الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2018
 
الثلاثاء 10 يوليو 2018


التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي: سعديا جاؤون (1)
0. نبيل محمد سعيد عبدالعزيز
دأب اليهود على الادعاء ببقاء دينهم صافياً نقياً منذ نشأته في القرن الثالث عشر قبل الميلاد أي حوالي 3200 عام، كما ادعوا بأن ثقافتهم اليهودية كانت هي الأساس الذي اعتمدت عليه الديانتان النصرانية والإسلام؛ حيث نبعت النصرانية من رحمها واستلهم الإسلام من وحيها. وقد راق هذا الزعم لكثيرٍ من المشككين في الإسلام (قديماً وحديثاً) فمالوا إلى القول بأن اليهودية هي الجذور الأولى التي يعود إليها أصل الإسلام، وذلك نظراً لتشابه كثير من العقائد والشرائع بين الديانتين.
وقد فصلنا في المقالات الخمس السابقة كيف انتحل مُنظم اليهودية الحديثة وواضع أركانها موسى بن ميمون الآراء الفلسفية التي كانت رائجة في زمانه وقبل زمانه، وصبغها بصبغة دينية، وبثها في صلب الديانة اليهودية، حتى صارت هذه الآراء أصلاً من أصول الدين، بعد أن صارت مؤلفات ابن ميمون حجر الزاوية في اليهودية. وعمل ابن ميمون ليس بفريد في تاريخ اليهودية، فقد تأثر الكثيرون غيره من علماء اليهود تأثراً بالغاً بالبيئة الإسلامية المحيطة بهم، واتخذوا لأنفسهم المعارف والمناهج العلمية العربية في ما يتعلق بالدين والفلسفة والعبادات والأخلاقيات والنحو والتفسير (وهو ما سنتناوله بالتفصيل في مقالاتنا القادمة بإذن الله تعالى).

فالبرغم من أن جوهر وصايا التوراة هو عدم التشبه بالأمم الأخرى، وهو الأمر الذي جعل اليهود يحيطون أنفسهم بسياج لصد أية تأثيرات أجنبية، فإنه من الواضح أن الإسلام قد راق لبعض اليهود فاستثناه أحبارهم من المحظورات، وينقل الدكتور محمد جلاء إدريس عن نفتالي فيدر قوله: "وبالنسبة لدين العرب، فقد اجتمعت فيه عناصر مختلفة ساعدت على إعداد القلوب وتهيئتها لاستقبال تأثير هذا الدين مثل اتحاد الأصل واللغة وتقارب الطباع، وفوق ذلك كله التوحيد الخالص الذي يتميز به هذا الدين، الأمر الذي جعل علماء الجاؤنيم يُخرجون المسلمين من إطار سائر الأمم في ما يتعلق بقوانين التلمود، وسار على نهجهم موسى بن ميمون الذي لم ير الإسلام ديناً وثنياً بينما اعتبر النصرانية كذلك، ثم سار ابنه الحبر أبراهام الميموني إلى أبعد من ذلك فأخرج المسلمين من حكم (لا تقلدوا عادات الأمم) وأفتى بأن الذي يحاكي عاداتهم لا يعتبر خارقاً للحكم الإلهي، ولا شك أنه بهذا قد فتح باباً أوسع لتأثير البيئة المحيطة على النهج اليهودي".(1)

جديرٌ بالذكر أن السلسلة السابقة وصفت في بعض الفلسفات بالإسلامية مع مخالفتها لكثير من صحيح الإسلام، وذلك استناداً لما هو مشهور من نسب الفلسفات إلى البيئات الثقافية والحضارية التي نشأت فيها، ومن ذلك ما ذكره الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل"، حين عد حنين بن اسحاق النصراني النسطوري من فلاسفة الإسلام.(2) وذلك مع موقف الشهرستاني العام من الفلاسفة، والذي كشف عنه في كتابه "مصارعة الفلاسفة" الذي رد فيه على ابن سينا وغيره من الفلاسفة(3) ولما كان موضوع الفلسفة مجرد عارض وليس أصلاً في السلسلة فلم أتناوله إلا بقدر المضطر للضرورة وبقدر الضرورة، ولم أرغب في التوسع فيه والإطالة وذكر ما هو معلوم من الدين للقارئ المسلم، خوفاً من تشتيت الأذهان وصرف الأنظار عن الغرض الرئيسي من المقالة.

ونتناول في هذه السلسة بإذن الله – تعالى - أحد أهم وأبرز أعمدة الديانة اليهودية وهو الحبر اليهودي سعديا بن يوسف جاؤون، وُلد سعديا جاؤون (سعيد بن يوسف الفيومي) في أبو صوير (محافظة الفيوم) بمصر سنة 882م، ثم نُفي أبوه من مصر، وسافر إلى فلسطين، وتوفي في يافا. وفي فلسطين تعلم سعديا من أبو كثير يحيي بن زكريا الكاتب الطبري (نسبة إلى طبريا - فلسطين). ولكنه وهو في العشرين من عمره لما كان موجوداً في مصر ألف كتابين: أحدهما كتاب في مفردات التوارة، والثاني رسالة في النحو والصرف والأسلوب والشعر، كما جرت له مراسلات مع الحبر إسحاق بن سليمان الإسرائيلي القيرواني (850 - 932م). ولا توجد معلومات عن حياة سعديا جاؤون في الفترة ما بين سنة 921م - 950م. كما أنه غير معلوم السبب في مغادرته لمصر. إلا أنه كان في حلب في سنة 921م، ومن حلب سافر إلى بغداد، فوصلها في سنة 922م. ولما صار في العراق التحم في الصراع الذي كان قائماً آنذاك بين هارون بن مائير (رئيس مدرسة أورشليم) وبين زعماء الجالية اليهودية في العراق، وهو صراع كان يدور أساساً حول تحديد مواعيد الأعياد اليهودية والتقويم اليهودي بعامة، وقد ناصر سعديا زعماء الجالية ضد هارون بن مائير. وفي الوقت نفسه أخذ في الرد على القرائيم(*)، وعلى بعض الهراطقة اليهود مثل حيوي البلخي. وعُين سعديا رئيساً لمدرسة سورا، كبرى المدارس اليهودية في العراق، لكنه وقع في صراع مع زعماء الجالية اليهودية في العراق، اضطر في إثره إلى التخلي عن منصب الجاؤون. وتوفي سعديا في سنة 942 م ببغداد.(4)

وكان سعديا جاؤون أول كاتب يهودي يكتب مؤلفاته باللغة العربية، ونتناول في المقال القادم بإذن الله تعالى مؤلفاته الدينية وملامح ومواضع تأثره بالفكر الإسلامي.


----------------------------

(1) محمد جلاء محمد إدريس (د)، التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي، ص 21 - 22.

(2) محمد بن عبدالكريم الشهرستاني، الملل والنحل، صححه وعلق عليه: أحمد فهمي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، 1413هـ - 1992م، ص 501 - 502.

(3) محمد عبد الكريم الشهرستاني، مصارعة الفلاسفة، تحقيق وتقديم وتعليق: سهير محمد مختار، 1976م - 1396هـ، مطبعة الجبلاوي، القاهرة.

(*) القرائيم: فرقة يهودية أسسها (عنان بن داود) في العراق، في القرن الثامن الميلادي، وانتشرت أفكارها في كل أنحاء العالم، وهي لا تؤمن بالشريعة الشفوية "المشنا"، وإنما يؤمنون بالتوراة فقط. (انظر: عبدالوهاب المسيري (د)، اليهود واليهودية والصهيونية. الموسوعة الموجزة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2006م، المجلد الثاني، ص 124 - 127).

(4) عبد الرحمن بدوي (د)، ملحق موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1984م، ص 180.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  سعديا جاؤون (1)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7