الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2018
 
الإثنين 6 أغسطس 2018


اليهود السفارديم (4)
0. نبيل محمد سعيد عبدالعزيز
استدعت الأوضاع التي عايشها اليهود السفارديم عقب هجرتهم إلى (إسرائيل) ردوداً مختلفة تباينت ما بين تقبُّل الأمر الواقع وبين الرد عليه، وما بين السعي للاندماج الكلي في المجتمع الإسرائيلي أو الانفصال عنه، أو إيجاد طريق ثالثة ما بين هذا وذاك، واتخذت ردَّات الفعل أشكالاً اجتماعية وسياسية مختلفة.

فعلى الصعيد الاجتماعي بدأ الاعتراض مبكراً على السياسات التمييزية في المعسكرات الانتقالية التي شهدت مظاهرات عنيفة من أجل الخبز والعمل، وقد وصف مدير عام وزارة المالية في (إسرائيل) آنذاك (ديفيد هوروفيتس) "דוד הורוביץ" (1899 - 1979م) في نقاش مع (بن غوريون) وضع اليهود السفارديم في المخيمات بأنه "ثائر" و "متوقد" و "نشيط جداً"(1).

واندلعت الشرارة الأولى والأكثر أهمية في حي (وادي الصليب) - والذي يسكنه أغلبية مغربية - في (حيفا)، وقد انتفض المهاجرون المغاربة في صيف عام 1959م؛ حيث اندلعت أعمال شغب وعنف قام بها سكان الحي، وبدأت الأحداث بمشادة وقعت بين شاب من أصل مغربي من سكان الحي وبين أحد رجال الشرطة، انتهت بأن أطلق الشرطي النار على الشاب، وسرعان ما انفجر سكان الحي احتجاجاً على الشرطة ورجالها وعلى الأوضاع التي يعانون منها، وامتدت الاحتجاجات لتصل إلى الأحياء المجاورة في (حيفا)، ثم اتسع نطاقها حتى وصلت إلى (بئر السبع)، وعلى الفور تم احتواء هذه الانتفاضة بإجراء بعض الإصلاحات الغرض منها تحسين أوضاع أبناء الطوائف السفاردية، وقد أُخمدت تلك الحركة نتيجة تلك الإجراءات الإصلاحية، بالإضافة إلى القمع الأمني، كما ساعد في سرعة إخماد تلك الحركة أنها كانت تمثل احتجاجاً خاصاً بالطائفة المغربية(2).

وخلال النصف الأول من عقد الستينيات تجددت الاحتجاجات الطائفية؛ حيث قام يهود (الهند) بتنظيم عدة مظاهرات خلال عامي 1962 و 1964م مطالبين فيها بالسماح لهم بالعودة إلى موطنهم الأصلي، وتكررت احتجاجات السفارديم في النصف الثاني من الستينيات وحتى بداية السبعينيات وفي منتصف شهر يناير عام 1971م ظهرت حركة "الفهود السود" "הפנתרים השחורים" في حي (المصرارة) المتاخم لمدينة (القدس)، وسكان الحي من المهاجرين السفارديم - وخاصة من المغاربة والعراقيين - وهم في مجملهم من العمال العاطلين، والمجردين من أي مؤهل، كما أنهم يعانون من حرمان اقتصادي وثقافي واجتماعي، وقد قام "الفهود السود" بتنظيم المظاهرات والمسيرات مرددين شعارات تندد بالتمييز الذي يمارسه الإشكنازيم ضد السفارديم، وترفض تدنِّي وضعهم الاقتصادي، بالإضافة إلى إلقاء الخطابات وتوزيع المنشورات التي تتضمن نقداً عاماً للأوضاع السائدة في (إسرائيل)، وتميزت "الفهود السود" منذ البداية بملمح سياسي واضح؛ حيث كانت أول حركة تعبر عن الطوائف السفاردية جميعاً، وإن كان معظم قادتها من أصل مغربي. ولم تخلُ الثمانينيات من احتجاجات على خلفية طائفية؛ ففي صباح 28 ديسمبر 1982م والأيام التالية له اندلعت مظاهرات صاخبة في أحياء اليهود السفارديم في (القدس) و (تل أبيب) منددة بالإشكنازيم الذين وصفوهم بأنهم "نازيون"، ومنددة أيضاً بالشرطة، وذلك على خلفية مقتل شاب يهودي من أصل يمني يدعا (شمعون يهوشوع) "שמעון יהושע" في حي (كفر سالم) جنوبي (تل أبيب)، عندما حاول منع رجال الشرطة من إزالة بعض الإنشاءات التي أضافتها أسرته إلى منزلها. وفي شهر يونيو 1985م قامت مجموعة من النشطاء في ستة أحياء فقيرة في (تل أبيب) بتنظيم حملة ضد تخفيض المخصصات لإعادة إسكانهم، ودعوا في حملتهم إلى التظاهر أمام الكنيست(3).

كما لجأ اليهود السفارديم إلى الـ "هجرة العكسية"، خاصة مع إعلان بعض الحكومات العربية - مثل (المغرب) في سبعينات القرن العشرين - عن ترحيبها بعودة أبنائها من اليهود، وهو ما مثل دافعاً لهجرتهم من (إسرائيل)، وخططت العديد من العائلات اليهودية السفاردية لتصفية وجودها المالي في (إسرائيل)، والعودة إلى وطنها الأول ليس بسبب الظروف الاقتصادية فقط، وإنما لكون أفرادها - كما يقول أحدهم - "قد عُومِلوا كمواطنين من الدرجة الثانية"، وتعرضوا للتمييز، وقال آخرون: "أصبحنا لا نملك عُشْر ما أُعطي للسود في (الولايات المتحدة)"(4).

وعلى الصعيد السياسي اشتركت في فترة "اليشوف" "יישוב" (الاستيطان اليهودي في فلسطين قبل قيام الدولة) أحزاب طائفية واضحة في (كنيست إسرائيل)، مثل "قائمة السفارديم" "ספרדים ועדות מזרח" و "اتحاد اليمنيين" "התאחדות התימנים" وغيرهم. وبعد قيام الدولة لم تختفِ الأحزاب الطائفية من الساحة السياسية، وفي انتخابات الكنيست الأولى والثانية مثلت "قائمة السفارديم" و "اتحاد اليمنيين"، وقد حصلت "قائمة السفارديم" على (4) مقاعد في انتخابات الكنيست الأولى وعلى مقعدين في انتخابات الكنسيت الثانية، وحصل "اتحاد اليمنيين" على مقعد واحد، ومنذ ذلك التاريخ وحتى عام 1981م اختفت - تماماً - الأحزاب الطائفية، ويرجع سبب ذلك إلى تمكُّن الأحزاب الكبيرة من إفشالها، وذلك من خلال التنديد بطابَعها الطائفي، بالإضافة إلى فتح أبواب تلك الأحزاب الكبيرة أمام المزيد من الممثلين عن الطوائف السفاردية، إلى الحد الذي لا يشكلون فيه خطراً على طابعها الإشكنازي(5).

ومثلت نتائج انتخابات الكنيست التاسعة - والتي أجريت في 17 مايو 1977م - تحولاً بارزاً في مسار دورات الكنيست الإسرائيلي؛ فلأول مرة يحتل حزب يميني الصدارة متقدماً في ذلك على التجمع العمالي "المعراخ" "המערך"(*)، الذي ظل وسلفه الـ "ماباي" "מפא"י" منذ عام 1935م مسيطراً على قيادة الحركة الصهيونية ثم قيادة الدولة. وبالرغم من الزيادة التي حققها حزب "الليكود" "הליכוד" في عدد المقاعد في الكنيست فإن نتائج الانتخابات لا تدل - من الناحية العملية - على تزايد كبير وحقيقي في قوة "الليكود" بقدر ما تدل على هزيمة منكرة لحزب "المعراخ"؛ حيث حقق حزب "الليكود" زيادة قدرها أربعة مقاعد، وفي المقابل خسر "المعراخ" (19) مقعداً مقارنة بنتائج الكنيست الثامنة، وهذا ما دفع بـ "الليكود" إلى المركز الأول، وقد تراكمت عدة عوامل منذ منتصف الستينيات وحتى عام 1977م أدت إلى فقدان الحزب تأييد الكثيرين من ناخبيه، ومن ثَمَّ ضعف قوته البرلمانية وزيادة قوة اليمين المعارض(6). ومن أهم تلك العوامل إلقاء مسؤولية الانهيار العسكري في حرب أكتوبر 1973م من قبل الرأي العام الإسرائيلي على عاتق الحكومة العمالية، كما أضعف مركزَ الحزب الانقساماتُ والفضائح المالية التي عصفت به، وتحول جزء كبير من أصوات السفارديم من "المعراخ" إلى "الليكود"(7).

وتجدر الإشارة إلى أن أنه خلال العقدين الأولين من قيام دولة (إسرائيل) كان التطابق بين النظام السياسي والاجتماعي ضئيلاً؛ إذ لم تكن قد تبلورت بعد قوى سياسية متنوعة تمثل مختلف الاتجاهات السائدة في المجتمع، فقد استطاع حزب "ماباي" الحاكم آنذاك الهيمنة على جميع شرائح المجتمع من دون أن تكون هذه الشرائح ممثلة في السلطة تمثيلاً يتلاءم وحجمَها، فهذا الحزب المكوَّن في الأساس من الإشكنازيم والذي كان يستحوذ على أصوات أكثرية الطائفة الإشكنازية، استطاع تعبئة القسم الأكبر من المهاجرين السفارديم من دون أن تكون هذه التعبئة ناجمة من قِبَل هؤلاء المهاجرين عن ارتباط أو تماثل أيديولوجي، وإنما عن تضافر الارتباط التنظيمي والاقتصادي والاعتراف المتحفظ بالجميل للقيادة وخصوصاً لـ (دافيد بن غوريون) الذي أتاح لهم الهجرة إلى البلاد المقدسة(8).

ويرجع تصويت اليهود السفارديم لصالح "الليكود" في انتخابات 1977م إلى اعتبارهم أن حزب "المعراخ" مسؤولاً عن أوضاعهم المزرية في السنوات السابقة منذ هجرتهم إلى (فلسطين)، بالإضافة إلى تقدم حزب "الليكود" ببرنامج اقتصادي يعطي لليهود السفارديم حوافز اقتصادية(9). ويرى (إيلي إيليشار) "אלי אלישר" - في تفسيره للجوء اليهود السفارديم لتأييد اليمين الفاشي المتطرف - أن كل قاعدة اجتماعية تتألم لا بد أن تثور، وهي تلجأ عندئذٍ أول ما تلجأ إلى أبنائها، فإذا رأت أن لا فائدة ترجى منهم فهي تتحول إلى أقرب الأحزاب إليها لتعمل على إسقاط الحزب الحاكم آملةً في أن الحكم الجديد سيحسِّن من حالتها. إن الاقتراع لـ (مناحم بيغن) "מנחם בגין" (1913 - 1992م) هو إعلان احتجاج شديد اللهجة، لأن السفارديم لم يشعروا بأنهم يملكون القوة للوقوف وجهاً لوجه أمام المؤسسة الحاكمة بتنظيماتها الخاصة، عندئذٍ لجؤوا إلى الحزب البديل كأفضل طريقة يعبرون بها عن يأسهم واعتراضهم. ويقول الباحث (سمحا لنداو) "שמחה לנדאו" إن الطبقات الأكثر انحطاطاً في (إسرائيل) حالياً توجد في الجانب الأيمن من المتراس الاجتماعي السياسي الطائفي، وهذه الطبقات تعتبر أن حزب "المعراخ" مسؤولاً عن كل الضائقات التي حلت بهم، وتبريرهم هو أنه خلال السنوات الثلاثين الأولى للدولة شاع طابع سياسي خاص وعمت أحاسيس الظلم، وكان انتصارهم الكبير حينما فاز "الليكود" في انتخابات 1977م وشكَّل الحكومة، وأصبح (بيغن) يوصف بأنه مغربي بولندي. بينما يعتبر الباحث الاجتماعي (أشير آريان) "אשר אריאן" أن المصوتين لحزب "الليكود" يتميزون بأنهم منحدرون من دول آسيا وإفريقيا، وغالباً ما يكونون حديثي السن، ويرى أنه بسبب الزيادة التدريجية في عدد أبناء الطوائف السفاردية بالنسبة لمجموع السكان فإن من الطبيعي أن يتعزز معسكر اليمين الذي يتماسكون معه. أما الباحث (يوحنان بيرس) "יוחנן פרס" فيرى أن لجوء السفارديم إلى حزب "الليكود" ناجم عن البحث عن تعبير لهم وهوية ثقافية وسياسية لأنفسهم، وعن منزل لا يأوون إليه ضيوفاً بل يريدون تسلُّم مفتاحه، بالإضافة إلى إحجامهم عن حزب "المعراخ" نتيجة الأزمة الاقتصادية، واعتباره حزب أجهزة ومؤسسات اقتصادية وحزب أرباب العمل(10).

وبالرغم من تأييد اليهود السفارديم لحزب "الليكود"، والذي يوجد في صفوفه 45% من أصل سفاردي، فإنه قد ظلت قياداته على الدوام من اليهود الإشكنازيم، واستناداً إلى هذا فإنه اعتباراً من عام 1981م ومع تكريس الاستقطاب الطائفي في (إسرائيل)، بدأت تتشكل أحزاب سياسية في (إسرائيل) على أساس طائفي تعكس رغبة اليهود السفارديم في الوجود في الساحة السياسية وَفْقاً لحجمهم وقوتهم داخل المجتمع الإسرائيلي(11)؛ ففي انتخابات الكنيست العاشرة - التي أجريت في 30 يونيو 1981م - فاز حزب "تامي" (حركة تقاليد إسرائيل) "תמ"י" (תנועת מסורת ישראל) برئاسة (أهارون أبو حصيرا) "אהרן אבוחצירא" (1938م - ) بثلاثة مقاعد، وضم في صفوفه غالبية من يهود المغرب، وتُعد "تامي" أول قائمة حزبية تنشق عن "المفدال" (الحزب الديني القومي) "המפד"ל" (המפלגה הדתית לאומית)، وهي قائمة سفاردية تعكس مواقف حزب "المفدال" نفسها، حتى أنه شاع عنها أنها "مفدال شمال إفريقيا" نسبة إلى استقطابها اليهود الشرقيين المغاربة، وفي انتخابات الكنيست الحادية عشرة - التي أجريت في 23 يوليو 1984م - ظهر حزب "شاس" (اتحاد السفارديم حراس التوراة) "ש"ס" (התאחדות הספרדים העולמית שומרי תורה) (**) وحصل على أربعة مقاعد، بينما حصل حزب "تامي" على مقعد واحد، وبينما اندمجت "تامي" في "الليكود" عشية انتخابات الكنيست الثانية عشرة - والتي أجريت في 1 يناير 1988م -(12) ما زال "شاس" أحد أهم الأحزاب الدينية السفاردية على الساحة السياسية الإسرائيلية، ويحتل صدارة الأحزاب الدينية في الكنيست الإسرائيلي. وتميز كلٌّ من حزبي "تامي" و "شاس" عن الأحزاب الطائفية الأخرى في أنهما قد تأسسا على المزج ما بين العاملَين الطائفي والديني، إلا أن "تامي" فشل في أن يُعمِّر طويلاً على الساحة السياسية لعدة أسباب:

أولاً: امتنع حزب "تامي" عن تعريف نفسه كحزب ديني بشكل واضح، بالرغم من أن جميع الذين دعموه وصوتوا لصالحه هم من اليهود السفارديم المتدينون الذين تركوا حزب "المفدال" الديني.

ثانياً: اقتصر تأييد حزب "تامي" على يهود شمال إفريقيا دون غيرهم من اليهود السفارديم.

ثالثاً: تأسيس حزب "شاس" عشية انتخابات الكنيست الحادية عشرة عام 1984م؛ حيث كان لتأسيس "شاس" أثر سلبي كبير على حزب "تامي"(13).

وأسس (دافيد ليفي) "דוד לוי" (***) حركة "جيشر" "גשר" في عام 1995م، وانضمت "جيشر" إلى "الليكود" و "تسوميت" "צומת" في انتخابات الكنيست الرابعة عشرة التي أجريت في 29 مايو عام 1996م وحصلت القائمة مجتمعة على (32) مقعداً(14). وفي عام 1999م انضمت "جيشر" إلى قائمة (إسرائيل واحدة) "ישראל אחת" وضمت القائمة حزب "العمل" و "جيشر" و "ميماد" "מימד"، وحصلت القائمة مجتمعة على (26) مقعداً(15).

كما ظهرت حركة القوس الديمقراطي الشرقي في عام 1996م كحركة اجتماعية ذات هوية ثقافية سفاردية تغاير الحركات السابقة؛ حيث تعود أصول هذه الحركة إلى شريحة متقدمة اجتماعياً وثقافياً، كما تركز نشاطها خارج الكنيست(16).

ويعتبر هذا بعثاً للأحزاب الطائفية، بالإضافة إلى القوائم الطائفية التي اشتركت في انتخابات الكنيست ولكنها فشلت في بلوغ نسبة الحسم، يرجع إلى عاملين أساسيين:

1 – الانسحاب من الأحزاب الإشكنازية التي ظلمت السفارديم الذين كانوا يصوتون لصالحها، وعلى هذا الأساس انسحب حزب "تامي" من "المفدال"، وانسحب "شاس" من "أجودات يسرائيل" "אגודת ישראל".

2 – الإحساس بأن القوة التصويتية السفاردية هي قوة هائلة، ولا بد من توجيهها إلى تأييد الأحزاب السفاردية من أجل الدفاع عن مصالح الجمهور السفاردي.

وبطبيعة الحال فإنه يمكن فهم هذه الظاهرة على ضوء أن العامل الديني والمحافظة بل التمسك الشديد بالتقاليد اليهودية الدينية هو من أبرز الخصائص التي تميز أبناء الطائفة السفاردية في (إسرائيل)، الذين يرفضون بشدة علمنة الدين اليهودي وفق المفهوم الصهيوني الاشتراكي الذي عبرت عنه الأحزاب الصهيونية الاشتراكية(17).



الخُلاَصة:

بناءً على ما سبق نخلص إلى أن الجماعتين (الإشكنازيم والسفارديم) قد نشأتا في بيئتين منفصلتين جغرافياً، ومختلفتين ثقافياً وحضارياً، وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور هويتين مختلفتين للفرد اليهودي، وصيغتين متباينتين للفكر الديني اليهودي، كل صيغةٍ منهما مشبعة تماماً بالوسط الجغرافي الذي نشأت وترعرعت فيه عبر قرونٍ طويلة. ومع الشروع في إقامة دولة (إسرائيل) كان اللقاء الصادم بين الجماعتين، وبالرغم من أنه بطبيعة الحال لم يكن اللقاء الأول، فإنه كان اللقاء الأخطر، وتكمن الخطورة في الخوف المتبادل بين الطرفين من سعي الطرف الأخر لفرض هويته وبسط سيطرته على المجتمع والدولة الوليدة، وكان الصراع محسوماً وقتها لصالح الإشكنازيم لعدم تكافئ فرص الطرفين في تلك المرحلة؛ حيث ساهمت طبيعة الهجرة السفاردية، وتوقيتها، ونوعية المهاجر، في تكريس المعاناة الطائفية التي عاينها السفارديم وعانوا منها.

واستدعت الأوضاع التي عايشها السفارديم عقب هجرتهم إلى (إسرائيل) ردات فعلٍ متباينة ما بين تقبل الأمر الواقع وبين الرد عليه، وما بين السعي للاندماج الكلي في المجتمع الإسرائيلي أو الانفصال عنه، أو إيجاد طريق ثالثة ما بين هذا وذاك. واتخذت ردات الفعل أشكالاً عدة، استُغلت فيها كافة الوسائل التي أُتيحت لهم، بدءاً من الاحتجاج الاجتماعي، وصولاً إلى الاحتجاج السياسي، دفاعاً عن هويتهم ودفعاً لوضع اقتصادي واجتماعي عصيب تم فرضه عليهم. فعلى الساحة الاجتماعية بدأ الاحتجاج مبكراً على السياسات التمييزية في المعسكرات الانتقالية التي شهدت العديد من التظاهرات العنيفة كانت بداية لسلسلة طويلة من الاحتجاجات الشعبية، وعلى الساحة السياسية اتخذ الصراع عدة مراحل، كانت البداية بعزوف السفارديم عن التصويت لصالح حزب "المعراخ" - "العمل" فيما بعد - والمساعدة في دفع "الليكود" لسدة الحكم لأول مرة في تاريخه عام 1977م، وبالرغم من أن "الليكود" كان يضم بين صفوفه 45% من أصل سفاردي، فقد ظلت قيادته على الدوام من اليهود الإشكنازيم، واستناداً إلى هذا ومع تنامي شعور السفارديم بقوتهم التصويتية وقدرتهم على تمثيل مصالحهم الخاصة، فقد شرع السفارديم منذ عام 1981م في استغلال البعد الديموغرافي لصالحهم وتشكيل أحزاب سياسية على أساس طائفي رغبةً منهم في الحضور على الساحة السياسية وفقاً لحجمهم وقوتهم التصويتية داخل المجتمع.

(1) أحمد مصطفى جابر، مرجع سابق، ص72.

(2) أشرف راضي، الفجوة. الصراع الطائفي في التجمع الصهيوني، دار البيادر للنشر والتوزيع، القاهرة، 1987م، ص 139 - 140.

And: Zvi Zameret، “ The melting pot in Israel: The commission of inquiry concerning the Education of immigrant children during the early years of the state “، State University of New York Press، United States of America، 2002، p 149.

(3) أشرف راضي، مرجع سابق، ص 140 - 143.

(4) أشرف راضي، مرجع سابق، ص 140 - 143.

(5) أحمد الشحات، "التمييز الطائفي للسفاراديم في ضوء تجربة الاستيعاب"، مختارات إسرائيلية، عدد 100، أبريل 2003م، ص 126.

(6) رشاد عبد الله الشامي (د)، القوى الدينية في إسرائيل، مرجع سابق، ص 188 - 189.

(*) (المعراخ) "המערך": تجمع تشكل عشية انتخابات 1969م من أحزاب "الماباي" "מפא"י" و "المابام" "מפ"ם" و "أحدوت هعفوداه" "אחדות העבודה" وجزء من "رافي" "רפ"י" حتى 1984م، وصار يُعرف في ما بعد بحزب "العمل" "העבודה".

(7) عبد الفتاح محمد ماضي، الدين والسياسة في إسرائيل. دراسة في الأحزاب والجماعات الدينية في إسرائيل ودورها في الحياة السياسية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1999م، ص 351.

(8) كولن شندلر، إسرائيل الليكود والحلم الصهيوني. السلطة السياسة والأيديولوجيا من بيغن إلى نتنياهو، ترجمة: محمد نجار، الأهلية للنشر والتوزيع، المملكة الأردنية الهاشمية - عمان، 1997 م، ص 97 - 105.

(9) رشاد عبد الله الشامي (د)، القوى الدينية في إسرائيل، مرجع سابق، ص 183.

(10) أشرف راضي، مرجع سابق، ص 145.

(11) رشاد عبد الله الشامي (د)، القوى الدينية في إسرائيل، مرجع سابق، ص 185 - 187.

(1) المرجع نفسه، ص 189.

(**) (شاس) "ש"ס": هو - أيضاً - اختصار للكلمات (شيشِت سِفْري) "ששת ספךי" ويقصد به الأبواب الستة للـ "مشناه" وهي: (زراعيم "זרעים" - موعيد "מועד" - ناشيم "נשים" - نزِيقين "נזיקין" - قوداشيم "קדשים" - طهاروت "טהרות") ويشمل هذا المصطلح كلاً من "المشنا" "משנה" و "الجمارا" "גמרא" معاً. انظر (رشاد الشامي (د)، موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية، مرجع سابق، ص 299).

(12) عبد الفتاح محمد ماضي، مرجع سابق، ص 253، 360، 364.

(13) محمد أمارة، السلوك السياسي لليهود الشرقيين في إسرائيل، في: أودي أديب وآخرون، مرجع سابق، ص 122 - 123.

(***) دافيد ليفي "דוד לוי": ولد في (المغرب) في 21 ديسمبر عام 1937م، وهاجر إلى (إسرائيل) عام 1957م، يحمل الشهادة الثانوية. تولى منصب رئيس إدارة كتلة "تخِيلِت لافَان" في الهستدروت (نقابة العمال) العامة، وعضو في اللجنة التنفيذية في الهستدروت العامة. انظر: (موقع الكنيست على شبكة المعلومات الدولية)،

http://www.knesset.gov.il/mk/arb/mk.asp?mk-individual-id-t=72

(14) عبد الفتاح محمد ماضي، مرجع سابق، ص 402.

(15) انظر: "أصوات المقترعين"، مختارات إسرائيلية، عدد 54، يونيو 1999م، ص 59.

(16) مئير بوبايوف، القوس الديمقراطي الشرقي: إلى أين؟، في: أودي أديب وآخرون، مرجع سابق، ص 89 - 91.

(17) رشاد الشامي (د)، القوى الدينية في إسرائيل. بين تكفير الدولة ولعبة السياسة، مرجع سابق، ص 190.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 اليهود السفارديم

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7