الثلاثاء 22 مايو 2018


فقه التوبيخ
. أحمد بن عبدالرحمن الصويان
في بداية كل مأساة إسلامية يثير بعض الناس قضية متكررة، وهي (حكم مناصرة المسلم المبتدع أو العاصي)؛ فلما بدأ الجهاد الأفغاني الأول ضد الاتحاد السوفييتي البائد تحدث بعضهم عن حكم مناصرة المبتدعة والجهاد في صفوفهم، ثم أثيرت هذه المسألة ثانية في إغاثة الصومال والبوسنة والهرسك وكوسوفا والنيجر .. وأخيراً في فلسطين ، وأحسب أن هذه الإثارة المتكررة تمثل خللاً ظاهراً في المنهج، واضطراباً بيّناً في التفكير، والناس إزاء ذلك طرفان ووسط:

فالطرف الأول: الذي يهوِّن من شأن البدع مهما كان انتشارها ورسوخها، ويغض الطرف عنها تماماً بحجج متعددة، أشهرها: (وجوب وحدة الصف)، وأن الوقت ليس وقت جدل كلامي؛ فالصفوف إما أنها تُقصف بنيران الأعداء، أو أنها تتلوى جوعاً ومسكنة..!

والطرف الثاني: الذي يُعظِّم من شأن البدع تعظيماً شديداً يتجاوز الحد الشرعي، فيأمر بهجر أصحابها مطلقاً، وخاصة في ظل المأساة، ويهوِّن من مساعدتهم ومناصرتهم، وربما استدل بعضهم بما رواه ابن أبي عاصم عن علي بن بكار قال: (كان ابن عون يبعث إليَّ بالمال فأفرقه في سبيل الله، فيقول: لا تعطِ قدرياً منه شيئاً. وأحسبه قال فيه: ولا يغزون معكم؛ فإنهم لا يُنصرون)[1]

والحق ـ والعلم عند الله ـ وسط بين طرفين، وهو الجمع بين واجب المناصرة وواجب التوجيه والتعليم وتصحيح العقائد والعبادات والأخلاق.. ونحوها من شرائع الإسلام، وليس من الشرع أن يُسْلَم المسلمون للعدو الكافر، أو يتوانى في نصرتهم ، أو يتركوا للمجاعة بحجة وقوعهم في بعض البدع والمعاصي؛ فكيف إذا كان أمرهم قائماً على الجهل؟! وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلِمه)[2]، وهل هناك خذلان للمسلم أشد من تركه لقمة سائغة بيد عدوه الكافر، أو تركه يتقلب تحت رحى المجاعة حتى تفتك به وبنسائه وبصبيانه الصغار..؟!

وعلى ذلك فإني أرى أنه من المفيد تأكيد الأمور الآتية:

أولاً: أنَّ البدعة شأنها عظيم، وقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله: (.. فإنه من يعش منكم فسيرى بعدي اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة)[3]، ولا يجوز بحالٍ الرضى بالبدعة أو التهوين من شأنها ؛ بل يجب أن تأتلف الجهود لتنقية الدين من شوائب الضلالة، ويتأكد ذلك في حال الجهاد في سبيل الله تعالى ، الذي يجب أن يعمل المسلمون وبكل مستوياتهم على سلامة صفه ونقائه منهجياً وعقدياً وتربوياً ، فذلك من أعظم أسباب النصر والتمكين بإذن الله تعالى . والجهاد إنما أُمِرَ أن يرفع لواؤه لحماية بيضة الدين الصحيح، وإعلاء سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، والمجاهد الذي بذل نفسه لإعلاء كلمة الله تعالى يجب عليه أن يحرص على لقاء الله - تعالى - طاهراً من كلِّ أدران السوء.

ثانياً: أن الأمة الإسلامية مرَّت بقرون متتابعة من التخلّف وهجر السنة واندراس العلم، وأصبح الجهل منتشراً بين عامة المسلمين؛ فالشعب الأفغاني مثلاً لا يتجاوز عدد المتعلمين فيه نسبة 5% تقريباً، ونسبة من هؤلاء المتعلمين تعلمهم للشرع ليس بذاك المتين، ومن المتوقع أن تنتشر عندهم البدع والخرافات المتوارثة، وقل نحو ذلك في كثير من دول القارة الأفريقية، والحل ليس بهجرهم ولا بالإعراض عنهم، وإنما يكون بتأليف قلوبهم، والإقبال على تعليمهم والصبر على نشر الدعوة بينهم، الأمر الذي فطن له بعض القائمين على الجمعيات الإسلامية هناك بحنكته التربوية ، فلمس من كثير منهم الصدق والجدية و الاستعداد للتصحيح التدريجي ، فأقبل على نشر العلم الشرعي في أوساط العامة، فوجد منهم الترحيب بالناصح المشفق، ومثل هؤلاء لم يُبقوا لنا حجة في ترك أولئك ؛ فكيف يجوز الإعراض عنهم..؟!

ثالثاً: أن التناصح بين المسلمين سنَّة قائمة يجب إحياؤها والحرص على ترسيخها وإشاعتها، ولكن النصيحة لن تؤتي ثمارها إلا إذا أحيطت بسياج من الحكمة وحسن الخلق، قال الله - تعالى -: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه: 43، 44)، وقال - تعالى -: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران: 159). وأذكر أنني زرت بعض اللاجئين الصوماليين في كينيا قبل عدة سنوات، فرأينا طفلاً في مركز من مراكز التغذية الإغاثية قد علَّق تميمة، فقطعها أحد الدعاة بغضب شديد وعاتب المشرف على المركز لرضاه بدخول هذا المبتدع..!! فقلت له: أتظن أنَّ هذا الطفل سيعيد التميمة إذا عاد إلى بيته؟! فقال: بالتأكيد. فقلت: إذن لم يتحقق المطلوب، فالأَوْلى أن تزيلها من عقله وتُعلِّمه هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - برفق، وتحرِّض الدعاة على متابعته والأخذ بيده إلى السنة الصحيحة، وستجده ـ بإذن الله ـ يبادر إلى قطعها بقناعة راسخة منه.

رابعاً: هجر المبتدعة والعصاة يجب أن يكون مبناه من أجل تحقيق مقاصده الشرعية، من زجر المبتدع والعاصي وردهما عن خطئهما ، فإذا لم يتحقق هذا المقصود الشرعي، أو ترتبت عليه مفسدة أعظم ؛ فلا ينبغي الهجر حينئذ ، قال ابن تيمية: (وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلَّتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف؛ بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته، لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف... وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل؛ ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع ـ كما كثر القدر في البصرة، والتنجيم بخراسان، والتشيع بالكوفة ـ وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه)[4].

وأحسب أن هجرنا لمن داهمهم العدو الكافر، أو لمن ضربتهم المجاعة، باب عريض من أبواب الفتنة لهم، ربما يؤدي إلى مفاسد أعظم، وها هم النصارى مثلاً يستغلون (الفقر والجهل والمرض) في كثير من ديار الإسلام، ويرسلون الإرساليات الكنسية، والمنظمات التنصيرية لتخرجهم من الإسلام، وتقدم لهم الإنجيل في آنية ما يسمونه بالمساعدات الإنسانية!!

خامساً: المسلم العاصي أو المبتدع له من حق الولاء والمحبة والنصرة ما يوازي صلاحه والتزامه بالدين، قال ابن تيمية: (إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه)[5].

سادساً: من الفقه في الدين: أن نعرف خير الخيرين لنقدِّم أعلاهما عند تعذر الجمع بينهما، وأن نعرف شرَّ الشرين لندرأ أعظمهما عند تعذر ردهما جميعاً؛ فإذا استباح العدو الكافر بيضة الأمة، وانتهك حرماتها، وعطل شعائرها، وجب على المسلمين أن ينصر بعضهم بعضاً؛ فالمسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من خالفهم، وإن كان بعضهم لا يخلو من بعض البدع غير المكفرة؛ فالمسلم المبتدع خير من الكافر، قال ابن تيمية: (فإذا تعذَّر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك، إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك الواجب، كان تحصيل مصلحة واجبة مع مفسدة مرجوحة معه خيراً من العكس)[6].

وقال في موضع آخر: (وأما المرجئة فلا يختلف قوله ـ يعني: الإمام أحمد ـ في عدم تكفيرهم؛ مع أنَّ أحمد لم يُكفِّر أعيان الجهمية، ولا كل من قال إنه جهمي كفَّره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم، وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفِّرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم، ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم، والحج والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم، ما يراه لأمثالهم من الأئمة، وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا هم أنه كفر، وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة، وإن كانوا جهالاً مبتدعين، وظلمة فاسقين)[7].

وقال أيضاً: (وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفاراً، وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزواً يظلم فيه المسلمين والكفار، ويكون آثماً بذلك؛ ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفاراً فصاروا مسلمين؛ وذلك كان شراً بالنسبة إلى القائم بالواجب، وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير)، ثم ذكر ابن تيمية قاعدة عامة قال فيها: (والله - تعالى - بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، والنبي صلى الله عليه وسلم دعا الخلق بغاية الإمكان، ونقل كل شخص إلى خير مما كان عليه بحسب الإمكان.. )[8].

ومن التطبيقات العملية: قتال أئمة الإسلام ـ كالإمام محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي وأخوه الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي صاحب كتاب المغني ـ ضد الصليبييين مع السلطان صلاح الدين الأيوبي، وهو على فضله وجلالة قدره كان متلبساً ببعض البدع المنتشرة في عصره[9].

سابعاً: من تمام عدل المسلمين مع غيرهم أنه يجب الدفاع عن أهل الذمَّة في أرض المسلمين كالدفاع عن المسلمين أنفسهم ـ فكيف بغيرهم من أهل القبلة؟! ـ قال الإمام الشافعي: (ينبغي للإمام أن يُظهر لهم ـ يعني: أهل الذمة ـ أنهم إن كانوا في بلاد الإسلام منفردين أو مجتمعين، فعليه أن يمنعهم أن يسبيهم العدو أو يقتلهم، منعَـهُ ذلك من المسلمين)[10].

ولهذا لما ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى غازان ملك التتار يطالبه بفك الأسارى فك المسلمين منهم فقط، فقال له ابن تيمية: (بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، فإنَّا نفتكُّهم، ولا ندع أسيراً؛ لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة)[11].

ثامناً: ينبغي التأكيد هنا على ضرورة النظرة الكلية الشمولية العادلة في تقويم الآخرين، ومدى قربهم أو بعدهم عن المنهج الصحيح، مع إعطاء مخالفاتهم وبدعهم وزنها الحقيقي دون تهوين أو تهويل، ودون مزايدة ولا نسيان للجوانب العملية المشرقة من زاوية أخرى[12].

تاسعاً: الرحمة صفة عظيمة من صفات أهل الإسلام، فعن جرير بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يرحم الله من لا يرحم الناس) [13].

قال ابن بطال في شرح هذا الحديث: (فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق، فيدخل المؤمن والكافر والبهائم، المملوك فيها وغير المملوك. ويدخل في الرحمة: التعاهد بالإطعام، والسعي، والتخفيف في الحمل، وترك التعدي بالضرب)[14].

فإذا كان الكافر مستحقاً للصدقة[15]، ولم يكن هناك من هو أولى منه، فلا بأس بمساعدته إذا لم يكن محارباً، لقول الله ـ تعالى ـ: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون}(الممتحنة: 8-9).

قال الحافظ النووي: (يستحب أن يخص بصدقته الصلحاء وأهل الخير وأهل المروءات والحاجات، فلو تصدق على فاسق أو كافر من يهودي أو نصراني أو مجوسي جاز، وكان فيه أجر في الجملة) [16].

وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عن حكم التبرع بنقل دم لمريض أوشك على الهلاك، وهو على غير دين الإسلام، فأجاب بالجواز[17].

وقال الشيخ محمد بن عثيمين: (وأما الكافر فلا بأس من بره والإحسان إليه بشرط أن يكون ممن لا يقاتلوننا في ديننا، ولم يخرجونا من ديارنا، لقوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين .. الآية} [18].

فإذا جاز هذا في حق الكافر غير الحربي؛ فكيف بالمسلم الذي أمر الله – تعالى – بصلته وإعطائه حقوقه، والله أعلم.

عاشراً: هل يجوز التعاون مع الكافر لنصرة المظلوم أو إغاثة المنكوب؟

والصحيح أنه يجوز التعاون معه لنصرة المظلوم أو إغاثة المنكوب، ونحوهما من أعمال البر، إذا لم يترتب على ذلك مفسدة أعظم، فقد تحالف النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين لرد المظالم والأخذ على يد الظالم، فعن عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ قال: قال صلى الله عليه وسلم: (شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، وما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه)[19].

وروى الحميدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها، وألا يَعُزَّ ظالم مظلوماً) [20].

قال الإمام ابن القيم في الفوائد المستنبطة من قصة صلح الحديبية: (ومنها: أن المشركين، وأهل البدع والفجور، والبغاة والظلمة، إذا طلبوا أمراً يعظمون فيه حرمة من حرمات الله ـ تعالى ـ، أجيببوا إليه وأعطوه، وأعينوا عليه، وإن منعوا غيره، فيُعانون على ما فيه تعظيم حرمات الله ـ تعالى ـ، لا على كفرهم وبغيهم، ويمنعون مما سوى ذلك. فكل من التمس المعاونة على محبوب لله – تعالى - مُرْضٍ له، أجيب إلى ذلك كائناً من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه)[21].

حادي عشر: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإغاثة الملهوف وإعانة المنكوب في أحاديث كثيرة متواترة؛ فهل يصح شرعاً أو عقلاً أن يُفرط في تسليم المسلم العاصي أو المبتدع للعدو الكافر، أو للموت جوعاً أو مرضاً بحجة عصيانه أو ابتداعه؟! ألا نرى أن الله - تعالى - أمر بإعطاء (المؤلفة قلوبهم) من الزكاة وهم كفار، أفلا يكون إعطاء المسلم المبتدع أو العاصي من الزكاة من أعظم التأليف لقلبه، وأحسن طريق لدعوته وتصحيح عقيدته وخُلُقه؟!

ألم يثبت في الحديث الصحيح: (أن رجلاً يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئراً فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له)، قالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجــراً؟ قال: (فـي كـل كبـد رطبة أجر)[22]، و (أن امرأة أخرى دخلت النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض)[23]؟! أليس في هذا أعظم دليل وبيان على أن في كبد المسلم المبتدع أو العاصي أجراً عظيماً..؟!

إنَّ ضيق الأفق يجعل المرء ينظر بعين واحدة فقط، ويفكر بطريقة جزئية مبتورة، وإلا فأي قلب يقوى على الإعراض عن المرأة المسكينة التي يتهددها العدو أو يهدّها الجوع وتضربها الفاقة بحجة أنها قد وقعت في بعض المعاصي؟! وأي قلب يقوى على الإعراض عن الشيخ والمريض والطفل الذين جرفتهم المحنة وراحوا يتقلبون في لظى محرق من الألم والحزن بحجة أنهم مبتدعة؟! أي فقه.. بل أي دين يجيز للإنسان أن يُعرض ويتناسى مآسي إخوانه، ويعتذر لنفسه بمعاذير واهية يعلم هو أنها أوهى من بيت العنكبوت..؟!

أحسب أن وقوع كثير من هؤلاء الناس في مثل هذه البدع والأخطاء هو بسبب تقصيرنا نحن أهل السنة؛ فلماذا نجيد النقد والتوبيخ، ولا نجيد التعليم والدعوة؟! {كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}(البقرة: 143).






[1] أخرجه: ابن أبي عاصم في السنة (1/88)، رقم (200)، وقال الألباني: «إسناده ضعيف».
[2] أخرجه: البخاري في كتاب المظالم، رقم (2442)، ومسلم في كتاب البر، رقم (2580).

[3] أخرجه: أحمد (28/373)، رقم (17144)، وأبو داود في كتاب السنة، رقم (4607)، والترمذي في كتاب العلم، رقم (2676)، وإسناده صحيح.

[4] مجموع الفتاوى: (20/ 32 ـ 36).

[5] المرجع السابق: (28/ 209).

[6] المرجع السابق: (28/ 212). وانظر: هجر المبتدع، للدكتور بكر أبو زيد، ص (46).

[7] المرجع السابق: (7/ 507 ـ 508).

[8] الفرقان بين الحق والباطل، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، (ص 63 ـ 64).

[9] انظر: ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب، (2/56).

[10] الأم: (5/ 207).

[11] الرسالة القبرصية، انظر: مجموع الفتاوى: (28/617).

[12] انظر تفصيل ذلك في كتابي: (منهج أهل السنة والجماعة في تقويم الرجال ومؤلفاتهم).

[13] أخرجه: البخاري في كتاب التوحيد رقم (7376)، ومسلم في كتاب الفضائل رقم (2319).

[14] فتح الباري: (13/557).

[15] أما الزكاة فقد أجمع العلماء على أنها لا تعطى لكافر، إلا إذا كان من المؤلفة قلوبهم، انظر: المغني (2/709-710)، والإجماع لابن المنذر (ص51).

[16] المجموع: (6/240)، وانظر: كشاف القناع (2/298).

[17] فتاوى نور على الدرب: (1/ 292-293).

[18] تفسير سورة البقرة: (2/294).

[19] أخرجه: أحمد (3/193-210)، رقم (1655-1676)، والبخاري في الأدب المفرد رقم (567)، والحاكم (2/219-220)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (3-12)، والأرنؤوط أيضاً في تحقيه للمسند (3/193 و210)، والألباني في السلسلة الصحيحة رقم (1900).

[20] ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (3/456) وروى نحوه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (1-133)، وابن كثير في البداية والنهاية (3/460)، وصححه مهدي رزق الله في السيرة النبوية في ضوء المصادر ـ الأصلية: (ص 133).

[21] زاد المعاد: (3/303).

[22] أخرجه: البخاري في كتاب المساقاة، رقم (2363)، ومسلم في كتاب السلام، رقم (2244).

[23] أخرجه: البخاري في كتاب بدء الخلق، رقم (3318)، ومسلم في كتاب السلام، رقم (2242).

 
 
   Bookmark and Share      
  
 فقه التوبيخ

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7