الجمعة 27 يوليو 2018


التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي: سعديا جاؤون (2)
0. نبيل محمد سعيد عبدالعزيز
عاصر سعديا جاؤون ازدهار الحركة العلمية والثقافية للمسلمين، واطلع على ما خلفه علماء المسلمين من مؤلفات ومعارف، كما قرأ عن المناقشات والمجادلات العلمية بين المدارس الفكرية المختلفة، كمدرستي أهل السنة والمعتزلة في العقيدة، ومدرستي الكوفة والبصرة في النحو، ومدرستي الحجاز والعراق في الفقه والتشريع(1). وفي الوقت نفسه فقد عايَشَ سعاديا الوقت الذي كانت اليهودية تعاني فيه من أزمة حقيقية، نتيجةً لانتشار الإسلام ودخول كثير من اليهود فيه، أو الشك في دينهم أو محاولة إصلاحه(2). فآلى سعديا على نفسه - متأثراً بعلماء الكلام المسلمين - أن يبين أن الدين اليهودي يتفق كل الاتفاق مع العقل والتاريخ، فأخرج في حياته القصيرة التي لا تتجاوز خمسين عاماً مقداراً ضخماً من المؤلفات، معظمها لا يماثلها في سجل التفكير اليهودي في العصور الوسطى إلا مؤلفات ابن ميمون(3).

وكتب سعديا جاؤون عدة رسائل في الشريعة اليهودية، جمع الكثير منها ونشرها J. Muller في باريس سنة 1897م. وتشتمل على رسالة في الميراث، ورسالة في الوصايا الـ 613(*)؛ وتفسير قواعد التأويل الثلاث عشرة، أجوبة مجموعة. أما مؤلفاته في العقيدة اليهودية فكتابه الرئيسي فيها هو كتاب "الأمانات والاعتقادات"، وقد كتبه باللغة العربية، ويقول سعديا إنه ألف هذا الكتاب ليقدم إلى إخوانه في الدين من اليهود دليلاً يهتدون به في مواجهة التشويش الذي أحدثته الفرق الدينية والمنازعات الكلامية التي سادت القرن العاشر الميلادي، ومن أجل محاربة المشككين في الدين مثل حيوي البلخي(**). فهو في الجملة جدال ضد الفرق والمذاهب التي رأى سعديا أنها ضالة أو منحرفة عن جادة الديانة اليهودية، كما تصورها سعاديا(4). ويرى ول ديورانت أن كتاب "الأمانات والاعتقادات" هو أعظم رد في الدين اليهودي على الخارجين عليه(5).

بدأ سعديا كتابه "الأمانات والاعتقادات" - على غرار كتب علم الكلام الإسلامية - بالكلام عن المعرفة، فقال: إن مصادرها ثلاثة: الإدراك الحسي، والمبادئ الضرورية، والبرهان العقلي بالقياس المنطقي. ثم أضاف على هذه المصادر الثلاثة - التي يقول بها الفلاسفة - مصدراً رابعاً، هو النقل الديني الصحيح. ويرى سعديا أن هذا المصدر ضروري لمن لا يستطيعون التفكير العقلي المنطقي. كما يرى اتفاق المعقول والمنقول الصحيح، ويؤكد أنه لا تعارض بين ما جاء في النصوص الدينية وما يقرره العقل، لكنه اضطر في سبيل هذا إلى الاعتماد على التأويل حينما لا يتفق النص الديني في الظاهر مع ما يقضي به العقل. وبعد هذا المدخل المعرفي، يتناول سعديا العقائد الرئيسية، وهنا نراه ينقل عن المعتزلة مجمل آرائهم في هذه المسائل، ولا يكاد يختلف عنهم في شيء. فهو يبدأ كتابه - بعد هذه المقدمة - بالحديث عن الخلْق، ويقرر أن الخالق خلق الكون من العدم. ويسوق على هذا أربعة براهين: الأول منها يستند إلى فلسفة أرسطو، والثلاثة الباقية مستمدة من علماء الكلام المسلمين. ثم ينتقل سعديا إلى الحديث عن ذات الله تبارك وتعالى وصفاته، مؤكداً على أن الله لم يضطر إلى خلق العالم، بل خلقه بمحض إرادته. وقد خلقه ليعبده المخلوقون بالتزام أوامره ونواهيه، وهو ما يؤدي بهم إلى السعادة. وكما أخذ سعديا عن المعتزلة آراءهم في الإلهيات، كذلك فعل في ميدان الأخلاق، فقد قال إن الإنسان حر مختار في أفعاله، وبرر ذلك بأن قال إن من إكرام الله للإنسان أن جعله يكتسب الجزاء الحسن بواسطة أفعاله التي هو مسؤول عنها، ولهذا يجب أن يكون الإنسان حر الإرادة، وإلا لم يكن مسؤولاً عن أفعاله(6).

وتناول سعديا في الفصل الثالث من كتابه موضوع الأوامر والنواهي. فقال إن الأوامر والنواهي التي أعطاها الله لبني إسرائيل تنقسم على نوعين: نوع يقضي به العقل، ويستطيع الإنسان أن يكتشفه بعقله، ونوع يقوم على المنقول في الشريعة، ولا أساس له في العقل. ويضيف بأن القوانين العقلية تندرج تحت ثلاثة مبادئ عقلية أساسية: الأول هو أن العقل يتطلب أن يشكر المرء لمن أحسن إليه. ولهذا فمن المعقول أن يأمر الله الإنسان بشكره وحمده بواسطة العبادة. والثاني هو أن العقل يقتضي ألا يسمح العاقل بأن يُهان. ولهذا فإن ما يقتضيه العقل هو أن يمتنع الإنسان من إهانة الله، وذلك بأن يحلف باسم الله زوراً، أو أن يصفه بصفات التشبيه بالإنسان، والمبدأ الثالث هو أن العقل يقتضي ألا يضر الناس بعضهم بعضاً. ولهذا كان المعقول أن ينهى الله عن السرقة، والقتل، والزنا، وإيذاء الغير بأية طريقة من الطرق. ويشير سعديا إلى أنه حتى القوانين النقلية من الممكن أن نجد لها سنداً من العقل، أو أن نكتشف فيها وجه الحكمة، فمثلاً النهي عن العمل في يوم السبت يمكن تبريره - بحسب سعديا - بأن الراحة من الأعمال المادية في يوم السبت تمكن من التفرغ للتأملات الروحية في يوم معين من أيام الأسبوع(7).

ويصف Erwin Rosenthal هذا التقسيم بقوله: إننا مدينون لسعديا في التمييز بين أوامر التوراة تلك التي يحكمها العقل، وتلك التي جاءت عن طريق الوحي، على أن مبعثه المتكلمون، وهم طائفة من علماء المسلمين(8).

وفي الفصل الأخير من كتابه "الأمانات والاعتقادات" تناول سعديا بعث الموتى، والمسيح المنتظر، والخلاص. وأطال القول في واجبات الإنسان في هذه الحياة كيما يحصل على السعادة الحقة، وهو يقول إن البعث سيحدث بعد خلق عدد معين من النفوس(9).

ويعلق ول ديورانت على آراء سعديا جاؤون بقوله: "ولقد تأثر سعديا إلى حد كبير بفقهاء الإسلام وسار على نهجهم في الشرح والإيضاح، بل إنه استعار منهم في بعض الأحيان أساليب الجدل والنقاش. وقد انتشرت آراؤه في جميع أنحاء العالم اليهودي، وتأثر بها ابن ميمون، وهل أدلَّ على هذا من قول ابن ميمون: لولا سعديا لكادت التوراة أن تختفي من الوجود"(10).

جديرُ بالذكر أن ابن النديم أورد في كتابه الفهرست في سياق حديثه عن التوراة التي في يد اليهود وأخبار علمائهم ومصنفيهم، ما نصه: "ومن أفاضل اليهود وعلمائهم المتمكنين من اللغة العبرانية، ويزعم اليهود أنها لم تَرَ مثله: الفيومي. واسمه سعيد، ويقال: سعديا. وكان قريب العهد، وقد أدركه جماعة في زماننا، وله من الكتب: كتاب المبادئ؛ كتاب الشرائع؛ كتاب تفسير إشعياء؛ كتاب تفسير التوراة نسقاً بلا شرح؛ كتاب الأمثال، وهو عشر مقالات؛ كتاب تفسير أحكام داود؛ كتاب تفسير النكت، وهو تفسير زبور داود عليه السلام؛ كتاب تفسير السفر الثالث من النصف الآخر من التوراة: مشروح، كتاب تفسير كتاب أيوب؛ كتاب إقامة الصلوات والشرائع، كتاب العبور، وهو التاريخ"(11). واللافت للنظر هنا أن ابن النديم لم يذكر كتاب "الأمانات والاعتقادات" ضمن هذه المؤلفات، والذي انتهى سعديا من تأليفه عام 934م(12). بالرغم من أن شهرة سعديا تعود لأمرين أحدهما وضعه هذا الكتاب، والثاني نقله التوراة إلى اللغة العربية(13). وهو العمل الذي سنسلط عليه الضوء في مقالنا القادم بإذن الله تعالى.


-----------------------

(1) عبد الرازق أحمد قنديل (د)، الأثر الإسلامي في الفكر الديني اليهودي، مركز بحوث الشرق الأوسط، جامعة عين شمس، 1984م - 1404 ه، ص179.

(2) عبدالوهاب المسيري (د)، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، الموسوعة الموجزة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2006 م، المجلد الثاني، ص38.

(3) ول وايريل ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة: محمد بدران، الجزء الثالث من المجلد الرابع - 14، دار الجيل للطبع والنشر والتوزيع، بيروت، ص44.

(*) الفرائض الستمائة وثلاثة عشر: هي الشرائع التي أوحي بها إلى موسى في سيناء، ومن بينها ثلاثمائة وخمس وستون شريعة ناهية، أي "لا تفعل"، بما يتناسب مع أيام السنة الشمسية، ومائتان وثمانٍ وأربعون شريعة مفروضة، أي شريعة "افعل"، بما يتناسب مع عدد أعضاء جسم الإنسان. (انظر: رشاد الشامي (د)، موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 2003م، ص315).

(**) حيوي البلخي: مفسر يهودي وناقد للتوراة ظهر في آواخر القرن التاسع الميلادي، أصله من بلخ في فارس، وقد ألف كتاباً فيه ما يزيد عن مائتي اعتراض على الأصل الإلهي للتوراة. واتفق اليهود على اعتباره من الهراطقة.

(4) عبدالرحمن بدوي (د)، ملحق موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1996م، ص180 - 181.

(5) ول وايريل ديورانت، مرجع سابق، ص44.

(6) عبدالرحمن بدوي (د)، مرجع سابق، ص181.

(7) المرجع نفسه، ص182.

(8) Erwin I. J. Rosenthal, Studia Semitica, Volume 1: Jewish Themes, Cambridge University Press, 1971. p174.

(9) عبدالرحمن بدوي (د)، مرجع سابق، ص182.

(10) ول وايريل ديورانت، مرجع سابق، ص45.

(11) ابن النديم، الفهرست، تحقيق: إبراهيم رمضان، دار المعرفة، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، 1997م، ص34 - 35.

(12) عبدالرحمن بدوي (د)، مرجع سابق، ص183.

(13) جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثالثة، 2006م، ص364.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  سعديا جاؤون (2)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7