الأربعاء 18 أبريل 2018


هدايات سورة النساء
. د. أحمد ولد محمد ذو النورين
بطاقة تعريفها:

- اسمها: سورة النساء [1] ، واسمها سورة النساء الكبرى [2]

- عدد آياتها: مائة وخمس وسبعون في عدّ الكوفيين، ومائة وستّ وسبعون في عدِّ البصريين، ومائة وسبع وسبعون في عدّ الشَّاميين [3].

- ما اختلف نزولا عن السورة من الآيات: كل آيات السورة مدنية [4].

- ترتيبها نزولا: تعد الثالثة والتسعين نزولا؛ حيث نزلت بعد سورة الممتحنة وقبل سورة الزلزلة [5].

- فضلها: لقد تبوأت السورة مكانة سامقة ومنزلة رفيعة بين سور القرآن الكريم، ومما جاء في فضلها بشكل عام: قول النبي صلى الله عليه وسلم في شأن السبع الأول التي اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم آخذها حبرا : " من أخذَ السبعَ الأُوَلَ من القرآنِ فهو حبرٌ" [6] ، وسورة النساء من بين هذه السور. كما أنها من السبعِ الطِّوالِ التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم مكانَ التوراة : كما ورد في حديث واثلةَ بنِ الأسقعِ رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : " أُعطيتُ مكانَ التوراةِ السبعَ..." [7].

ومن الآثار الواردة في فضلها: قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " خَمسُ آياتٍ ما يسرُّني أن لي بِهِنَّ الدنيا وما فيها إحداهنّ: }إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهونَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سيِّئَاتِكُمْ، وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً} (النساء:31) و }إِنَّ الله لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وإن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا، ويُؤتِ مِنْ لَدُنْهُ أجْراً عظيماً} (النساء:40) و }وَلَوْ أَنْهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤوكَ فاستغفروا اللهَ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَحِيماً } (النساء:64) و }إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء} (النساء:48) و }وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِر الله يَجدِ الله غَفُوراً رَحِيماً}) النساء:110( " [8] .

- ظروف نزولها: لقد كانت حياة المجتمعات برمتها مهددة بالتدمير الكلي لما شهدته من ظلام الجاهلية الشرسة الدامس، ولما عرفته من غطرسة هذه الجاهلية التي أصّلت كل انحراف عقدي، ولما تميز به كابوس هذه الجاهلية من إشهاره في وجه مكارم الأخلاق، ولما اتسمت به عنجهية هذه الجاهلية من تكريس لأساليب الاستعلاء والتمييز، ولما طوقت به هذه الجاهلية المجتمع من فوضى فرضت هرجاً في كل أوجه الحياة، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن الكريم لتصحيح العقائد، وإنقاذ الأخلاق، ونشر قيم العدل والمساواة، وضبط حياة الناس بنظام متكامل، فبدأ المجتمع الجديد في المدينة المنورة يجسد هذا التحول الجذري بتطبيقه أحكام القرآن واحتكامه إلى حامل الرسالة، فكان لابد من نزول أحكام تفصيلية شاملة تتناول كافة أوجه الحياة الأسرية والاجتماعية، وتحدد روابط المجتمع وتقيم أود التكافل بين مكوناته، فنزلت سورة النساء مناسبة للجو العام، بعدما بيّنت سورة الفاتحة الصّراط المستقيم، وقدمت سورة البقرة الردّ المفحم على أصحاب الجحيم من المغضوب عليهم، وعرت سورة آل عمران منهاج الضالين، فدعت النساء الجميع إلى الاجتماع على دين الحنيفيّة السّمحة مستهلة بقول الله عز وجل: } يَأيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُم الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا... } ، للتذكير بهدايات السور التي سبقتها، ولتقديم إطار لا لبس فيه لحماية حقوق المستضعفين، وقيادة الناس كافة إلى سبيل مكارم الأخلاق من الصدق والأمانة والوفاء والعدل والتواضع ورعاية الحقوق، وتبصيرهم بحقائق وأحكام وغايات هذا القرآن، وشد عزائمهم لمد يد العون إلى الإنسانية المعذبة لتعبيدها لله وحده وإنقاذها من أتون الضلال ومستنقعات الرذائل بصلاح الأنفس، وأطرها على الحق أطراً لتستقيم على أمر الله تبارك وتعالى مسلكا ومنهجا وحياة وواقعا من غير استخفاء ولا مواربة؛ لهذه الأهداف وفي ذلك الظرف نزلت سورة النساء.

مقدمة عامة عن السورة:

تعتبر سورة النساء إحدى طوال السور المدنية التي وردت فيها باقة من الأحكام التشريعية، وقد سميت ‏سورة ‏النساء ‏لكثرة ‏ما ‏جاء ‏فيها ‏من ‏القضايا ‏التي ‏ترتبط ‏بهن ‏بدرجة ‏لم ‏توجد ‏في ‏غيرها ‏من ‏السور، ذلك أنها تحدثت عن أمور هامة تتعلق بالمرأة والبيت والأسرة والدولة والمجتمع، بل تركزت عنايتها لمعالجة كل صنوف الأواصر التي تربط بين مكونات المجتمع البشري كرّوابط القربى وصلات المحرمية التي تكون عن طريق أواصر النسب أو أثداء الرّضاعة أو وشائج المصاهرة أو عرى التّحالف. وما تلزم مراعاته في كل ذلك من أخوّة الإسلام، أو ما تفرضه العهود في معاملة أهل الذمّة.
قال الإمام السّيوطي رحمه الله: "وأمّا سورة النّساء، فتضمّنت أحكامَ الأسباب والرّوابط الّتي بين النّاس على اختلافهم، وهي نوعان: مخلوقة لله ومقدورة لهم كالنسب والصهر ولهذا افتتحت بقوله: }اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } ثم قال: }وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ } فانظر هذه المناسبة العجيبة في الافتتاح وبراعة الاستهلال حيث تضمنت الآية المفتتح بها ما أكثر السورة في أحكامه من نكاح النساء ومحرماته والمواريث المتعلقة بالأرحام، وأن ابتداء هذا الأمر كان بخلق آدم ثم خلق زوجه منه ثم بث منهما رجالا ونساء في غاية الكثرة" [9] ، وقد جاءت شريعة الله تعالى لتجمعهم كافة على حفظ خمسة مقاصد؛ ألا وهي الدّين، والنّفس، والعرض، والعقل، والمال. على هذا افتتح تعالى هذه السورة بالأمر بالتقوى، والحث على العبادة في إخلاص، والأمر بصلة الأرحام، وبيَّن الأسباب الداعية لإقامة ورعاية تلك العلاقات على أسس متينة من التقوى والعدل، حيث إنه- وإن بث البشر في أقطار المعمورة -فقد خلقهم قبل ذلك من نفس واحدة، فهم يرجعون إلى أصل واحد، مما يستدعي عطف بعضهم على بعض، و يستوجب حنو بعضهم على بعض‏ لإشاعة المودة وإفشاء التعاون والمحبة تحت مظلة الدين الخاتم، فجاء الأمر بالتقوى مقرونا بصلة الأرحام والنهي عن قطيعتها، لتأكيد أن لزوم تلك الحقوق، كلزوم القيام بحق الله تعالى، ففي هذه السورة يتم تجسيد ملامسة الفطرة الإنسانية في وشائجها وعلاقاتها الفطرية، رسما لمنهج مجتمع فاضل، تحكمه روابط أصيلة وتسيره أوامر رب العالمين بمقتضى الفطرة، قطعا لدابر أي انحراف شهوي، وعلاجا لأي انزلاق شبهي تتقاذفه الأهواء أو تتعاطاه النفوس المريضة؛ لإنقاذ البشر من بهيمية الجاهلية وظلمها المهين وعسفها الجائر، فبينت السورة الكريمة في إطار ذلك ما لليتامى والنساء من حقوق على الأولياء والأوصياء، وما لهم من أهلية التملك والتكسب والحق في الميراث والمسؤولية الزوجية في محيط مجتمع الأسرة الصغير، لتنتقل بعد إحكام وتسديد العلاقات الداخلية للمجتمع الإسلامي إلى آفاق قضاياه الكبرى وعلاقاته مع غير المسلمين من داخل محيطه أو من خارجه، سواء كانوا من طابور النفاق أو كانوا من أهل الكتاب والمشركين، وفي تلك الدائرة كشفت السورة نبذة من تاريخ اليهود مع المرسلين، مبينة ديدنهم في نبذ العهود وتحريف الحقائق والترويج للباطل، لتكشف تهافت ادعائهم فيما زعموه من قتلهم لعيسى عليه السلام.
وبنظرة شاملة إلى السورة يتبين أنها سلكت سبيل التدرج في التغيير عندما يتعلق الأمر أو النهي بعادة أو تقليد، أو بوضع اجتماعي معقد، لأن الإسلام في مثل ذلك طابعه التريث وأخذ المسائل باليسر والرفق والتدرج، وتهيئة الظروف الواقعية التي تيسر التنفيذ والطاعة، فالإصلاح المتعلق بالعادات والتقاليد كمعاقرة الخمر ومزاولة الميسر ينهج القرآن فيه مبدأ تحريك الوجدان الديني والمنطق التشريعي في نفوس مستقبلي الخطاب، كما يستثير عقولهم لتقارن بين المضار والمفاسد، فيتضح لها أن الإثم في الخمر والميسر أكبر من النفع فتقتنع أن تركهما هو الأولى، وتلك هي طبيعة الرسالة المتدرجة في تعاليمها من الأسهل إلى السهل، ومن السهل إلى الصعب ، ومن الكليات العامة إلى التفصيلات الجزئية. أما إذا كانت المسألة مسألة توحيد وشرك فإن القضية يمضي أمرها منذ اللحظة الأولى، في ضربة جازمة لا تردد فيها، ولا مجاملة ولا لقاء في منتصف الطريق. لأن الأمر متعلق بقاعدة أساسية للمنهج، لا يصلح إيمان إلا بها ولا يقوم إسلام إلا عليها.

من أهم محاور السورة:

- في إطار تنظيفها للمجتمع من أدران الشرك بينت السورة أن الدينونة لله وحده لا شريك له }يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة... } . ثم تعرضت لقضايا المرأة فأعلت شأنها وصانت كرامتها، وأوجبت حقوقها في الرعاية بإحسان والتربية بعناية، وفرضت لها المهر والميراث والعشرة بعدل }يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن...ميثاقا غليظا } ، ولكنها أبقت ما كان معمولاً به في المجتمع العربي من مكارم الأخلاق كالتكافل والعَقْل وفداء الأسير وحفظ الجوار، مواكبة للفطرة والطبع البشري في مختلف العصور والبيئات.

- واعتبارا منها لروافد العلاقات الاجتماعية وتقوية منها لروابط القربى فصلت السورة نظام المواريث بشكل يحقق عدالة الإسلام ويقيم أسس المساواة، ويراعي وشائج المجتمع }يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين... } ، وبينت في الموضوع نفسه سبل المحرمية والتحريم من رضاع ومصاهرة ونسب }حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم... } .

- إن فهمنا للقرآن يجعلنا نتبين مسيرة هذه الحياة و نواميسها، ذلك أن القرآن هو الدستور الشامل الذي ارتضاه الله تعالى للناس كافة حتى قيام الساعة، ذلك ما نجده في هذه السورة التي سمت بالعلاقات الزوجية إلى أرقى المستويات بعيدا عن البهيمية الشهوانية، لتجعل منها رباطا يجمع القلوب قبل الأجساد، وميثاق عشرة تحتضنه المحبة، ووشيجة تناصح وعطاء، تقوم على قوامة مبناها على أداء الحقوق من غير استعلاء ولا استعباد.

- لقد قدمت السورة نمطا فريدا للإحسان، موضحة أن أعظم أسبابه دلالة وأكثرها تأثيرا وديمومة تعاون يحيطه التكافل، وتراحم يطبعه التسامح والتناصح، وأمانة يقودها العدل }وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه.... } }واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا... } ، فإن شيدت علاقات المجتمع على هذا المنوال لم تعرف عُراها تصدعاً ولم تشهد مواثيقه انفكاكاً، ولم تجد الشحناء إليه سبيلا، رغم زخم وتنوع الأحداث وتجدد الوقائع..

- تضمنت السورة تربية جادة للمؤمنين تجعلهم مجبولين على تلقي شريعة الله تعالى بكل استسلام وقبول }فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } ، فليست كليات الشريعة أجدر بالاتباع ولا أصولها أولى بالتطبيق من فروعها وجزئياتها، إذ هي كل لا يتجزأ، لا تستثني نصوصها شيئاً لا يدخل في الاستسلام، الذي هو شعار المؤمنين }ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا...ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين... } ، وتجسيداً لتلك الشمولية أتبعت معالجتها للقضايا الداخلية للمسلين بنموذج للإصلاح الخارجي بما يكفل حفظ الأمن لأمة الإسلام ويبث في ربوعها الهدوء والاستقرار، ويجعلها مؤهلة لصد عدوان أعدائها متى ما توجست منهم خطراً }يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثباتا أو انفروا جميعا... } . وفي إطار ذلك قدمت السورة جملة من القواعد المحددة لنظام تعامل الجيش والدولة الإسلاميين مع الأعداء والأصدقاء في السلم والحرب }وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا.....وترجون من الله ما لا يرجون.. } .

- حرضت السورة على الجهاد في سبيل الله تعالى لقطع دابر المشركين واستئصال شأفة المجاهرين بالعداوة والوقوف في وجه الدعوة الإسلامية }فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب... } ، وفي مقابل ذلك شنت السورة هجوماً لاذعاً على نابتة السوء ومحور الشر ممثلاً في أهل النفاق، الذين طفقت تحذر من مكائدهم ودسائسهم }ألم تر إلى الذين قيل كفوا أيديكم...ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا...فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول... } }الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم...إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا } ، كما فعلت بأسيادهم من اليهود الذين أعلنوا الحرب على الله ورسله }يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك...وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } .

- وجهت السورة بعضا من اللوم والعتاب والوعيد لمن رضوا بالمهانة والمذلة؛ إذ لم يُظهروا ما يكفي من صدق الاستجابة والاستعداد والصبر أثناء وجودهم في الأماكن التي استوطنوها كما لم يسعوا على الأقل إلى مغادرتها، للتخلص من العسف والظلم الواقع عليهم، ومن مقاصد السورة في ذلك التأنيب أن تشرح بوضوح أن الإسلام بعزته لا يرضى لأتباعه الضعة والنذالة، بل لابد للمؤمن من نفس كريمة وشخصية أبية وروح عزيزة من غير استكبار ولا غطرسة }إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها... } ، فكان هذا النقد الداخلي لمراجعة المسلمين لأنفسهم ومحاسبتهم لها ومكاشفتهم بما ينبغي أن يكون }ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة... } .

- وتعرية من السورة لضلالات وإفك النصارى، وإبطالا منها لما كان منهم من عبادة المسيح ابن مريم واتخاذه إلها من دون الله، وإحقاقا منها للحق بشأنه بينت السورة زيف وتناقض العقيدة النصرانية، التي أله أصحابها المسيح عليه السلام ثم ادعوا أنهم قتلوه وصلبوه، فهل يكون إلها من يقتل أو يصلب؟؟؟؟ وعلى أي- ورغم كونه عبدا لله تعالى- فقد نفى القرآن عنه القتل والصلب "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم"؛ لتعرف به وتبين من هو }إنما المسيح عيسى......لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله.. }

من هدايات السورة(فوائدها) :

* افتتح الله تعالى هذه السورة بتذكير الناس بأصل خلقتهم من نفس واحدة }يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة... } ، ليكون ذلك أدعى لتعاونهم وتراحمهم حين تتشابك وشائج النكاح والإرث وتترتب الحقوق، فاتحاد أصلهم من شأنه أن يرسخ المعاني الشرعية لأحكام الأسرة من رضاع ونسب ومصاهرة، وفي الإطار التطبيقي لذلك نوهت السورة الكريمة بقيمة التكافل داخل منظومة المجتمع الإسلامي، حتى أضافت أموال اليتامى إلى الأوصياء }ولا تؤتوا السفهاء أموالكم.. } ؛ لتبين أنهما مشمولان بدائرة المجتمع الواحد وأن تبذير تلك الأموال وإضاعتها يعود ضرره على المجتمع بصفة عامة، كما أوضحت السورة أن الله تعالى أرحم بعباده من أمهاتهم وآبائهم، وتجلى ذلك في مطلع السورة عند ربط تقوى الله تعالى بالأرحام }واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} ، كما اتضح في وصيته جل شأنه للوالدين بالأولاد }يوصيكم الله في أولادكم... } .

* وتربية من الله تعالى لهذه الأمة على الخلق الرفيع والأدب الكامل تكني السورة عن الجماع بالإفضاء }وقد أفضى بعضكم إلى بعض} ، والاستمتاع }فما اسمتعتم به منهن} ، على خلاف ما ذهب إليه الشيعة من استحلال الفاحشة بتأويل هذه الآية لتسويغ نكاح المتعة الذي ثبت تحريمه بالسنة، كما جاء في حديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحُمر الإنسية [10]

وعلى ذلك انعقد الإجماع [11] ، ولا يستغرب مثل هذا الشطح من الإمامية الجعفرية الذين دأبوا على معارضة النصوص وتكذيبها، كما جبلوا على حب الشذوذ عقيدة ومعاملة، وألفوا مصادمة الفطرة السليمة، إذ يـأتون النساء في الأدبار من طريق الغائط ، ويوصلون الطلاق تسعا والزواج عند بعضهم تسع [12].

* سعياً منها إلى تمتين الروابط الأسرية وتقوية العلاقات الاجتماعية جعلت السورة الكريمة الإصلاح مطلبا والتوافق هدفاً }وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} ، ولم تشر الآية هنا إلى التفريق لما فيه من شتات وخراب، ولما يتوجب على الحكمين من لزوم بذل الجهد لتحقيق الإصلاح؛ بل جعلت السورة الصلح قرين الخيرية: حيثما وجد وجدت }والصلح خير}

* تعظيماً منها لمنزلة الطاعة وإعلاء لرفعة الاستسلام لأمر الله ورسوله صلى الله عليه بينت السورة أن مآل المطيعين عظيم وثوابهم جزيل ورفقتهم كريمة }ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.. } ، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها قالت جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله والله إنك لأحب إلي من نفسي وإنك لأحب إلي من أهلي وأحب إلي من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين } الآية [13].

* من رحمة الله تعالى الواسعة بعباده ولطفه الكامل بهم أن نهاهم عن قتل أنفسهم }ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} ، وجعل حفظ النفس ثاني أعظم الضروريات الخمس التي تواترت عليها الشرائع، فكان إزهاقها عمدا من أعظم الكبائر الإجرامية في نظر الإسلام، لهذا شنعت السورة الكريمة على مرتكب القتل، وشددت على تغليظ عقوبته في الدنيا والآخرة لفظاعة جريمته }ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} .

* جمعت السورة الكريمة صفات المنافقين وفصلت طبائعهم، وذكرت في ثنايا ذلك خصال طائفة مريضة من المسلمين يكثر وجودها في المجتمع الإسلامي }وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا... } ، وفصلت فيما تحتاجه هذه الطائفة إلى حكمة وتأن لمعالجة ما تعانيه من ضعف الإيمان ونضوبه، حتى ترتفع عن صف النفاق الذي تتأرجح بينه وبين صف الإيمان، وحتى لا تبقى صرعى للوساوس متحركة بدافع النوازع الشخصية والمآرب الدنيوية فتفقد دينها وإيمانها [14].

* بعد أن نبذ اليهود الوحي وراء ظهورهم وعارضوا الرسل بل وقتلوهم وصدوا عن سبيل الله تعالى بأقصى ما يستطيعون جردتهم السورة من كل نسبة علمية ونادتهم كما ينادى عبدة الأوثان }يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا.... } ، ثم أتبعت ذلك بنداء للنصارى الذين أزاغتهم الحيرة وأضلهم الغلو فتاهوا عن الجادة }يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق....لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله... } .

وأخيراً تعتبر سورة النساء بحرا زاخرا بالآداب والنظم والتاريخ والتشريعات والقواعد والحكم. كما أنها من أكثر سور القرآن الكريم استعراضا لأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، حيث تثنت فيها أكثر من 42 اسما وصفة بمعان مرتبطة بموضوعاتها؛ كالرحمة والعلم والمغفرة والحكمة والقدرة، لما احتوته السورة الكريمة من دواعي العدل والإنصاف والمصالحة في العلاقات الأسرية والوشائج المجتمعية والمعاملات بشتى صنوفها وفي مختلف الظروف.

من أبرز الأدلة التي استنبطت منها قواعد فقهية في السورة:

1- }فانكحوا ما طاب لكم من النساء... } : استدل شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه الآية على قاعدة "الفعل ينوب عن الكلام في صور" فقال: "وهذه القاعدة الجامعة التي ذكرناها من أن العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل هي التي تدل عليها أصول الشريعة وهي التي تعرفها القلوب" [15] ، ومن الأمثلة التي ضرب لذلك النكاح؛ حيث قال: "ولهذا كان النكاح حيث أمر به كان أمرا بمجموعه وهو العقد والوطء" [16] ، وببقية الآية }فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} ، كما استدل بالآية نفسها على جواز أخذ التبرعات للمتبرع عليه، ولزومها للمتبرع بطيب النفس، معتبراً أن الله تعالى: "علّق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه فدل على أنه سبب له وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب فدل على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم وإذا كان طيب النفس هو المبيح للصداق فكذلك سائر التبرعات قياسا بالعلة المنصوصة التي دل عليها القرآن" [17] ، ثم قال: "فإن هذه العقود إن لم تنعقد بالأفعال الدالة عليها لفسدت أمور الناس ولأن الناس من لدن النبي صلى الله عليه و سلم وإلى يومنا ما زالوا يتعاقدون في مثل هذه الأشياء بلا لفظ بل بالفعل الدال على المقصود" [18] ، وكذلك استدل لها بقوله تعالى: }إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} قائلاً: "لم يشترط في التجارة إلا التراضي وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة وإذا كان كذلك فإذا تراضى المتعاقدان أو طابت نفس المتبرع بتبرع ثبت حله بدلالة القرآن إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله كالتجارة في الخمر ونحو ذلك" [19]

2- }وعاشروهن بالمعروف}: استدل بها كثير من العلماء على قاعدة "العادة محكمة" التي هي إحدى القواعد الخمس الكبرى، في اعتبار العرف شرعاً بشكل عام وفي تنازل النساء عن ما لهن من حقوق بشكل خاص، ذلك أن الله تعالى أرشد الزوجين إلى أداء كل منهما للآخر حقه بالمعتاد المعروف الذي تطمئن إليه النفس ويرتضيه العقل باعتبار تغاير المجتمعات واختلاف الظروف والأحوال، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن" [20]

3- }إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم... } : استدل بها جمع من العلماء على لزوم ترتيب المصالح أو المفاسد عند التزاحم، فتجلب أعلى المصلحتين بإسقاط أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين بتحمل أخفهما، لأن مبنى الشريعة على جلب ما كان غالبه المصالح ودفع ما كان غالبه المفاسد، وذلك لعدم تمحض المصالح والمفاسد في هذه الدنيا؛ إذ لا تتمحض المصلحة إلا في الجنة ولا تتمحض المفسدة إلا في النار، وعليه فإن الأصل بذل الوسع لإيجاد كل ما كانت مصلحته غالبة وتحقيقه، وإعدام كل ما غلبت مفسدته ودفعه، فإن تزاحمت المصالح فوتت الأدنى منها بتحصيل الأعلى، وإن تزاحمت المفاسد دفعت أعلاها بارتكاب أخفها وأدناها [21] ، ووجه دلالة الآية يتمثل في تفاوت الذنوب باعتبارها مفاسد متفاوتة، لمقتضى تقسيمها إلى كبائر وصغائر [22].

4- }يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون و لا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى...فامسحوا بوجوهكم وأيديكم.. } : ففي هذه الآية تتبين سنة التدرج التي هي من السمات البارزة للإسلام، كما هو الحال هنا في تحريم الخمر، الذي كان شربه من العادات اللصيقة بأنفس الجاهليين، فاقتلعه القرآن منها بسلاسة تربوية لا يعرف لها نظير، هذا إضافة إلى أن الآية مستند مكين لإحدى القواعد الخمس الكبرى "المشقة تجلب التيسير"؛ إذ شرع الله تعالى فيها لعباده التيمم بالتراب بديلاً عن الطهارة المائية عند وجود مشقة مقتضية لذلك من انعدام الماء أو عدم القدرة على استعماله [23]، فمراعاة التيسير والتخفيف صفة لازمة لهذا الشرع الحكيم، قال تعالى: }يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} ، ذلك بأن الله لا يريد إعنات الناس بأحكامه، وإنما يريد اليسر بهم وخيرهم. يقول الشيخ رشيد رضا: "وهذا أصل في الدين يرجع إلى غيره، ومنه أخذوا قاعدة: "المشقة تجلب التيسير" [24]. مع العلم أن الآية أيضا دليل على إحدى القواعد المتفق عليها بين الفقهاء، وهي: "الضرورات تبيح المحذورات" ضمن الأدلة الدالة على يسر الشريعة وسهولتها في أصلها وسعيها إلى التخفيف عند وجود عذر طارئ. كما أنها أيضا من أولى أدلة قاعدة "يقوم البدل مقام الأصل إذا تعذر"، فعند تعذر الطهارة المائية التي هي الأصل يقوم التيمم مقامها.

5- }وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم.....كتابا موقوتا}: وهي دليل على شقي قاعدة "إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق"، فقد دلت هذه الآيات على أن للمسلمين إذا خافوا أن يقصروا من الصلاة بل ويغيروا من كيفياتها على الوجوه التي نص عليها مراعاة للمشقة الزائدة والضيق الطارئ، فإذا زال سبب الخوف المبيح لذلك أدى المسلمون صلاتهم على الهيئة التي شرعت عليها في الأصل [25].

قصة وهدف :

{ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا...} ، هكذا ذمّ الله تعالى من لم يتحاكم إلى كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم من المنافقين الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام وإذا حصلت لهم قضية رغبوا أن يتقاضوا لدى أحبار اليهود ورؤساء الضلال، ولهذا جاء التعبير عنهم بالزعم إشارة إلى كذب دعواهم، وقد ورد في سبب نزول هذه الآيات عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً من المنافقين كانت بينه وبين يهودي خصومة فدعاه اليهودي إلى التحاكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرفض المنافق ودعاه بدل ذلك إلى التحاكم إلى أحد أحبار اليهود، غير أن اليهودي استمسك بالتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فكان الحق لليهودي، فلم يرض المنافق بذلك، فلما خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم أعلن المنافق رفضه للحكم وطلب من اليهودي التحاكم إلى عمر رضي الله عنه، فجاءاه فذكر له اليهودي القصة، فقال عمر للمنافق وهو يشير: أكذا هو؟ قال: نعم. قال: رويدكما حتى أخرج إليكما. فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد، وقال هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله. وهرب اليهودي ونزلت هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: "أنت الفاروق" [26].

من أهداف القصة :

- أن يعلم يقينا من خلال الآيات والقصة التي كانت سببا للنزول "أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، وأنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم" [27].

- تبيان تمرد المنافقين على الوحي وهروبهم من الحق وصعرهم إلى الباطل، فلما أوْجَبَ الله تعالى الطَّاعَة على جميع المُكَلَّفين في قوله جلت عظمته: }يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول... } "ذكر في هذه الآيةِ أن المُنَافقين والذين في قُلُوبهم مَرَضٌ لا يُطيعُون الرَّسولَ ، ولا يَرْضُونَ بحُكْمِهِ ، وإنما يُريدُون حُكْمَ غيره" [28]

- اتضاح اشتمال لفظ الطاغوت على كل ما يعبد من دون الله ويصد عن سبيله ويعترض على حكمه وشريعته، وفي ذلك السرداب وخلال تلك السبل يرتع أهل النفاق منذ أقدم العهود.

- كشف كراهية المنافقين للحكم بما أنزل الله تعالى وتعصبهم ضده، ووقوفهم مع أي نظام طاغوتي بديل عنه، وبغضهم للحق وحملته، وبعدهم عن الاستماتة في سبيله، وضيقهم ذرعاً بشعائره، فيمقتون لذلك كل الطاعات من صلاة وزكاة وحج..، وإن تستروا حال خوفهم على ذلك المقت وغطوه، لكن بواطنهم تنفضح وسرائرهم تنكشف إذا أعلنت شعيرة الجهاد في سبيل الله أو رفعت راية الحكم بما أنزل الله، فعند هذين الأمرين لابد أن يتبدى الوجه الكالح للنفاق ويصدح أهله بخسيس مكنوناتهم [29].

- أظهرت الآيات بما لا مجال للشك فيه من خلال التعبير القرآني {يَزْعُمُونَ} أن الإيمان والتحاكم إلى غير شرع الله لا يجتمعان في قلب واحد، ذلك أن الإيمان لا يكون إلا بالكفر بالطاغوت {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ}، والرضا بالتحاكم إلى القوانين الوضعية يناقض الكفر بها، كما أنه ينافي الرضا بتحكيم شرع الله، فكل من حكم بغير ما جاء به النبي- صلى الله عليه وسلم-، أو حاكم إليه فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه، وذلك مناف للإيمان [30].

الآيات الكونية:

- }أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} : كتاب بحجم القرآن يحتوي على أكثر من ستة آلا ف آية لا يوجد تعارض بين اثنتين منها مطلقا، إنه الإعجاز؟؟؟

- }ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} : فالله هو المالك وحده لا شريك له للسماوات والأرض وما فيهما، فلا منازع له، وذلك أمر يستدعي الوقوف والتدبر والتسليم لأمر من لا منازع له.

الخاتمة:

لقد احتوت سورة النساء تقريراً مهماً عن الأوضاع المثالية للمسلمين في الحرب والسلم موضحة وشائج الولاء والبراء ومقتضيات الجهاد بعد أن نصبت عرى المحبة في أرجاء منظومة المجتمع، وأوضحت أسس القوامة، والممنوع والمسموح داخل الأسرة، وكان من لطائفها أن أكثر آياتها ختمت بأسماء الله الحسنى.

في هذه السورة الكريمة نوه الله تعالى بحقوق الأيتام}وآتوا اليتامى أموالهم.. } ، وذكر بما يجب للأقارب }وإذا حضر القسمة أولوا القربى... } ، ثم فصلت أحكام المواريث}يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين... } ، وما للرجال والنساء من حقوق وما عليهم من واجبات داخل إطار الزوجية }الرجال قوامون على النساء.... } ؛ لتكشف طرفاً من الحدود عند ارتكاب المحرمات }واللاتي يأتين الفاحشة... } ، وطفقت تطمس عادات الجاهلية في تعاملها مع النساء رفعاً للظلم الذي كن عرضة له في تلك الحقبة الزمنية، ودعوة وتجسيداً إلى معاملتهن بالحسنى ومعاشرتهن بالمعروف }وعاشروهن بالمعروف... } ، وحظرا لإيذائهن وأكل أموالهن ومهورهن }وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا... } ، ثم عقبت السورة ذلك بسرد موانع إنشاء الرابطة الزوجية بين الرجل والمرأة لقرابة أو رضاع أو مصاهرة }ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء... } ، مشيرة إلى نوع تفضيل لجنس الرجال على جنس النساء في الميراث والقوامة ومسؤولية الإنفاق والغزو، لتحذر في الوقت نفسه من تمني أي من الجنسين لما خص الله به الجنس الآخر؛ لما يفضي إليه ذلك من التنازع والتحاسد }ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض... } ، وفي هذا السياق ترشد السورة إلى جرعات علاجية للقضاء على أسباب النشوز والتباغض وإزالة ما قد تتركه من آثار }وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من... } .

وبعد ترتيبها للبيت الإسلامي من الداخل تنتقل السورة إلى الحديث عن الخارجين على نظامه، وهم الذين لا يدينون بالإسلام، وألمحت إلى مآلهم في الآخرة وما ينتظرهم من أليم عذاب يتمنون معه لو سويت بهم الأرض }يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول... } ، وفي السياق نفسه كشفت السورة عوار اليهود وبينت ما هم عليه من جحود وكفر وحسد وعناد وتكذيب لآيات الله تعالى، وسردت من زيغهم وبطلان ما يعتقدونه من ضلالات؛ رتبت على عقائدهم تلك ما أعد الله تعالى لهم من النكال في دار الجحيم وما ينتظرهم فيها من العذاب المقيم }ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب... } [31] ، تحذيراً للمؤمنين من سبل الغواية التي مرد عليها أؤلائك، و إرشاداً لهم إلى منيع الهداية المبني على الإيمان والطاعة والأمانة والعدل، والجهاد في سبيل الله تعالى لإعزاز دينه وإعلاء كلمته، بإعداد العدة والتأهب الدائم لمواجهة العدو والحيطة الحازمة من كيدهم }فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا.... } ، ذلك الطريق الذي نكبه المنافقون، بتخلفهم عن الجهاد وتثبيطهم لهمم المسمين لثنيهم عن الاستماتة في سبيل الله تعالى، فحذر ت السورة من مراوغاتهم ومكرهم، وسوء طواياهم وما هم عليه من التناقض المبين }ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم... } ، وما استمرؤوه من مواقف مخزية تجاه قضايا الأمة الإسلامية }ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت.... } ، وعقبت ذلك بالتفاتة هامة إلى شناعة القتل وما يجره من ويلات إذا استشرى داخل المجتمع، مبينة أحكامه بين الخطإ والعمد، ومحرجة في قتل النفس المؤمنة ومعظمة لجرم مرتكبه، ومشددة على عظمة عقوبته }وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا... } ، ثم أردفت ذلك بمراتب المجاهدين وما لهم في الآخرة من رفعة المنازل وعلو الدرجات وجزيل الثواب }لا يستوي القاعدون من المؤمنين.... } ، مبينة في المقابل عقوبة القاعدين عن الجهاد والمستمرئين للاستكانة في بلاد الكفر الذين لم يأخذوا بعزة الإسلام }إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم... } ، موضحة من خلال ذلك وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان؛ لما يترتب عليها من العزة والمنعة والأجر العظيم والرزق الواسع }ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض... }، مردفة بعض الأحكام التي لها تعلق بالجهاد كصلاة المسافر والخائف }وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من.... } .

وتطبيقاً لما أكدت عليه السورة منذ بدايتها من وجوب إقامة مبدأ العدل، واعتباره مكفولاً لأي إنسان بغض النظر عن ديانته أو جنسه أو لونه ذكرت أحد أروع الأمثلة التي شهدها التاريخ البشري، حين تطرقت إلى إنصاف رجل من اليهود تآمر عليه أهل بيت من الأنصار فرموه بالسرقة، فأوضحت السورة أنه مظلوم، معلنة إدانة متهميه ومقرعة إياهم وموبخة لهم على شناعة فعلتهم }ومن يكسِبْ خطيئةً أوْ إثْمًا ثمَّ يَرْم به بريئًا فقد احْتَمَلَ بُهْتَانًا وإثْمًا مبينًا } [32]. وأتبعت السورة ذلك بتبيان ذم النجوى وأنها ما لم تكن على طاعة فهي مذمومة }لاخير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة... } ، ثم جرمت مخالفة أوامر المصطفى صلى الله عليه وسلم والخروج على إجماع الأمة }ومن يشاقق الرسول من بعد... } ، كماحذرت من إغواء الشيطان }..وإن يدعون إلا شيطانا مريدا... } .

وعوداً على بدء رجع السياق إلى تناول قضايا المرأة محذراً من مغبة انتقاص حقوقها المالية ميراثاً ومهراً، مجدداً مطالبته بالإحسان إليها، ومقدما أهم طرق الوقاية والعلاج لإبعاد مخاطر النشوز عن الأسرة، مشدداً على نجاعة الصلح والاتفاق إن أمكنا وإلا ففراق بعدل لا نزاع فيه ولا شقاق }ويستفتونك في النساء... } .

وبعد تشييد السورة لأركان العدل داخل الأسرة، سعت إلى توسيع دائرة إقامته في كل أوجه الحياة ومع كل المخلوقات، وتجسيداً لذلك دعت إلى أداء الشهادة بالحق لله تعالى دون محاباة أو مجافاة أيا كانت نوعية المشهود له أو عليه قرابة وبعدا، صداقة وعداوة، غنى وفقراً...بعيدا عن مزالق اتباع الهوى }يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط... } ، ثم أكدت الدعوة إلى وجوب الإيمان بالله تعالى وجميع ملائكته وكتبه ورسله }يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله... } ، محذرة في الوقت نفسه من العذاب الأليم في دركات الجحيم المعد لجرثومة السوء ومضمري الشر من أهل النفاق }إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا... } ، موضحة أن كشف الستار لم يكن منهجاً قرآنياً إلا في حق من عظمت أضراره وزادت مخاطره كالمنافقين واليهود }لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم... } ، فقد خالف الأولون قيم الكرامة والوفاء، وتنوعت جرائم الآخرين وفحشت حتى تجرؤوا على الله تعالى وعبدوا غيره وادّعوا زوراً صلبهم للمسيح، وآذوا الرسل وافتروا عليهم واتهموهم بالعظائم ورفضوا الحق الذي جاءوا به وطفقوا يفرقون بينهم، ففضح الله مخازيهم وبين لهم أن الإيمان لا يكون إلا بالرسل جميعا }إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا... } ، وفي ذات الإطار جددت السورة دعوة النصارى إلى توحيد الله تعالى والبعد عن الغلو في المسيح واتخاذه إلها من دون الله، وزعمهم كذبا وزورا أنه ابن الله أو أنه ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً }يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا... } ، ثم ختمت السورة بما بدأت به من قضايا الأسرة فبينت أحكام الموروث كلالة.

هكذا تناولت السورة كافة شؤون الأسرة في شتى ظروفها وأحوالها، كما بينت نماذج فريدة من الآداب الاجتماعية التي طالت الخصوم والأصدقاء والأغنياء والفقراء والذرية والكبراء...وأعطت جرعات وافية لتأسيس منهج التعامل والتعاطي مع أهل الكتاب في مختلف الظروف والأحوال؛ لتؤكد من خلال ذلك كله على ضرورة الثبات على المحجة ووجوب التزامها، إذ فيها السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة.








[1] كما جاء في صحيح البخاري\كتاب فضائل القرآن\باب تأليف القرآن\ح(4993) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده...".

[2] انظر: بصائر ذوي خبرة التمييز للفيروزابادي(1\169)، ط: مطابع شركة الإعلانات الشرقية\ القاهرة 1384هـــ

[3] جامع لطائف التفسير للقماش(19\293).

[4] مدنية كلها على اعتبار أن المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعدها، وعلى غير ذلك يكون قوله تعالى "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..." تكون هذه الآية مكية لأنها نزلت بمكة يوم الفتح، انظر : اللباب في علوم الكتاب لابن عادل (6\138)، وكذلك قيل عن قوله تعالى: "ويستفتونك في النساء..."، انظر: قلائد المرجان للكرمي ص: 82، وقال الإمام السيوطي : " زعم النحاس أنها مكية مستندا إلى أن قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} الآية نزلت بمكة اتفاقا في شأن مفتاح الكعبة وذلك مستند واه لأنه لا يلزم من نزول آية أو آيات من سورة طويلة نزل معظمها بالمدينة أن تكون مكية خصوصا أن الأرجح أن ما نزل بعد الهجرة مدني ومن راجع أسباب نزول آياتها عرف الرد عليه ومما يرد عليه أيضا ما أخرجه البخاري عن عائشة قالت ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ودخولها عليه كان بعد الهجرة اتفاقا. وقيل: نزلت عند الهجرة"، انظر: الإتقان (1\12) ط:المكتبة الثقافية بيروت لبنان.

[5] التحرير والتنوير (4|4-5)

[6] أخرجه الإمام أحمد في المسند(24575) من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال عنه شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: "إسناده حسن".

[7] أخرجه الإمام أحمد في المسند(17023)، وقال عنه شعيب الأرنؤوط في تعليقه عليه: "إسناده حسن"، وأخرجه البيهقي في الشعب(2415)، وكذلك في سننه الصغرى(978)، والطبراني في معجمه الكبير(186)، وغيرهم...

[8] أخرجه الحاكم في المستدرك(3194)، وصحح إسناده، وكذلك الذهبي في التلخيص، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير(9069)، وكذلك في الكبير(8971)، والبيهقي في الشعب(2425)

[9] الإتقان مرجع سابق(2\112)

[10] انظر : البخاري\كتاب النكاح\باب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخرا\ح(5115)، ومسلم\كتاب النكاح\باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ، واستقر تحريمه إلى يوم القيامة|ح(1407)

[11] انظر أضواء البيان (1\237)

[12] ) انظر : كتاب الجذور اليهودية للشيعة (1\99) لمؤلفه أ.د محمد عبد المنعم البري

[13] أخرجه الطبراني في الأوسط (477)، والصغير (51)، وأبو نعيم في الحلية (4\240)

[14] انظر : نحو تفسير موضوعي لسور القرآن ص: 57

[15] الفتاوى الكبرى (4|5)

[16] الفتاوى الكبرى (1|431)

[17] الفتاوى الكبرى (4|90)

[18] الفتاوى الكبرى(4|5)

[19] الفتاوى الكبرى(4|90)

[20] أخرجه الإمام أحمد (3600) والطيالسي في مسنده ص: 23، وقد صحح الحاكم إسناده ووافقه الذهبي، وقال الإمام السخاوي: "هو موقوف حسن"، وكذلك حسنه الألباني، وأما كونه حديثا فلا يثبت، قال الألباني: "لا أصل له مرفوعاً, إنما ورد موقوفاً على ابن مسعود رضي الله عنه"، وأضاف عن الحديث : "وقد تفرد به النخعي وهو كذاب .. ولهذا قال الحافظ ابن عبد الهادي: إسناده ساقط, والأصح وقفه على ابن مسعود رضي الله عنه"، انظر: السلسلة الضعيفة ح (533) (2/17).

[21] انظر : الموافقات (2|8-12)

[22] انظر : الجامع لأحكام القرآن (5|158-159)

[23] ) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (1|445-449)

[24] تفسير المنار (2/164) ط، القاهرة، مطبعة المنار 1373هـ.

[25] انظر : أحكام القرآن لابن العربي (1|497)

[26] انظر : الكشاف (1|406)، والقرطبي (5|264)

[27] أضواء البيان (3|259)

[28] اللباب في علوم الكتاب (6|452)

[29] انظر : نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم ص: 56-57

[30] انظر : تحكيم القوانين للشيخ محمد بن إبراهيم ص: 3

[31] انظر : صفوة التفاسير (1|272)

[32] انظر: تفسير ابن كثير (3|411-413)

 
 
   Bookmark and Share      
  
 هدايات سورة النساء

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7