الجمعة 27 يوليو 2018


يـهـود الـيـمـن... الـقـصـة الـكـامـلـة (1-3)
نبيل محمد سعيد عبدالعزيز
أعلنت الوكالة اليهودية يوم 21 مارس الماضي أنها نجحت في نقل سبعة عشر من اليهود اليمنيين إلى إسرائيل، في عملية وصفت بالسرية، ومن بين المجموعة الحاخام سليمان دهاري الذي وصل مع والديه وزوجته، وأحضر معه نسخة قديمة من التوراة تعود إلى ثمان مائة عام، مكتوبةً على جلد حيوان، وتم الحفاظ عليها طوال تلك الفترة. بينما كشف موقع الوكالة اليهودية أن عدد من تبقى من اليهود في اليمن يقدر بحوالي (50) يهودياً اختاروا البقاء في اليمن، منهم (40) يعيشون في صنعاء، في مجمعات سكنية مغلقة بالقرب من السفارة الأمريكية.(1)

وقد أعاد هذا الخبر تسليط الضوء على طائفة تُعد أقدمَ وأصغرَ الطوائف الدينية الموجودة باليمن. وكانت قد اضطربت أقوال المؤرخين في أسباب ظهور الديانة اليهودية في ربوع بني حمير، فطائفة منهم ترى أن ظهورها كان نتيجة نضال عنيف بين الديانتين اليهودية والنصرانية، تمكنت فيه الأولى من التغلب على الأخرى في بادئ الأمر. وطائفة أخرى تعترف بأن للعامل الديني أثراً ظاهراً ولكنها ترجح أن الباعث الأصلي إنما هو سياسي قبل كل شيء، ومن هذه الطائفة العالمانGlaser وWinkler ، وهذا الباعث الأصلي الذي تراه الطائفة الأخيرة يكمن في أن ملوك الدولة الرومانية الشرقية بعد أن فرغوا من أمر الأقاليم المجاورة للجزيرة العربية تأهبوا لضم أطرافها إلى أملاكهم فسلكوا لتنفيذ هذا الغرض طريقة سياسية محكمة، حيث أرسلوا وفوداً من الرهبان إلى تلك البلاد، وأمروهم أن يبثوا التعاليم النصرانية بين أهل الحضر والبادية من جهة ويمهدوا الأفكار والنفوس لقبول التسلط السياسي الروماني من جهة أخرى، فلما تنبه ملوك حمير لهذه الحيل وأدركوا ما يتعرض له كيانهم السياسي من الخطر الشديد بسببها، نشطوا لإحباطها وفكروا في أمضى الأسلحة التي تمكنهم من القضاء عليها، فهداهم فكرهم إلى أن يعتنقوا الديانة اليهودية. ويضيف الدكتور إسرائيل ولفنسون بأن هناك عاملين آخرين لظهور الديانة اليهودية في بلاد اليمن لم يصرح بهما المؤرخون:

الأول: أن ملوك حمير لم يخشوا على أنفسهم من اعتناق اليهودية أن تتسلط عليهم دولة ذات سلطان كبير ونفوذ واسع، فلم يكن لليهودية في ذلك العصر دولة سياسية، في حين أن النصرانية كانت تعتمد على الدولة الرومانية الشرقية الطامعة في فتح بلادهم.

والثاني: أن تعاليم الديانة اليهودية ومبادئها أقرب إلى العقلية العربية من الديانة النصرانية التي كانت يومئذٍ تستمد بعض تعاليمها من الفلسفة اليونانية.(2)

والطائفة اليهودية في اليمن قديمة جداً، ومن المعروف أن اليهودية في اليمن كانت أقدم عهداً في التاريخ من النصرانية، بيد أنه لا توجد كتابات بالمسند تشير إلى زمن دخول اليهودية إلى اليمن، أو شهادات تاريخية تبين ذلك بدقة، بل كل ما هنالك تخمينات وأحاديث تغلفها الأساطير. ومن بين أبرز تلك الأساطير أن يهود اليمن ينتمون إلى الذين رافقوا ملكة سبأ بعد عودتها من زيارة الملك سليمان، بحسب ما ورد في سفر الملوك الأول الإصحاح العاشر. والثابت أنه في بداية القرن الثالث الميلادي وجدت طوائف يهودية بين سكان اليمن، وكانت أوضاعها آنذاك مزدهرة، كما أنها قد نجحت في تحويل كثير من قبائل جنوب الجزيرة العربية إلى اليهودية.(3) وقُدر عدد اليهود خلال القرون الستة الأولى للميلاد في تلك المنطقة بثلاثة آلاف يهودي.(4)

ولم تطرأ تغيرات جدية على أوضاع اليهود في اليمن حتى ظهور الإسلام ودخوله أرض اليمن، فخيروا بين الإسلام ودفع الجزية، وسمح لهم بممارسة حياتهم الدينية وشعائرهم كالمعتاد كما حظوا بحماية المسلمين لحياتهم وممتلكاتهم مقابل دفع الجزية، ولم تكن الجزية بالمبلغ الكبير بل كان ميسوراً، فقد روى الترمذي عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْيَمَنِ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلاَثِينَ بَقَرَةً تَبِيعاً أَوْ تَبِيعَةً وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً (زكاة على المسلمين منهم) وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَاراً أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ‏(للجزية).‏ في حين أسقطت الجزية على النساء، والذراري، والعبيد، والمغلوبين على عقولهم، والشيوخ كبار السن.

وطوال تلك الفترة وحتى عام 1948م كان اليهود ينتشرون في ربوع اليمن كغيرهم من المواطنين دون خصوصية معينة، فمنهم من سكن القرى ومنهم من سكن المدن والأحياء، وقد كانوا يعيشون حياتهم الآمنة ويتابعون أنشطتهم في مختلف المجلات، وكانوا من أكثر الجاليات نفوذا؛ً وذلك بسبب تغلغلهم في الحياة الاقتصادية. وفي إحصاء قامت به السلطات البريطانية عام 1955م اتضح أن عدد اليهود الموجودين في عدن هم خمسة آلاف يهودي.(5)

وبدأت هجرة يهود اليمن إلى فلسطين في وقت مبكر، في أوائل عقد الثمانينات من القرن التاسع عشر؛ ففي عامي (1881 - 1882م) هاجر (200) يهودي من صنعاء ومن المناطق المحيطة بها، تبعهم بعض المجموعات في السنوات التالية. ولكن الهجرات قد توقفت خلال فترة الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918م)، ثم استؤنفت عام 1923م، وقُدِّر المجموع العام ليهود اليمن الذين هاجروا إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1923م وحتى 31 مايو 1950م (85.436) يهودياً.(6) وكانت أشهر وأكبر عملية لتهجير يهود اليمن هي العملية التي أطلق عليها البساط السحري מבצע מרבד הקסמים، وبدأت بمغادرة أول مجموعة من يهود (اليمن) مطار عدن بتاريخ 16 ديسمبر 1948م, ووصلت عملية "البساط السحري" إلى نهايتها من الناحية الرسمية في 24 سبتمبر 1950م، وبلغ العدد الإجمالي لليهود المهجرين (47.170) يهودي يمني.(7)


_______________________________

(1) موقع الوكالة اليهودية على شبكة الإنترنت:

http://www.jewishagency.org/blog/1/article/46201

(2) إسرائيل ولفنسون، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، مطبعة الاعتماد، مصر، 1927م، ص 36 - 37.

(3) كاميليا أبو جبل (د)، يهود اليمن. دراسة سياسية واقتصادية واجتماعية، دار النمير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1999م، ص 15 - 17.

(4) مأمون كيوان، اليهود في الشرق الأوسط. الخروج الأخير من الجيتو الجديد، الأهلية للنشر والتوزيع، المملكة الأردنية الهاشمية، 1996م، ص 65.

(5) المرجع نفسه، ص 56 - 66.

(6) المرجع نفسه، ص 133 - 134.

(7) كاميليا أبو جبل ( د )، مرجع سابق، ص 186 - 195.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 يـهـود الـيـمـن... الـقـصـة الـكـامـلـة (1-3)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7