومذاهبه، معهد البحوث والدراسات العربية، 1971م، ص 78 - 94.

(2) إسرائيل ولفنسون، مرجع سابق، ص 42 - 45.

(3) المرجع نفسه، ص 45، ص 47 - 49.

(4) المرجع نفسه، ص 49.

(5) المرجع نفسه، ص 58.

(6) عبدالرحمن بدوي (د)، مرجع سابق، ص 499.

(7) إسرائيل ولفنسون، مرجع سابق، ص 136.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي (موسى بن ميمون-2)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7