الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2018
 
الإثنين 6 أغسطس 2018


حاخامات اليهود: عوفديا يوسف (1)
0. نبيل محمد سعيد عبدالعزيز
نشرت صحيفة (معاريف) عام 2004م قائمة ضمت أسماء أكثر الحاخامات تأثيراً في الرأي العام في (إسرائيل)، وتضمنت أسماء عشرين حاخاماً كان على رأسهم الرابي (عوفديا يوسف)(1)، ويُعَد الرابي (عوفديا يوسف) أكبر شخصية دينية سفاردية في (إسرائيل) والعالم، وأحد أهم وأبرز رجال الدين اليهودي في القرن العشرين، وتُعَد التجربة التي صاغها وخاضها الرابي (عوفديا يوسف) أحد أبرز المحاولات السفاردية التي بذلت لمحاولة مقاومة الهيمنة الإشكنازية وفرض الهوية السفاردية، وبالرغم من وجود العديد من المحاولات التي خاضها السفارديم فإن خصوصية هذه المحاولة تكمن في اشتمالها على خطاب ديني وإطار سياسي اجتماعي(2). وتهدف هذه السلسة إلى تتبع السيرة الذاتية للرابي (عوفديا يوسف)، واستكشاف ملامح فكره الديني واتجاهاته السياسية وتأثيره على الساحة الإسرائيلية.

وُلد (عوفديا يوسف) "עובדיה יוסף" في بغداد في 23 سبتمبر عام 1920م، وفي عام 1924م هاجر إلى (القدس) مع عائلته، والتحق في صغره بالدراسة في مدرسة "بورات يوسف" الدينية(3) - والتي اعتمدت نمطاً حريدياً سفاردياً يقوم على مناهج تعليمية أكثر عقلانية في التحليل النصي للتراث الديني(4) - وبرع (عوفديا يوسف) في تعلم (الشريعة اليهودية) "הלכה"، وعُرف عنه الاجتهاد في أحكامها، فقام وهو ابن الثامنة عشرة بنشر كتابه الأول "יביע אומר" (قول صريح)، ثم قُلد كحاخام وهو ابن اثنين وعشرين عاماً على يدي حاخام طائفة اليهود السفارديم في (فلسطين) - تحت الانتداب - الحاخام (بن تسيون مئير حاي عوزئيل) "בן-ציון מאיר חי עוּזיאל" (1880 - 1953م). وعُرف عن (عوفديا يوسف) نشأتُه في بيئة فقيرة، حتى أن زوجته كانت تخلط اللبن بالماء - من شدة الفقر - ليكفيَ أطفالها، كما أنه كان لا يملك شراء مصباح إضاءة، وهو ما كان يضطره لدراسة التوراة ليلاً على ضوء القمر، غير أن فقره لم يكن ليقف حائلاً أمام عزيمته في دراسة التوراة، حتى اشتُهر بين حاخامات السفارديم في (فلسطين)، فعُين في منصب قاضي في الشؤون الدينية (دايان) (דין) في سن الخامسة والعشرين من عمره، ثم نُدب إلى (مصر) عام 1947م حيث تولى رئاسة المحكمة الحاخامية اليهودية في (مصر)، ثم أصبح نائباً للحاخام الأكبر في (مصر)، قبل أن يعود إلى (القدس) في عام 1950م، حيث عمل كـ "دايان" في محكمة (بيتح تيكفا) "פתח תקווה" الحاخامية، ومنها انتقل للعمل في محكمة حاخامية (القدس)، التي ظل فيها حتى عام 1968م(5)، كما عمل رئيساً للمعهد الديني المقدسي للحاخام الأكبر لليهود السفارديم آنذاك (يتسحاق نيسيم) "יצחק נסים" (1895 - 1981م)، وفي عام 1968م انتُخب (عوفديا يوسف) لمنصب الحاخام الأكبر لـ (تل أبيب)(6)، وكان تعيينه في هذا المنصب منعطفاً هاماً في حياته، فقد تحسنت أحواله الاقتصادية بصورة ملحوظة وأمَّنت له وظيفته الجديدة شقة سكنية كبيرة وراتباً مجزياً وسيارة خاصة، وهو ما ساعده على توسيع نشاطاته الجماهيرية، وقد رشح نفسه عام 1963م لمنصب الحاخام الأكبر للسفارديم إلا أنه فشل في الوصول إلى هذا المنصب(7).
وكرمته (إسرائيل) في عام 1970م بمنحه (جائزة إسرائيل) "פרסי ישראל"(*) على كتاباته التوراتية(8)، وفي عام 1973م استطاع الفوز بمنصب الحاخام الأكبر للسفارديم في (إسرائيل) بعد منافسة مع أستاذه السابق الحاخام (يتسحاق نيسيم)(9). وبحسب (يائير شيلج) فإن الحسابات السياسية والضغائن الشخصية هي ما حال دون أن يحقق الرابي (عوفديا يوسف) حلمه في أن يشغل منصب الحاخام الأكبر للسفارديم في (إسرائيل) طيلة أيام حياته؛ حيث إنه من البداية أتاح القانون الترشح للمنصب لولايات عديدة ولكن بشرط تجديد الانتخاب كل خمس سنوات، إلا أنه في عام 1978م ومع انتهاء الولاية الأولى للرابي (عوفديا يوسف) ونظيره الإشكنازي الحاخام (شلومو جورين) "שלמה גורן" (1917 - 1994م) تم التوصل إلى اتفاق بأنهما لن يضطرا إلى خوض انتخابات من جديد، على أن تقتصر مدة ولايتهما على عشر سنوات فقط، ومع انتهاء السنوات العشرة في عام 1983م طلب كلٌّ من (عوفديا يوسف) و (شلومو جورين) الاستمرار في شغل المنصب، وكان حزب "المفدال" على استعداد للعمل من أجل تغيير القانون، إلا أن هذا الأمر لقي معارضة من جانب وزير العدل آنذاك (موشيه نيسيم) "משה נסים" (1935م - ) الذي لم ينس حقيقة أن (عوفديا يوسف) قد شغل المنصب بدلاً من أبيه الحاخام (يتسحاق نيسيم)، كما عارضه أيضاً حزب "أجودات يسرائيل" الذي لم يكن لديه مشكلة بعينها مع (عوفديا يوسف) إلا أنه أراد التخلص من نظيره الإشكنازي الحاخام (جورين)(10).

وتولى الرابي (عوفديا يوسف) رئاسة (مجلس حكماء التوراة) "מועצת החכמים התורה" منذ تأسيسه عام 1984م، والذي يُعد السلطة العليا والمرجع الديني الأعلى لحزب "شاس"، ويضم المجلس حالياً كلاً من الحاخام (شالوم كوهين) "שלום כהן"، والحاخام (شمعون بعدني) "שמעון בעדני "، والحاخام (موشيه مايا) "משה מאיה"، والحاخام (رفائيل بنحاسي) "רפאל פנחסי " والذي يتولى منصب سكرتير المجلس(11).


وبالرغم من أن الرابي (عوفديا يوسف) قد درس أصول الشريعة اليهودية طبقاً للمنهجين الإشكنازي والسفاردي، فإن هذا لم يعفه من تجاهل واضطهاد النخبة الإشكنازية، التي وعلى الرغم من اعترافها بغزارة علمه، فإنها لم تعطه التقدير الذي يستحقه، حيث اعتبره الإشكنازيم جيداً بما فيه الكفاية بالنسبة للسفارديم، ولكنهم يتعجبون من وقاحته بمقارنة نفسه بحاخامات الإشكنازيم، ولذلك لم يتقلد الرابي (عوفديا يوسف) أي منصب ديني تابع للمؤسسة الدينية الإشكنازية، واعتُبر في الأوساط الدينية الإشكنازية كحافظ للتوراة وليس مفسراً لها، بل إن بعض الحاخامات وصفوه بالحمار الذي يحمل الأسفار دون أن يعي محتواها، وبالرغم من ذلك فقد تفوق الرابي (عوفديا يوسف) في بحور الشريعة اليهودية؛ حيث أصبح أحد أهم مفسري المسائل التوراتية في عصره كما يقول (موشيه كافيه) "משה קוה" رئيس جامعة "بار - إيلان" (ذات التوجهات الإشكنازية) والذي يعتبر أن نجاح الرابي (عوفديا يوسف) يعود لنجاحه في إحداث ثورة في المنهج السفاردي، بالإضافة إلى نجاحه في إحياء شعائر الديانة اليهودية في المجتمع السفاردي، ويضيف الباحث (عمر كامل) (Omar Kamil) بأن نجاح الرابي (عوفديا يوسف) لا يقتصر على توسعه في أمور الشريعة اليهودية، بل أيضاً في قدرته على تبسيط قواعد الشريعة المعقدة، وشرحها في إطار سلس يجد قبولاً عند مريديه ومستمعيه(12).

واتسم الفكر الديني الذي بلوره الرابي (عوفديا يوسف) بكونه يجمع بين الفكر الديني المجرد والفكر الديني الاجتماعي(13)، وارتكزت أيديولوجية (عوفديا يوسف) على إيجاد القاسم المشترك بين القضايا المختلف عليها، والعمل على التقريب بين الأشياء بدلاً من التطرف والانعزال، فهو لا ينادي بالتشدد بالعقاب بل بالغفران والتسامح، كما أنه يُركز على الأشياء العملية واليومية لا على دراسة الدين من أجل الدراسة، يقول (آدم باروخ) "אדם ברוך" (الباحث في القضايا الدينية): "السؤال الذي يطرحه الرابي (عوفديا يوسف) ليس فقط ما هو الوضع الأمثل الذي نريده في عالم التشريع اليهودي؟ بل كيف يتعايش مع ذلك الإنسان اليهودي اليوم؟"(14).

جديرٌ بالذكر إنه من الناحية اللغوية توجد فجوة هائلة بين اللغة الدارجة التي يتحدث بها الرابي (عوفديا يوسف) في دروسه وعظاته الدينية وفي تصريحاته إلى وسائل الإعلام، وبين اللغة والأسلوب الذي يستخدمه في كتبه وكتاباته التوراتية، فبحسب (يهوديت باومل) "יהודית באומל" فإن الرابي (عوفديا يوسف) يعرف أن مستمعي دروسه في عظات مساء السبت في كنيس "هيازديم" "היזדים" وعشرات الآلاف من المتابعين لعظاته في العالم عبر الأقمار الصناعية يحتاجون إلى اللغة الشعبية، ولذا يتعمد ترديد التعبيرات الرائجة من أجل الحفاظ على يقظتهم، وحتى يتوحدوا مع الدرس الديني ذاته، وهو ما يجعله ينزل إلى لغتهم، شريطة ألا يهملوا دراسة التوراة التي هي أهم في نظره من كل شيءٍ أخر، وبالمقارنة بالعبرية الجذلة التي استخدمها الحاخام (شاخ) أو العبرية الحديثة الممهورة أحياناً بتعبيرات أجنبية خفيفة التي استخدمها أدمور طائفة جور الحاخام (بنحاس مناحم ألتر) "פינחס מנחם אלתר" (1926 - 1996م) فإن اللغة الدارجة التي يستخدمها الرابي (عوفديا يوسف) تُعد شاذة من ناحية المزج الذي تحتويه بين التعبيرات الشعبية والقواعد اللغوية القديمة، وتضيف (يهوديت باومل) أنه قد كشف بحث أُجري مؤخراً على اللغة والثقافة في العالم الحريدي أن حالة الرابي (عوفديا يوسف) تُعد شاذة وغريبة على هذا الجمهور، موضحاً بالأمثلة كيف أن لغة الشارع تبلور شكل التعبير اللغوي للرابي (عوفديا يوسف) وليس العكس(15).

كما اتسم الرابي (عوفديا يوسف) بالتيسير في الفتوى ومراعاة متغيرات الواقع، والعمل على إحياء مجد المنهج الديني السفاردي باعتباره المنهج الأكثر صحة وأصالة، وهو ما سوف نتعرف عليه في مقالنا القادم بإذن الله تبارك وتعالى.



____________________

(1) אבישי בן חיים ורועי שרון، " NRG יהדות גאה להציג: 20 הרבנים החשובים "، מעריב، 12 / 8 / 2004 .

www.nrg.co.il/online/11/ART/766/967.html

(2) نبيل محمد سعيد عبدالعزيز، الاتجاهات الدينية والاجتماعية لحزب شاس وتأثيرها على مسيرة السلام (الرابي عوفديا يوسف نموذجاً)، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد الدراسات والبحوث الآسيوية، جامعة الزقازيق، 2013م، ص 84.

(3) מרן רבי עובדיה יוסף שליט"א، מפלגת ש"ס، http://www.shas.org.il/Web/He/Council/Maran/118.aspx .

(4) نبيه بشير، عودة إلى التاريخ المقدس: الحريدية والصهيونية، قَدْمُس للنشر والتوزيع، سورية، 2005م، ص 318.

(5) Omar Kamil ," Rabbi Ovadia Yosef and his "culture war" in Israel " , Op. Cit ,

http://meria.idc.ac.il/journal/2000/issue4/jv4n4a3.html

(6) يائير شيلج، المتدينون الجدد في إسرائيل، ترجمة: يحيي محمد عبد الله إسماعيل (د)، سلسلة الدراسات الدينية والتاريخية، مركز الدراسات الشرقية، جامعة القاهرة، ص 251.

(7) عبد الغفار الدويك (د)، أنبياء إسرائيل الجدد. رؤى اليهود للعالم ولأنفسهم، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة، 2003م، ص 382.

(*) جائزة إسرائيل "פרסי ישראל": جائزة سنوية تُمنح من قبل دولة (إسرائيل)، وهي بمثابة أعلى تكريم رسمي في (إسرائيل)، وبدأت فكرة منح تلك الجائزة عام 1953م بمبادرة من وزير التربية والتعليم آنذاك (بن تسيون دينور) "בן ציון דינור" (1884 - 1973 م)، وهي تمنح للمواطنين (الإسرائيليين) سواء كانوا أفراداً أو جماعات ممن حققوا نجاحاً وتميزاً في مجالات عملهم، أو الذين قدموا إسهامات هامة في المجتمع الإسرائيلي. انظر: (موقع الجائزة على الإنترنت: http://www.education.gov.il/pras-israel / ).

( 8) פרסי ישראל، http://www.education.gov.il/pras-israel/

(9) عبد الغفار الدويك (د)، مرجع سابق، ص 382.

(10) يائير شيلج، مرجع سابق، ص 253.

And: Jacob Abadi , Ethnicity and Religion in Israeli Politics: Emergence of the Shas Party , in: Santosh C. Saha (eds) , ” Religious fundamentalism in the contemporary world: critical social and political issues “ , Lexington Books , United States of America , 2004 , p 241.

(11 ) אודות ועצת החכמים، מפלגת ש"ס،

http://www.shas.org.il/Web/He/Council/About/Default.aspx

(12) Omar Kamil ," Rabbi Ovadia Yosef and his "culture war" in Israel " , Op. Cit , http://meria.idc.ac.il/journal/2000/issue4/jv4n4a3.html

(13) نبيه بشير، عودة إلى التاريخ المقدس: الحريدية والصهيونية، مرجع سابق، ص 321.

( 14) مروان درويش، حركة شاس واليهود الشرقيون، في: أودي أديب وآخرون، اليهود الشرقيون في إسرائيل. الواقع واحتمالات المستقبل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2003 م، ص 183.

(15) יהודית באומל، "הוא גדול, הוא גדול, הוא גדול".הרב עובדיה، הארץ، 5 / 1 / 2003. http://www.haaretz.co.il/misc/1.852804 .

 
 
   Bookmark and Share      
  
  عوفديا يوسف (1)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7