الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2018
 
الثلاثاء 10 يوليو 2018


التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي: موسى بن ميمون (4)
0. نبيل محمد سعيد عبدالعزيز
استمد كتاب "تثنية التوراة" أهميته من أنه كان المرة الأولى التي يقوم فيها مفكر يهودي بتصنيف الشرائع والمواثيق اليهودية بشكل منظم. وفي ما يتعلق بدوافع تأليف هذا العمل الموسوعي وبطريقة تنظيمه فإن المؤلف يذكر في المقدمة: "اعتمدت أنا موسى بن ميمون الأندلسي على الله، وعلى فهمي لكل هذه الأسفار، ورأيت أن أكتب أشياء واضحة مستقاة من كل المؤلفات التي حددت مفاهيم الحرام والحلال والتي حددت ما هو دنس وما هو طاهر، والتي تناولت كل أحكام التوراة، وكتبت كل شيء بلغة واضحة وبإيجاز، حتى تصبح كل الشريعة الشفهية معروفة ومنظمة لدى الجميع، وهذا المؤلَّف يجمع كل الشريعة والنظم والأحكام منذ عهد نبينا موسى وحتى تأليف الجمارا..".(1) ويضيف ابن ميمون في سبب تسمية كتابه " تثنية التوارة " بأن السبب في ذلك يرجع إلى أن من يقرأ التوراة أولاً ثم يقرأ كتابه هذا لا يحتاج بعد ذلك إلى أن يبحث في كتب أخرى عن تفسير لقوانين التوراة.(2)

وسلك موسى بن ميمون في كتابه منهجاً منطقياً فلسفياً في شرح الشريعة اليهودية، وذلك عن طريق التقسيمات النوعية للقوانين التي شرحها واستخدام المصطلحات الفلسفية متأثراً بمذاهب الفلاسفة والمتكلمين المسلمين في ترتيب هذه القوانين ترتيباً منطقياً يقوم على إخضاع تلك القوانين الصارمة لتقسيم عقائدي فلسفي يتمثل في علاقة الإنسان بخالقه وما ينظم هذه العلاقة والنتيجة المترتبة عليها وما ينتج عن معرفة المخلوق للخالق، هذه المعرفة التي تقوم على الاعتراف بوحدانية الله وعدم الشرك به، والتي ستؤدي حتماً إلى حب الله والتفاني في الإخلاص له إلى غير ذلك من الأمور التي يترتب بعضها على الآخر في تسلسل منطقي يذكرنا بأساليب المعتزلة والمتكلمين المسلمين في عرض قضاياهم وأفكارهم. فقسم ابن ميمون القوانين التي تضمنتها التوراة إلى أربعة أقسام:

أولاً: القوانين التي تنظم العلاقة بين الخالق والمخلوق.

ثانياً: العلاقة التي تنظم علاقة المخلوق مع نفسه.

ثالثاً: العلاقة التي تنظم علاقة خاصة بفلسطين، ويقصد بها الطقوس والأوامر الخاصة بالهيكل وما يُتَّبع هناك.

رابعاً: القوانين التي تنظم علاقة الإنسان اليهودي بمجتمعه سواء في ذلك القوانين المدنية أو الجنائية.
ومن خلال هذه التقسيمات بدأ يُفَرع ابن ميمون ويضع أسماء لمجموعات القوانين المتفرعة عن هذه التقسيمات.(3)

وتجدر الإشارة إلى أنه في الوقت الذي أشار فيه موسى بن ميمون في ثنايا كتابه "دلالة الحائرين" إلى المصادر الفكرية التي اطلع عليها ونقل منها معارفه، فإنه لم يُشِر في مقدمته "لفصول الآباء" التي تعرف باسم "الثمانية فصول" أو في كتابه "تثنية التوراة" إلى المصادر الفكرية التي استقى منها أفكاره، واكتفى بقوله: "ولتعلم أن ما سأقوله في هذه الفصول، وأن كل ما سيرد في التفسير ليس من بنات أفكاري، وإنما كل ما سيرد هنا منتقى من أقوال حاخامات "المدراش" و "التلمود" والبعض منتقى من مؤلفات وأقوال الفلاسفة سواء من القدماء أو المحدثين ومن مؤلفاتٍ أخرى، وأَسمع الحقيقة من الذي يقولها، وقد اقتبس أحياناً مقولة كاملة من كتابٍ معروف، ولا ضرر في هذا، ولا أفتخر بما قاله من سبقوني، وأعترف بهذا، ولن أذكر من هو القائل لأن هذه إطالة لا جدوى منها". ويُرجع الدكتور جمال الرفاعي أن سبب التباين في المنهج الذي اتبعه موسى بن ميمون في "دلالة الحائرين" وبين المنهج الذي اتبعه في مقدمته "لفصول الآباء" وفي " تثنية التوراة" يكمن في أن طبيعة العمل الديني الذي أقدم على تفسيره ألزمه بتجنب ذكر أي مصادر غير يهودية في ثنايا العمل الديني، خاصة وأن هذا العمل كان موجهاً في المقام الأول إلى عامة اليهود، ومن المحتمل أيضاً أن يكون قد تخوَّف من أن تؤدي إشارته لمصادر غير يهودية إلى إثارة غضب رجال الدين اليهود.(4)

وبالبحث عن المصادر الفلسفية التي استقى منها موسى بن ميمون فلسفته ونشرها في كتابه "تثنية التوراة" ومقدمته "لفصول الآباء"، نجد أن فلسفة أبو نصر محمد الفارابي كانت هي النبع الرئيسي الذي استقى منه ابن ميمون. حيث انتحل آراء الفارابي في المواضيع الفلسفية التي تناولها في كتابيه، مع تطابق الأسلوب والألفاظ، واكتفى في عمله بمحاكاة كل ما ورد في أعمال الفارابي من أفكار وتشبيهات. جديرٌ بالذكر أن ابن ميمون لم يخف إعجابه بمؤلفات الفارابي، حيث أوصى مترجمه صموئيل بن تبون في خطابٍ أرسله إليه بالاطلاع عليها، يقول ابن ميمون في خطابه: "لا تدع كتب المنطق تشغلك كثيراً سوى تلك التي ألفها أبو نصر الفارابي، إن كل ما ألفه الفارابي يتسم بقدرٍ كبيرٍ من الحكمة، إن أفكاره تساعد المرء على فهم الحقائق، وإن الشك لا يرقى إلى حكمته ".(5)

وبمقارنة مضمون فلسفة الفارابي الأخلاقية التي أوردها في مؤلفاته "رسالة في آراء أهل المدينة الفاضلة" و " التنبيه على سبيل السعادة" و " السياسة المدنية" و "فصول المدني" بما ورد في مقدمة موسى بن ميمون "لفصول الآباء" وكتابه "تثنية التوارة" فإننا نرى أن ابن ميمون قد تبنى المفاهيم نفسها التي طرحها الفارابي لكل من النفس والأخلاق، فنجد ابن ميمون يؤكد - على غرار الفارابي في كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة - أن النفس الإنسانية تمتلك قوى عديدة، تتيح للإنسان ممارسة كافة الأنشطة، وعلى حد اعتقاد ابن ميمون فإن هذه القوى هي: "القوة الغاذية والحاسة والمتخيلة والنزوعية والناطقة"، ويُعَرِّف ابن ميمون القوة المتخيلة بقوله: "والجزء المتخيل هو القوة التي تحفظ رسم المحسوسات بعد غيبتها عن مباشرة الحواس التي أدركتها فتُركب بعضها إلى بعض وتفصل بعضها عن بعض، ولذلك تُرَكّب هذه القوى من الأمور التي لا يمكن إدراكها، كما يتخيل الإنسان سفينة حديد تجري في الهواء، وشخص إنسان رأسه في السماء ورجليه في الأرض، وشخص حيوان بألف عين مثلاً، وكثير من هذه الممتنعات تركبه هذه القوة المتخيلة وتوجده في الخيال".(6) وعند مقارنة تعريف ابن ميمون لهذا الجزء من النفس بتعريف الفارابي للقوة المتخيلة من النفس فإننا نجد تشابهاً ملحوظاً يؤكد ما ذهبنا إليه من أن ابن ميمون استقى آراءه تلك من أعمال الفارابي، حيث يقول الفارابي عن القوة المتخيلة: "هي التي تحفظ رسوم المحسوسات بعد غيبتها عن الحس وتركب بعضها إلى بعض، وتفصل بعضها عن بعض، في اليقظة والنوم، تركيباتٍ وتفصيلاتٍ بعضها صادق وبعضها كاذب ". (7)

وسار ابن ميمون أيضاً على نهج الفارابي عند تعريفه للقوة النزوعية من النفس، فيعرفها بقوله: "والجزء النزوعي هو القوة التي بها يتشوق الإنسان لشيءٍ ما أو يكرهه، وعن هذه القوة يصدر من الأفعال الطلب والإيتاء لأمر ما والتجنب له والغضب والرضا والإقدام والقسوة والرحمة والمحبة والبغضة وكثير من هذه العوارض النفسانية".(8) وعرفها الفارابي - في كتابه السياسة المدنية - بقوله: "والنزوعية هي التي يكون بها النزاع الإنساني بأن يطلب الشيء أو يهرب منه، ويشتاقه أو يكرهه، ويؤثره أو يجتنبه. وبها يكون البغضة والمحبة والصداقة والعداوة والخوف والأمن والغضب والرضا والشهوة والرحمة وسائر عوارض النفس".(9)

وبعد أن شرح ابن ميمون وظيفة كل قوة من قوى النفس البشرية معتمداً على ما أورده الفارابي، فإننا نجده قد حاكى الفارابي أيضاً في أن أحوال النفس شديدة الشبه بأحوال البدن، وأن حالة مرضى الأبدان تشبه حالة من يبتعدون عن الفضيلة والصواب، وهم الذين أطلق عليهم الفارابي اسم (مرضى الأنفس)، ويطلق الفارابي هذا التعبير على من لا يتمسكون بالفضيلة وعن مرضى الأنفس يذكر الفارابي: " كما أن مرضى الأبدان يُخيّل لهم فساد حسهم في ما هو حلو وفي ما هو مر ويتصورون الملائم بصورة ما هو غير ملائم، وغير ملائم بصورة ما هو ملائم، كذلك الأشرار وذوو النقائص إذا كانوا من مرضى الأنفس يُخيّل لهم في ما هو شرور أنها خيرات، وفي ما هي خيرات أنها شرور". وفي ما يتعلق بابن ميمون فإنه يستخدم في " تثنية التوراة" التشبيه نفسه الذي استخدمه الفارابي، فيذكر ابن ميمون: "إن مرضى الأبدان يرون أن ما هو مر حلو وأن الحلو مر، فبعض المرضى يأكلون أطعمة يجب ألا تؤكل مثل التراب والفحم، ويكرهون الأطعمة الطيبة مثل الخبز واللحوم، وهذا الأمر يعتمد على مدى قوة المريض، والبشر الذين نفوسهم مريضة يحبون الآراء الشريرة ويكرهون الصراط المستقيم، ويتلكؤون في السير عليه لأن هذا الصراط صعب عليهم، ويذكر إشعياء 5: 20: (وَيْلٌ لِلْقَائِلِينَ لِلشَّرِّ خَيْرًا وَلِلْخَيْرِ شَرًّا، الْجَاعِلِينَ الظَّلاَمَ نُورًا وَالنُّورَ ظَلاَمًا، الْجَاعِلِينَ الْمُرَّ حُلْوًا وَالْحُلْوَ مُرًّا)، وقيل عليهم في سفر الأمثال 2: 13: (التَّارِكِينَ سُبُلَ الاسْتِقَامَةِ لِلسُّلُوكِ فِي مَسَالِكِ الظُّلْمَةِ). ويلاحظ هنا أن ابن ميمون تجنب ذكر المصدر الذي استقى منه مع ذكره لبعض الفقرات من سفري إشعياء والأمثال والتي يتشابه مضمونها مع ما قد اقتبسه من الفارابي، ويرجح أن ابن ميمون اقتبس هذه الفقرات من التوراة بغرض توضيح أن كل ما كتبه يتماشى مع روح الشريعة والكتابات اليهودية، وأن كل ما يطرحه من أفكار مستمد من روح الشريعة.(10)

ومن بين المسائل الرئيسية التي تناولها ابن ميمون مسألة الفضيلة وسبل اكتسابها، وبالرغم من أن رؤية ابن ميمون لسبل اكتساب الفضيلة تتشابه مع ما ورد في كتاب الأخلاق لأرسطو غير أن الأسلوب الذي استخدمه ابن ميمون في إطار حديثه عن الفضيلة لا يشبه فقط أسلوب الفارابي وإنما يتطابق معه، ففي إطار حديث الفارابي عن سبل اكتساب الفضيلة يذكر: "لا يمكن أن يفطر الإنسان من أول أمره بالطبع ذا فضيلة ولا ذا نقيصة، كما لا يمكن أن يفطر الإنسان بالطبع حائكاً ولا كاتباً، ولكن يمكن أن يكون بالطبع معداً نحو أحوال فضيلة أو رذيلة بأن تكون أفعال تلك أسهل عليه من أفعال غيرها، ومتى كُررت أفعال الفضيلة وتمكنت بالعادة حتى تصير هيئة للنفس فإن الهيئة المتمكنة من العادة هي التي يقال لها فضيلة". ويؤكد ابن ميمون على غرار الفارابي أن الفضيلة لا تكتسب إلا عن طريق الممارسة، فيذكر ابن ميمون: "لا يمكن أن يفطر الإنسان من أول أمره بالطبع ذا فضيلة ولا ذا نقيصة، كما لا يمكن أن يفطر الإنسان بالطبع ذا صناعة من الصنائع العملية، ولكن يمكن أن يفطر بالطبع معداً نحو فضيلة أو رذيلة بأن تكون أفعال تلك عليه من أفعال غيرها، واعلم أن الفضائل الخلقية إنما تتحصل وتتمكن في النفس بتكرير الأفعال الكائنة عن ذلك الخلق مراراً كثيراً في زمان طويل واعتيادها لها، فإن كانت تلك الأفعال خيرات كان الذي يحصل لنا هو الفضيلة".(11) وبعد أن حدد ابن ميمون أن الفضيلة لا تكتسب إلا عن طريق الممارسة، فإنه أوضح - على غرار الفارابي - أن الأخلاق الحميدة هي التي تتسم بالاعتدال والتوسط، وكما هو معروف فقد أكد الفارابي في أكثر من عمل أن الفضيلة هي نوع من الوسط بين طرفين أحدهما إفراط والآخر تفريط، فمثلاً فضيلة كالشجاعة هي وسط بين إفراط هو التهور وتفريط هو الجبن، وفضيلة كالكرم أو السخاء هي وسط بين إفراط هو التبذير وتفريط هو التقتير، وعند تعريف الفارابي لهذه الحالة المتوسطة للأخلاق فإنه يذكر: "الأفعال التي هي خيرات هي الأفعال المعتدلة المتوسطة بين طرفين هما جميعاً شر أحدهما إفراط والآخر نقص، وكذلك الفضائل فإنها هيئات نفسانية وملكات متوسطة بين هيئتين وكلتاهما رذيلتان أحدهما أزيد والأخرى أنقص، مثل العفة فإنها متوسطة بين الشره وبين عدم الإحساس باللذة، والسخاء متوسط بين التقتير والتبذير، والشجاعة متوسطة بين التهور والجبن". وعند مقارنة مفهوم الفارابي للأخلاق بما ذكره موسى بن ميمون عن المفهوم نفسه في كتابه "تثنية التوراة" فإننا نجد مرة أخرى التطابق نفسه الذي وجدناه في سائر الأمثلة السابقة، فيذكر ابن ميمون: "إن الصراط المستقيم هو درجة متوسطة في كل رأي ورأي من بين كل الآراء التي للإنسان، وهو الرأي الذي يبعد عن الطرفين بعداً متساوياً، حيث لا يقترب لهذا الرأي ولا لهذا الرأي، ولهذا أمر الحاخامات الأوائل أن يهتم الإنسان بآرائه دائماً ويوجهها إلى وجهة وسطى حتى يصبح سليماً".(12)


__________________________________

(1) جمال الرفاعي (د)، تأثير فلسفة الفارابي على تفسير موسى بن ميمون للمشنا، في: أبحاث ندوة التأثيرات العربية في اللغة العبرية والفكر الديني والأدب العبري عبر العصور (26 - 27 ديسمبر 1992م)، دار الزهراء للنشر، ص87.

(2) عبد الرازق أحمد قنديل (د)، الأثر الإسلامي في الفكر الديني اليهودي، مركز بحوث الشرق الأوسط، جامعة عين شمس، 1984م - 1404 هـ، ص 254.

(3) المرجع نفسه، ص 253 - 256.

(4) جمال الرفاعي (د)، مرجع سابق، ص 88 - 89.

(5) المرجع نفسه، ص 90.

(6) المرجع نفسه، ص 90 - 91.

(7) أبو نصر الفارابي، السياسة المدنية، تحقيق: فوزي متري نجار (د)، المطبعة الكاثوليكية، بيروت - لبنان، 1964م، ص 33.

(8) جمال الرفاعي (د)، مرجع سابق، ص 91.

(9) أبو نصر الفارابي، السياسة المدنية، مرجع سابق، ص 33.

(10) جمال الرفاعي (د)، مرجع سابق، ص 92 - 94.

(11) المرجع نفسه، ص 94 - 95.

وانظر: الفارابي، رسالة التنبيه على سبيل السعادة، دراسة وتحقيق: سحبان خليفات (د)، منشورات الجامعة الأردنية، عمان، الطبعة الأولى، 1987 م، ص 62 - 63.

(12) جمال الرفاعي (د)، مرجع سابق، ص 95 - 96.

وانظر: الفارابي، رسالة التنبيه على سبيل السعادة، مرجع سابق، ص 63 - 65.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  موسى بن ميمون (4)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7