الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2018
 
الجمعة 17 أغسطس 2018


التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي (موسى بن ميمون) (1)
0. نبيل محمد سعيد عبدالعزيز
"ولسنا نعلم رجلاً آخر من أبناء جلدتنا غير ابن ميمون قد تأثر بالحضارة الإسلامية تأثراً بالغ الحد حتى بدت آثاره وظهرت صبغته في مدوناته من مصنفات كبيرة ورسائل صغيرة". بهذه العبارة افتتح الدكتور إسرائيل ولفنسون تصدير كتابه المُعنوَن (موسى بن ميمون... حياته ومصنفاته) الذي أتمه عام 1936م(1). وذهب الشيخ مصطفى عبد الرازق (أستاذ الفلسفة الإسلامية في الجامعة المصرية) إلى القول في المقدمة التي كتبها للكتاب نفسه: "إنني ممن يجعلون ابن ميمون وإخوانه من فلاسفة الإسلام. وقد قلت في كلمة ألقيتها في حفلة ابن ميمون بدار الأوبرا في أول أبريل سنة 1935م ما نصه: أبو عمران موسى بن ميمون فيلسوف من فلاسفة الإسلام؛ فإن المشتغلين في ظل الإسلام بذلك اللون الخاص من ألوان البحث النظري مسلمين وغير مسلمين يسمَّون منذ أزمان فلاسفة الإسلام. وتسمى فلسفتهم فلسفة إسلامية بمعنى أنها نبتت في بلاد الإسلام وفي ظل دولته، وتميزت ببعض الخصائص من غير نظر إلى دين أصحابها ولا جنسهم ولا لغتهم، ويقول الشهرستاني في كتاب الملل والنحل: (المتأخرون من فلاسفة الإسلام مثل يعقوب بن إسحاق الكندي وحنين ابن إسحاق... إلخ). وإذا كان حنين بن إسحاق النصراني من فلاسفة الإسلام فإنه لا وجه للتفرقة بينه وبين موسى بن ميمون الإسرائيلي"(2). كما ذهب الدكتور عبد الوهاب المسيري إلى التعريف بموسى بن ميمون على أنه: "مفكر عربي إسلاميُّ الحضارة والفكر، يؤمن باليهودية وعضو في الجماعة اليهودية في إسبانيا الإسلامية "(3).

ولد موسى بن ميمون משה בן מימוּן‏ - وعرَّفه بعض العرب قديماً بأبي عمران عبيد الله - في الثلاثين من شهر مارس سنة 1135م في مدينة قرطبة في الأندلس، وكانت ولادته قبيل عيد الفصح اليهودي، وفيه يحتفل اليهود بذكرى خروج موسى بن عمران - عليه السلام - من مصر، وكان والده ميمون قاضياً في المحكمة الشرعية اليهودية بقرطبة. وكانت قرطبة وقتذاك حافلةً بالعلماء والفلاسفة من المسلمين واليهود، وقد كانت كرسي المملكة في القديم، ومركز العلم، ومحل التعظيم والتقديم، كما كانت أعظم مدينة في الأندلس. وقد عُدت قرطبة بحق من المراكز العظيمة لليهود في العصر الإسلامي الذي وصل اليهود فيه إلى أوج مجدهم، فكان منهم الوزير والطبيب في حضرة الملوك والأمراء، وكان جموع منهم يتلقون العلوم في المعاهد الإسلامية العالية، حتى نبغ منهم رجال الفلسفة والعلم والطب والشعر. وازدهرت في قرطبة علوم اللغة العبرية، وكذلك علوم الدين اليهودية، وفيها وُجدت المدرسة الدينية العالية التي أسسها موسى بن أخنوخ משה בן חנוך بمساعدة من الوزير حِسْدَاي بن شَفْرُوط חסדאי בן שפרוט، تلك المدرسة التي استغنى بها يهود الأندلس عن مدارس بغداد الشهيرة، وكانت مقصداً لطلاب العلوم الدينية من اليهود من جميع الأقطار(4).

وشكل التعايش والاندماج اليهودي في السياق العربي الإسلامي أرضية خصبة مكنت المفكرين اليهود من الإبداع والتألق؛ فعرف النتاج الفكري اليهودي في هذه الحقبة أزهى عصوره وأكثرها خصوبة، وقد تركت هذه البيئة أثراً قوياً في موسى بن ميمون، حيث يعتبر موسى بن ميمون نفسه نتاجاً مباشراً وتعبيراً بارزاً لهذا النمط من التعايش اليهودي العربي الإسلامي، كما يشهد ويؤكد على ذلك الأستاذ حاييم زعفراني Haim Zafrani قائلاً: "كان ابن ميمون نتاج مجتمع وحضارة وثقافة متميزة بالاندماج والتعايش بين مختلف مكوناتها... باستثناء المراحل التي شهدت عدم استقرار وأعمال عنف مرتبطة بالنزاع على السلطة وتغيير الحكام وانتفاضات القصور، كانت السمة الغالبة هي العمل المشترك والتعايش في كنف الأمن والسلم"(5).

وفي عام 1148م فتح عبد المؤمن بن علي(*) مدينة قرطبة، وهو ما أدى إلى نزوح أسرة ميمون التي كانت مكونة من الوالد، وولدين، وبنت واحدة، أما الأم فكانت قد توفيت بعد أشهر قليلة من ولادة موسى. وقد حلت أسرة ميمون في مدينة المرية بجنوب الأندلس. وخلال هذه التنقلات لم يهمل موسى بن ميمون تحصيل العلوم الدينية اليهودية، بالإضافة إلى تحصيل علوم الطب والفلك والمنطق والحساب والفلسفة. وبعد أن أقامت أسرته في المرية ونواحيها حوالي اثني عشر عاماً نزحت إلى المغرب في سنة 1160م. وفي العام نفسه نشر ميمون رسالة باللغة العربية حث فيها اليهود على التمسك بالعروة الوثقى، والثبات على النوازل والكوارث التي يريد الله بها أن يمتحن اليهود. ثم نشر ولده موسى - في السياق نفسه - مقالة بالعربية "في سبيل تقديس اسم الله" كانت بمثابة ردٍّ على أحد كبار أحبار اليهود، وكان لها تأثير قوي سرى في جوانح اليهود بجميع البلدان(6).

ونزحت أسرة ميمون من مدينة فاس في 18 أبريل 1165م وبعد مرور ثمانية وعشرين يوماً من الإبحار وصلت إلى ثغر عكا بفلسطين، وبعد أن أقامت ستة أشهر في فلسطين، نزح الأخوان والأخت إلى مصر وبقي والدهم في بيت المقدس، وقد وصل موسى إلى الإسكندرية ومنها انتقل إلى مصر الفسطاط وفيها ألقى عصا الترحال(7). وفي مصر أخذ يخرج نتيجة قريحته بعد سنين قليلة، وكان ذلك بداية حياته العلمية واسعة النطاق في تاريخ بني إسرائيل. والتف حول موسى بن ميمون جمهرة من الشباب - كان أغلبهم من مهاجري الأندلس والمغرب - يستمعون إلى محاضراته في علوم الدين والرياضة والفلسفة والفلك. وكان تلاميذ موسى بن ميمون هم الذين نشروا اسم أستاذهم في الديار المصرية أولاً، ثم في الشام من ناحية، والمغرب والأندلس وجنوب فرنسا من ناحية أخرى؛ لذلك أخذت الرسائل من جميع البلدان الدانية والنائية تنهال عليه وفيها أسئلة في الدين والعلم والفلسفة(8).

وبالرغم من أن موسى بن ميمون لم يصل إلى زعامة الطائفة اليهودية قبل عام 1187م فإنه كان من أعضاء هيئة المحكمة الشرعية اليهودية بالفسطاط بضع سنين قبل العام المذكور. وهذا يتضح من عقد زواج في أوراق الجنيزا(**) يذكر فيه أنه كُتب بإذن موسى حبر الطائفة الإسرائيلية العظيم، ولما اختير رئيساً للطائفة الإسرائيلية عمل على رفع مستوى الشعب اليهودي دينياً وخلقياً وعلمياً، كما أخذ ينفذ مشروعاته المختلفة، وأبى أن يتناول مكافأة مالية على خدماته في منصب الرئاسة، وقد أشار غير مرة إلى أن العمل في الرئاسة بالمكافأة مكروه وممنوع، كما أنه قام بإبطال بعض العادات التي لم ترق له، ومنها استعمال التعاويذ التي كانت منتشرة بين الطبقات العامية، لأنه كان يرى فيها نوعاً من الوثنية، كما أبطل عادة رقص العروس أمام جمهور المحتفلين بها في ملابس هزلية(9)، فقد كان الهم الأول لابن ميمون هو تنقية التصورات الدينية اليهودية من السمات الخرافية والميثولوجية فيها وصبغها بصبغة عقلانية(10).

وكان موسى بن ميمون قد احترف الطب حتى وصل صيته الطبي إلى القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني الذي كان وزيراً عند صلاح الدين يوسف بن أيوب، فقرر لموسى راتباً وما زال كذلك في دار السلطان إلى أن أصبح الطبيب الخاص للملك الأفضل نور الدين أبي الحسن علي بن صلاح الدين الذي تولى حكم مصر بعد وفاة أخيه الملك العزيز سنة 1198م(11).

توفي موسى بن ميمون يوم الإثنين 13 ديسمبر 1204م، وقد حُملت جثته إلى طبرية في فلسطين ودفن هناك. وعم الحزن في جميع البلدان التي عاشت فيها طوائف يهودية، وقيل فيه كثير من الرثاء حتى ذاع المثل في ذلك الوقت: "من موسى إلى موسى لم يقم مثل موسى"، يشيرون بذلك إلى أنه منذ عهد موسى بن عمران إلى عهد موسى بن ميمون لم يقم مثل موسى بن ميمون(12).

جديرٌ بالذكر أنه ثار جدل طويل حول مسألة إسلام موسى بن ميمون حال وجوده في الأندلس، وردَّتِه إلى اليهودية فور وصوله إلى مصر، وبحسب الدكتور إسرائيل ولفنسون، فإنه ليس في جميع المصادر اليهودية أقلُّ إشارة إلى إسلام بن ميمون في الأندلس أو في المغرب الأقصى، وقد مرت قرون كثيرة استمر فيها النضال الشديد بين أنصار موسى بن ميمون وأعدائه، وفي أثناء هذه الحملات لم يرمِ أحدٌ موسى بأنه خرج عن دين أسلافه في أي مرحلة من مراحل حياته. أما في سنة 1707م فقد نشر العالم بسانج Basnage اعتماداً على ما ورد في كتاب تاريخ مختصر الدول لابن العبري أن أسرة بن ميمون أسلمت أثناء إقامتها بالأندلس، وكان ابن العبري قد أورد رواية نصُّها: "... وفي سنة خمسٍ وستمائة مات موسى بن ميمون اليهودي الأندلسي، وكان قد قرأ علم الأوائل بالأندلس وأحكم الرياضيات وقرأ الطب هناك فأجاده علماً ولم يكن له جسارة على العمل، وأكره على الإسلام فأظهره وأسرَّ اليهودية، ولما ألزم بجزئيات الإسلام من القراءة والصلاة فعل ذلك، إلى أن أمكنته الفرصة في الرحلة بعد ضم أطرافه فخرج من الأندلس إلى مصر ومعه أهله فنزل مدينة الفسطاط بين يهودها، فأظهر دينه وارتزق بالتجارة وما يجري مجراها..."(***). وقد أدى انتشار هذا الخبر في الأندية العلمية اليهودية إلى فتنة أدبية انقسم المؤرخون من أجلها إلى فئتين: الفئة الأولى تناصر العالم بسانج وتجمع على ذلك أدلة مختلفة من مصادر شتى، ومن مؤلفات موسى بن ميمون نفسه، وكانت الأخرى تفند زعم الفئة الأولى بكل ما أوتيت من حماسة وبرهان. وبعد أن أورد الدكتور إسرائيل ولفنسون الرأيين وناقش أدلتهما أوضح بأنه لا يمكن الترجيح في هذه المسألة بشكل نهائي على أنه يميل إلى أن الأقرب إلى الحقيقة هو القول الثاني(13).


-----------------------

(1) إسرائيل ولفنسون، موسى بن ميمون. حياته ومصنفاته، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1936م.

(2) المرجع نفسه.

(3) عبد الوهاب المسيري (د)، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، الموسوعة الموجزة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2006 م، المجلد الأول، ص 343.

(4) إسرائيل ولفنسون، مرجع سابق، ص 1 - 4.

And look: Jewish Encyclopedia.
http://www.jewishencyclopedia.com/articles/11124-moses-ben-maimon

(5) جمال الدين بن عبد الجليل (د)، ابن رشد وابن ميمون، مثالان أندلسيان لصيرورة العقلنة والعلاقة بين الدين والفلسفة، ورقة بحث ألقيت كمداخلة في الملتقى الدولي حول موضوع الحضارة الإسلامية في الأندلس في القرن السادس الهجري - الثاني عشر الميلادي، الجزائر، أيام 2، 3، 4 أبريل 2007 م، ص3.

(*) عبد المؤمن بن علي بن علوي، سلطان المغرب الذي يلقب بأمير المؤمنين، الكومي، القيسي، المغربي، ولد بأعمال تلمسان سنة 487هـ، وبويع بيعتين الأولى من قبل أصحاب ابن تومرت (البيعة الخاصة) في شهر رمضان 524 هـ ثم بويع من قبل الموحدين (البيعة العامة) في 20 ربيع الأول 562 هـ، وقيل 527 هـ، وذلك بجامع تينملل. وكان لا يقر الناس إلا على ملة الإسلام، وكان يخير اليهود والنصارى في البلدان التي يفتحها بين ثلاث، إما أن يسلموا، وإما أن يلحقوا بدار الحرب وإما القتل. ولم يدع مشركاً في بلاده، فجميع رعيته مسلمون. وتوفي يوم الخميس العاشر من جمادي الآخرة سنة 558 هـ. انظر: علي محمد الصلابي (د)، تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثالثة، 2009 م، ص 321 - 351.

(6) إسرائيل ولفنسون، مرجع سابق، ص 6 - 8.

(7) المرجع نفسه، ص 8 - 9.

(8) المرجع نفسه، ص 11، ص 14.

(**) الجنيزا הגניזה: تسمية تطلق في العصر الحديث للدلالة على مكنوزات معبد ابن عزرا الخاص باليهود الربانيم في الفسطاط، كما تطلق على المستودع المؤقت الذي أودعت فيه بالمعبد، وكذلك على المدفن الدائم الذي تدفن فيه هذه المكنوزات.

(9) إسرائيل ولفنسون، مرجع سابق، ص 19.

(10) جمال الدين بن عبدالجليل (د)، مرجع سابق، ص 4.

(11) إسرائيل ولفنسون، مرجع سابق، ص 20.

(12) المرجع نفسه، ص 25 - 26.

(***) لمطالعة نص الرواية كاملة، انظر: غريغوريوس أبو الفرج بن أهرون الطبيب الملطي المعروف بابن العبري، تاريخ مختصر الدول، دار الرائد اللبناني، بيروت، الطبعة الثانية، 1994م، ص 417 - 418.

(13) إسرائيل ولفنسون، مرجع سابق، ص 27 - 40.

وانظر: عبد المنعم الحفني (د)، موسوعة فلاسفة ومتصوفة اليهودية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1994م، ص40.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي (موسى بن ميمون) (1)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7