الإثنين 23 أبريل 2018


تأملات في النصرانية.. بولس الرسول (4)
نبيل محمد سعيد عبدالعزيز
يرى كثير من باحثي الأديان حادثة اهتداء بولس الرسول أنها نتيجة انفعال نفساني، أو ربما نتيجة مرضي عصبي، كالصرع، والذي إحدى أهم مظاهر نوباته السقوط أرضاً، وحدوث اضطراب مؤقت في وظيفة من وظائف الدماغ (أو عدة وظائف مجتمعة) ينتج عنها هلوسة المريض، أو تحدث له خداعات بصرية، أو تظهر لديه انفعالات شديدة دون سبب واضح، علماً بأننا إذا أسقطنا أعراض نوبات الصرع الجزئي Partial Epilepsy على الحادثة، نحصل على تلاءم يثير التساؤل، فنوبات الصرع الجزئية يبقى فيها النشاط الصرعي محدوداً بمركز أو أكثر من مراكز المخ دون أن يشمل المخ ككل وهي بذلك تكون غير مصاحبة بفقدان الوعي، وأبرز أعراض النوبة الجزئية البسيطة:

• أن يعاني المريض من مشاكل متفرقة (صعوبة في الكلام بطريقة سليمة، تقلصات وارتعاش الأعضاء، تحرف صوتي وبصري): "وَكَانَ وَهُوَ مَفْتُوحُ الْعَيْنَيْنِ لاَ يُبْصِرُ أَحَدًا. فَاقْتَادُوهُ بِيَدِهِ وَأَدْخَلُوهُ إِلَى دِمَشْقَ. 9 وَكَانَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ يُبْصِرُ " (أع 9: 8_9 ).

• أن يعاني المريض من مشاكل في الحواس (شم وذوق مختلف) ومشاكل في المعدة: "فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ (أع 9: 9 ).

• أن ينتاب المريض إحساس بالغم والخوف: "فَقَاَلَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ وَمُتَحَيِّرٌ: «يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟»" (أع 9: 6).

ولا يمكن تجاهل تلك المعطيات في إطار الحديث عن شخصية يظهر في كثيرٍ من تصرفاتها الاعتلال النفسي، والسلوك العدواني، والانفعالية:

-فقبل اعتناقه النصرانية يسطو على الكنائس ويقتحم البيوت ويجر الرجال والنساء إلى غياهب السجون، "وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَسْطُو عَلَى الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ يَدْخُلُ الْبُيُوتَ وَيَجُرُّ رِجَالاً وَنِسَاءً وَيُسَلِّمُهُمْ إِلَى السِّجْنِ." (أع 9: 3)

-وبعد اعتناقه النصرانية يضرب رجلاً حتى يفقده البصر،" 6 وَلَمَّا اجْتَازَا الْجَزِيرَةَ إِلَى بَافُوسَ، وَجَدَا رَجُلاً سَاحِرًا نَبِيًّا كَذَّابًا يَهُودِيًّا اسْمُهُ بَارْيَشُوعُ، 7 كَانَ مَعَ الْوَالِي سَرْجِيُوسَ بُولُسَ، وَهُوَ رَجُلٌ فَهِيمٌ. فَهذَا دَعَا بَرْنَابَا وَشَاوُلَ وَالْتَمَسَ أَنْ يَسْمَعَ كَلِمَةَ اللهِ. 8 فَقَاوَمَهُمَا عَلِيمٌ السَّاحِرُ، لأَنْ هكَذَا يُتَرْجَمُ اسْمُهُ، طَالِبًا أَنْ يُفْسِدَ الْوَالِيَ عَنِ الإِيمَانِ. 9 وَأَمَّا شَاوُلُ، الَّذِي هُوَ بُولُسُ أَيْضًا، فَامْتَلأَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَشَخَصَ إِلَيْهِ 10 وَقَالَ: «أَيُّهَا الْمُمْتَلِئُ كُلَّ غِشٍّ وَكُلَّ خُبْثٍ! يَا ابْنَ إِبْلِيسَ! يَاعَدُوَّ كُلِّ بِرّ! أَلاَ تَزَالُ تُفْسِدُ سُبُلَ اللهِ الْمُسْتَقِيمَةَ؟ 11 فَالآنَ هُوَذَا يَدُ الرَّبِّ عَلَيْكَ، فَتَكُونُ أَعْمَى لاَ تُبْصِرُ الشَّمْسَ إِلَى حِينٍ». فَفِي الْحَالِ سَقَطَ عَلَيْهِ ضَبَابٌ وَظُلْمَةٌ، فَجَعَلَ يَدُورُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَقُودُهُ بِيَدِهِ." (أع 13: 6_11). متجاهلاً وصية المسيح: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ." (لوقا 6: 27_28).

كما يظهر في تصرفاتها سلوك مضطرب، واندفاعي متقلب: فمرة يقوم بطرد النصارى الأوائل إلى المدن التي في الخارج، "وَإِذْ أَفْرَطَ حَنَقِي عَلَيْهِمْ كُنْتُ أَطْرُدُهُمْ إِلَى الْمُدُنِ الَّتِي فِي الْخَارِجِ" ( أع 26: 9_11) . ثم يتراجع ويعقد العزم على اللحاق بهم وتتبعهم وإرجاعهم موثقين إلى أورشليم، "أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تَهَدُّدًا وَقَتْلاً عَلَى تَلاَمِيذِ الرَّبِّ، فَتَقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ 2 وَطَلَبَ مِنْهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشْقَ، إِلَى الْجَمَاعَاتِ، حَتَّى إِذَا وَجَدَ أُنَاسًا مِنَ الطَّرِيقِ، رِجَالاً أَوْ نِسَاءً، يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ." (أع 9 : 1_2).

واستكمالاً لرحلة بولس الرسول، فقد دخل بولس الرسول دمشق مقوداً من يديه، أعمى لا يُبصر، نزيلاً عند رجل نصراني يدعى يهوذا، ليظهر شخص يدعى حنانيا (كان حينها أسقف دمشق وهو أحد السبعون رسولاً بحسب العقيدة النصرانية)(1) وطبقاً لرواية لوقا: "10 وَكَانَ فِي دِمَشْقَ تِلْمِيذٌ اسْمُهُ حَنَانِيَّا، فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ فِي رُؤْيَا: «يَا حَنَانِيَّا!». فَقَالَ: «هأَنَذَا يَا رَبُّ». 11 فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «قُمْ وَاذْهَبْ إِلَى الزُّقَاقِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُسْتَقِيمُ، وَاطْلُبْ فِي بَيْتِ يَهُوذَا رَجُلاً طَرْسُوسِيًّا اسْمُهُ شَاوُلُ . لأَنَّهُ هُوَذَا يُصَلِّي، 12 وَقَدْ رَأَى فِي رُؤْيَا رَجُلاً اسْمُهُ حَنَانِيَّا دَاخِلاً وَوَاضِعًا يَدَهُ عَلَيْهِ لِكَيْ يُبْصِرَ». 13 فَأَجَابَ حَنَانِيَّا: «يَا رَبُّ، قَدْ سَمِعْتُ مِنْ كَثِيرِينَ عَنْ هذَا الرَّجُلِ، كَمْ مِنَ الشُّرُورِ فَعَلَ بِقِدِّيسِيكَ فِي أُورُشَلِيمَ. 14 وَههُنَا لَهُ سُلْطَانٌ مِنْ قِبَلِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُوثِقَ جَمِيعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِكَ». 15 فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «اذْهَبْ! لأَنَّ هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ. 16 لأَنِّي سَأُرِيهِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي». 17 فَمَضَى حَنَانِيَّا وَدَخَلَ الْبَيْتَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ يَدَيْهِ وَقَالَ: «أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ، قَدْ أَرْسَلَنِي الرَّبُّ يَسُوعُ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتَ فِيهِ، لِكَيْ تُبْصِرَ وَتَمْتَلِئَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ». 18 فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ، فَأَبْصَرَ فِي الْحَالِ، وَقَامَ وَاعْتَمَدَ. 19 وَتَنَاوَلَ طَعَامًا فَتَقَوَّى." (أع 9: 10 _ 19) . وفي موضع أخر نفس الرواية بتفاصيل مختلفة ينقلها لوقا أيضاً ولكن هذه المرة على لسان بولس: " 12 «ثُمَّ إِنَّ حَنَانِيَّا رَجُلاً تَقِيًّا حَسَبَ النَّامُوسِ، وَمَشْهُودًا لَهُ مِنْ جَمِيعِ الْيَهُودِ السُّكَّانِ 13 أَتَى إِلَيَّ، وَوَقَفَ وَقَالَ لِي: أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ، أَبْصِرْ! فَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ نَظَرْتُ إِلَيْهِ، 14 فَقَالَ: إِلهُ آبَائِنَا انْتَخَبَكَ لِتَعْلَمَ مَشِيئَتَهُ، وَتُبْصِرَ الْبَارَّ، وَتَسْمَعَ صَوْتًا مِنْ فَمِهِ. 15 لأَنَّكَ سَتَكُونُ لَهُ شَاهِدًا لِجَمِيعِ النَّاسِ بِمَا رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ. 16 وَالآنَ لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ دَاعِيًا بِاسْمِ الرَّبِّ." (أع 22: 12_16)

ويطرح النص الأخير علامات استفهام حول هوية حنانيا الدينية، فالرجل يصفه بولس بكونه تقياً حسب الناموس (يقصد الشريعة اليهودية)، مشهود له من جميع اليهود السكان، مشبع تماماً بالروح اليهودية الصرفة وهو ما يظهر في قوله (إِلهُ آبَائِنَا). وهو ما يطرح احتمالية _ لدى بعض الباحثين_ وجود تنسيق من نوعٍ ما بين بولس وحنانيا.

جديرٌ بالذكر فمن الواضح أن جميع تساؤلاتنا لم تغب عن النصارى الأوائل، وأن شهادة حنانيا لم تكن ذات أهمية أو موضع ثقة كافية، وهو ما يقودنا للتساؤل عن حقيقة تولي حنانيا أسقفية دمشق حينها؟!. وهل كان النصارى الأولون يعدونه من السبعين رسولاً كما عده اللاحقون؟!.

وكان الجميع قد نظر إلى بولس بشكٍ وارتياب، ومن ثم عانى بولس من النبذ والإبعاد في دمشق: " 21 فَبُهِتَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا: «أَلَيْسَ هذَا هُوَ الَّذِي أَهْلَكَ فِي أُورُشَلِيمَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهذَا الاسْمِ؟ وَقَدْ جَاءَ إِلَى هُنَا لِهذاَ لِيَسُوقَهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ!»." (أع 9: 21). كما عانى منهما أيضاً في أورشليم عند عودته إليها:" 26 وَلَمَّا جَاءَ شَاوُلُ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَاوَلَ أَنْ يَلْتَصِقَ بِالتَّلاَمِيذِ، وَكَانَ الْجَمِيعُ يَخَافُونَهُ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ أَنَّهُ تِلْمِيذٌ. (أع 9: 26). فمن الواضح أن رواية هداية بولس ورؤيته للمسيح لم تنل في وقتها نصيباً من القداسة واليقين التي حظيت بهما بعد ذلك، بيد أن بولس سعى لبذل المزيد من الجهد واحتاج لمزيد من الوقت في سبيل تدعيم روايته، وهو ما جعله يخرج من دمشق متوجهاً للعربية (المنطقة المتاخمة للبحر الميت وتنتهي عند خليج العقبة) ويبقى فيها فترة ثلاث سنوات، ولا يُعرف عن تفاصيل حياته خلال تلك الفترة أي شيءٍ بالمرة، ليخرج بعدها بولس ليؤسس عقيدة جديدة نتناول أهم ملامحها في مقالنا القادم بإذن الله تعالى.

___________________________________

(1) أسماء السبعين، الأنبا متاؤس، مكتبة دير السيدة العذراء مريم (السريان)، الطبعة الثالثة، د. ت ، ص45_46.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 تأملات في النصرانية.. بولس الرسول (4)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7