الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2018
 
الثلاثاء 10 أبريل 2018


التهويد الديني و الثقافي في القدس (2)
. خباب بن مروان الحمد

منذ نشأة الكيان الصهيوني المحتل وهو يحاول فرض الهوية اليهودية على جوانب الحياة في فلسطين المحتلة، سواء من خلال سن قوانين تجبر السكان أصحاب الأرض على التخلي عن هويتهم الثقافية أو الدينية أو من خلال بسط النفوذ الديني للحاخامات اليهود على المقدسات الإسلامية، و في هذا السياق تسعى الحكومات الصهيونية المتعاقبة دائما إلى تعزيز الاستيطان و كذلك تمكين المستوطنين المدعومين من الكنس و الحاخامات إلى إحتلال البيوت و المحال المحيطة بالمسجد الأقصى وطرد السكان الفلسطنيين منها، وكل ذلك بغاية التهويد الكامل لفلسطين وتحقيق الحلم اليهودي ببناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى المبارك وطرد الفلسطنيين من أرضهم.

في البدء لا بدّ من إيضاح سرّ الصراع بين المسلمين ويهود الصهيونيّةوأنّه صراع عقائدي؛ ومن أدرك حقيقة ذلك سيتجاوزحجم المخاطر والمكر الذي يقوم به اليهود لكثير من الجرائمالفكريّة على الأرض؛ فالإفساد دينهم وديدنهم وحوله دندنتهم.

والمسلم إن أدرك حقائق الإسلام والإيمان؛ وكانت لديه المعرفة المتكاملة بكيد يهود وإفسادهم في الأرض؛ فستُختصر له المسافات وتتلخّص له كثير من مجامع ما يُدانُ به يهود من التوثيقات لما يقومون به من جرائم ومخاطر تجاه القدس؛ فإذا جاء نهر الله بطل نهر مِعقل.

فلقد قال تعالى واصفاً يهود أنّهم: (ويسعون في الأرض فساداً) وفي السورة التي سُمّيت بسورة بني إسرائيل قال عنهم: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين!) وقال عنهم: (أوكلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم) وأخبر عن عدواتهم قائلاً: (لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا) وأنّهم: (كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله) فهذه الآي تُلخّص لنا حقيقة القوم.

إنّ الحرب الفكريّة والعقائدية اليهوديّة حرب قد لا يشعر بها ضعيف الإيمان لذا توصف أنّها حرب باردة؛ إذ يُراد منها التخريب والتلويث لعقول المسلمين؛ بحملات التشكيك والتفكيك للمعتقدات الإسلاميّة؛ ولجم من يقول الحقيقة من دعاة التأصيل والتحقيق العلمي؛ وإنّ خطورة سياستهم الفكريّة؛ تذكّرُني بكلمات يحسن إيرادها في هذا الموطن؛ إذ أنّ السياسي الفرنسي الفرنسي "كليمنصو" في عصر الحرب العالمية الأولى قال:"إن الحرب تبلغ من الجديّة مبلغاً أخطر من أن تترك قراراتها للعسكريين وحدهم"؛ وبعده بقليل قال الجنرال الفرنسي ديغول في عصر الحرب العالمية الثانية: "إن السياسة أخطر من أن تترك للسياسيين وحدهم" فيما سبقهما المفكر الاستراتيجي الألماني كلاوزوفيتز، في القرن التاسع عشر، قائلاً: "السياسة هي حرب بوسائل لطيفة، والحرب هي سياسة بوسائل عنيفة"[1]!

إنّ القضيّة عند يهود أبلغ من قرار حرب عسكريّة على المقادسة؛ وأشدّ من أن تكون قرارات سياسيّة فحسب؛ فليس الأمر تطبيعاً سياسياً بين دولتين قرّرتا إلغاء الذاكرة ومسح المعلومات المُسبقة؛ والتعاون فيما بينهما على قضايا مُشتركة؛ فالقضية ليست تسوية سلمية؛ لا بل الأمر أعظم من ذلك؛ إنّها دولة محتلة عسكرية قمعية وسياسة مستبدة قامت على الظلم، لكنّها تدعي الديموقراطية؛ تتعامل مع المقادسة بالمثل السياسي: "تكلّم بلطف واحمل عصا غليظة !" أو بالمثل الغربي المشهور: "الانتقام طبق يُفضّل تقديمه بارداً !"وتفرض سياستها الفكرية والثقافيّة بل الدينية على شعب آخر؛ دينه وثقافته وفكرته مُغايرة للمحتل؛ والمحتل يُريدها أفكاراً نهائيّة تصحيحية لأفكاره السابقة؛ فالقضيّة لم تعد تطبيعاً؛ إنّما الأمر أدهى وأمرُّ؛ فهو مسح وطمس وإلغاء لكافّة الأسس والثوابت المنهجية التي يتلقاها المسلم المقدسي في التعامل مع دينه وقضيته ومقدساته!

وكثيرة هي المخاطر التي يُحاول يهود من خلالها بإحداث تغييرات جذريّة في العقليّة المقدسيّة بل الإسلاميّة بشكل عام؛ ومن ذلك:

1. يؤمن المسلمون إيماناً قطعياً بحادثة الإسراء والمعراج؛ ويرون أنّها حقيقة عقائديّة؛ وأنّها سبب لفتنة كثير من الناس عن دينهم؛ وثبات آخرين؛ وقد كانت هذه الحادثة بالجسد والروح معاً كما هو قول جماهير العلماء؛ فقد قال تعالى في سورة الإسراء:(سبحان الذي أسرى بعيده) والعبد تنصرِف للروح والجسد معًا، ويؤمنون أنّ هذه الحادثة كانت يقظة لا مناماً كذلك ، فقد قال تعالى : (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) ومن كذّب بذلك فقد وقع في الفتنة وحاد عن طريق الإيمان؛ فالله تعالى يقول في السورة نفسها التي ذكر فيها حادثة الإسراء : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا)[الإسراء: 60]، وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما- مُفسّراً لآية: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به.

لكنّ يهود يُحاولون في دراساتهم القيام بالتحويل الفكري لضعفاء المسلمين عن عقائدهم الثابتة؛ وزعزعة ثوابتهم، إذ يُحاول يهود ومجموعة من مستشرقيهم أن يُشكّكوا المسلمين بها عموماً والمقادسة خصوصاً، كحادثة: (الإسراء والمعراج)؛ ويعتبرونها قصّة خرافية؛ لا يُصدّقها عقل؛ وبهذا يُحاولون زحزحة الناس عن دينهم وثوابتهم؛ بل تكون هذه القضية مدخلاً للشك في الدين بله الإلحاد !

2. يقوم اليهود بسياسة التهويد الفكري عبر التعليم، فقد قامت وزارة التعليم اليهودية منذ عام 2013م بتحويل المناهج التعليميّة الفلسطينية إلى مناهج يهوديّة خالصة؛ وهي محاولة حقيقة لطمس الحقائق وحجب للمعلومات الصحيحة؛ لتهويد عقول الجيل والنشء؛ فهم يتبنّون عبارة قالها أحد زعمائهم: (الكبار يموتون، والصغار سينسون)؛فيقوم عملهم بتشويه العقيدة الإسلامية؛ وأنّ الإسلام "مجرد تربيّة روحيّة"، وأنّ تاريخ المسلمين قائم على الفتن والحروب، ومدح بني إسرائيل، وتغييب آيات الجهاد في سبيل الله، بل سقط كل ما يُشير إلى الانتفاضة الفلسطينية ضدّ المحتل؛ وحذف أي نشيد أو قصيدة تتعلق بها؛ وتزييف الوعي المقدسي حتّى لا نكاد نرى في تلك المناهج حديث عن عروبة القدس فضلاً عن كونها مُحتلة فضلاً عن إسلاميتها؛ بل حُذفت بعض القصائد التي تنمي في الحس الشعوري للنفس تجذٌّر المقدسي في أرضه؛ كما حصل ذلك بالفعل في قصيدة "جذور" للشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد والتي فيها: (القدس... أنا منها وأفديها بالمال وبالنفس ولا أرضى لها ذُلاّ)؛ وقاموا بفرض اللغة العبريّة على الطلاب العرب لغة أساسية في المنهاج الدراسي للمراحل الثلاث، وإلغاء مادة المجتمع العربي والتاريخ العربي، والتركيز على الخلافات العربية والضعف العربي وتأكيد عبقرية اليهودي وتفوقه على غيره من البشر.

وهم بهذا يقصدونلإخراج جيل مقدسي جاهل؛ لا يعرف عن تراثه ومآثره وآثاره إلاّ ما يُحكى له في أروقة البيوت العتيقة أو حكاوي الأجداد والآباء؛ أمّا في مجال التعليم فهو تعليم سيصبغ عقلية الجيل بالتطبيع الكامل مع الفكر القومي اليهودي!

3. سماح الاحتلال اليهودي لعدد من السائحين زيارة القدس؛ وهم بذلك يرمون صّنّارة صيد من خلال طُعم لذيذ؛ فالأنفس تهفو لزيارة المسجد الأقصى؛ ومن سيزروها سيقع في الشِّبَاك؛ فاليهود ذوو مكر؛ يُبرزون أنفسهم أمام العالم أنّهم من أكثر الناس ديموقراطية، فيقومون بكسر الحاجز النفسي لعموم السائحين؛إذ يرون جنود الاحتلال على بوّابات المسجد الأقصىوقد يبتسم أحدهم في وجه السائحين الذين أتوا لزيارته، وهذا سيغرس عند عدد لا يُستهان به أنّ يهود سمحوا لنا بممارسة العبادة كما لدى سُيّاح المسلمين وزيارة الأماكن المُقدّسة بشكل عام عند غيرهم!

ومن الأشياء التي يُركّز عليها يهود وضع برامج ثقافيّة للسائحين لزيارة المتاحف التي أقاموها قُرب المسجد الأقصى ومنها "متحف ديفدسون" جنوب المسجد الأقصى وهو متحف متخصص بغسل أدمغة السياح، فيدخل السائح الأجنبي إلى الأقصى بعد أن يرسموا له صورة مزورة ومعكوسة للحقيقة بحيث يبدو المسلمون وكأنهم هم المعتدون واليهود هم المظلومون!

يحصل ذلك للسّيّاح بكل سُبُلِ الراحة فيما أنّ الأقصى لا يستطيع الشباب المقدسي أن يصلوا إليه إلاّ في شهر رمضان ويوم الجمعة وبشقّ الأنفس، بل يُعتقل عدد من الشباب المقدسي لمنعهم من زيارته.

فعلى كلّ مسلم إن أحبّ الأقصى وتذّكره كي يُصلي فيهثمّ قَصَدَ زيارته بدعوى سماح يهود بذلك وشدّ الرحال للمسجد الأقصى المبارك... عليهألاّ يغيب عنه التفكير بزيارته بعزّة ومَنَعة وقوّة؛ ليكون من جنده الفاتحين بدلاً من أن يبقى مداسة لجنود الاحتلال الصهيوني يدخلون فيه في أي وقت وزمان؛ ويُحدّد لهم اليهود الوقت الذي يدخلونه فيه في أي وقت وزمان!

وعلى من يُخدع بسماح يهود بالسياحة والسفر لزيارة الأقصى أن يسألووا أنفسهم:

- لماذا يسمح لنا يهود بالسياحة والسفر إلى المسجد الأقصى وأداء العبادة فيه؛ فيما يمنع نساء بيت المقدس من الدخول فيه؛ وتعتبر قولتهنّ في ساحاته: (الله أكبر) جريمة يُعاقب عليها القانون؟!

- هل يقبل الواحد منّا بعد أن يُسرق بيته وماله؛ أن يأذن له الظالم السارق أن يدخله لزيارته؟!

4. يقوم اليهود بمسح الذاكرة التاريخية للمدينة وتغيير أسماء شوارعها وأزقتها العربية بأسماء عبرية يهودية؛ وقد ذكرت إحصاءات[2] أنّ الكيان المحتل قام بتغيير 7000 اسم لمواقع فلسطينية؛ منها أكثر من 5000 موقع جغرافي، بل مئات من الأسماء التاريخية؛ وأكثر من 1000 اسم لمغتصبة يهودية؛ فيما يعني ذلك طمس التاريخ العربي والإسلامي لكافة هذه المواقع، بل قامت بلدية القدس بإجبار التجار المقدسيين أن ينصبوا لافتات باللغة العبرية على متاجرهم، بعدما فُرِض قانون يلزمهم بذلك.

5. أطلقت وزارة الخارجية اليهودية موقع "قرآنت Quranet"تحت إشراف الأستاذ الجامعي اليهودي:"عوفر غروزيرد"[3] وزعمت الخارجيّة أنّ هذا المشروع همزة وصل بين العالم الإسلامي والغربي، وأنّه مشروع يطمح إلى أن يكون "الذكر الحكيم وسيلة تربوية يستخدمها كل مرب وكل رب عائلة، لتظهر بذلك عظمة القرآن المجدية ليكون في خدمة البشر " - كذا في زعمهم- ، حتّى أنّ بعض المواقع العربيّة العَلْمَانِيَّة شاركت هذا المشروع؛ ليفسح المجال لهم بنشره على صفحات مواقعهم؛ والأدهى أن ينشر صاحب هذاالمشروع كلمات لبعض المشايخ في الداخل والخارج بشكر هذا المشروع ومُباركة إنجازه!

ولا يخفى أنّ مشروعاً كهذا فيه محاولات خطيرة لتحريف المفاهيم القرآنية؛ وخاصّة فيما يتعلق بالأرض المُباركة وفلسطين وبيت المقدس؛ وجميع الآيات التي تتحدث عن اليهود؛ والقصد من ذلك معروف بداهة دون حاجة إلى تطويل التعليق عليه!

6. محاولة عدد من الكتّاب والمستشرقين بالتشكيك بما جاء في القرآن والسنّة حول فضائل المسجد الأقصى المُبارك؛ وأنّهليس المسجد المُتعارف عليه! بل إنّه ممر بين السماء والأرض! ويزعم عدد من الباحثين اليهود أنّ أحاديث المسجد الأقصى موضوعة! ويرون أنّ أحاديث فضائل المسجد الأقصى والحث على زيارته اختلقها الأمويون؛ ليصرفوا الناس عن الحج إلى بيت الله الحرام للمجيء لبيت المقدس! وأنّ الأحاديث المرويّة في فضائل بيت المقدس كلّها من اختلاق الزهري!

يُؤكّد ذلك ما في "الموسوعة الإسلامية" التي كتبها اليهودي "بوهل" حيث جاء فيها: "أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ربما فهم منذ البداية أن المسجد المذكور في الآية الكريمة إنما هو مكان في السماء، وليس المسجد الذي بني فيما بعد في مدينة بيت المقدس"[4].

وإذ نبحث عن مصدرهم لهذه المعلومة الباطلة؛ فسنراها مُستلّة من كتب الشيعة الرافضة؛حيث اعتمد يهود عليها؛ حتّى أنّ"إسحق حسون"- الباحث اليهودي، والعضو في معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية في الجامعة العبرية -،يقول في مقدمة تحقيقه لكتاب فضائل البيت المقدس لأبي بكر محمد بن أحمد الواسطي:"معروف أن فرقاً من الشيعة لا ترى لمسجد بيت المقدس فضلاً على غيره من المساجد"[5]!

لقد أورد صاحب كتاب"بحار الأنوار" - أحد مصادر الشيعة المُعتمدة لديهم - أكذوبة لفّقها عن جعفر الصادق، ونصُّها:"عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المساجد التي لها الفضل فقال: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، وقلت المسجد الأقصى جعلت فداك؟ قال: ذاك في السماء، إليه أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن الناس يقولون: إنه بيت المقدس فقال: مسجد الكوفة أفضل منه"[6].

وجاء في تفسير الصافي لقوله تعالى:(سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) يعني إلى ملكوت المسجد الأقصى. قال:"ذاك في السماء، إليه أسري رسول الله صلى الله عليه وآله"[7].

وليس الأمرُ مكتوباً في أوراق صفراء قديمة أكل الدهر عليها وشرب،بل لا زال الأمر يُذكر حتّى في العصر الحاضر؛ فلقد صنّف أحد أكابر علماء الرافضة "جعفر مرتضى العاملي" في زماننا كتاباً بعنوان: (المسجد الأقصى... أين؟!) وادّعى فيه أن المسجد الأقصى الحقيقي الذي أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إليه هو في السماء وليس في الأرض" ونال المؤلف على كتابه هذا تكريم الرئيس الإيراني السابق " أحمدي نجاد" ومنحه جائزة أفضل كتاب في إيران!

والشخص نفسه:"جعفر مرتضى العاملي" كتب كتاباً آخر جاء فيه أنّ"المسجد الأقصى الذي حصل الإسراء إليه، والذي بارك الله حوله، هو في السماء"[8] وزعم صاحبه: "أنه حين دخل عمر بيت المقدس لم يكن هناك مسجد أصلاً، فضلاً عن أن يسمى أٌقصى لأنّه في السماء"[9] وهو كلام مغلوط لأنّ المسجد الأقصى سُمّي بذلك؛ لبعده عن المسجد الحرام من ناحية المسافة، و لبعده عن القذر والدنس.

من هنا تتضح سلسلة الكذب على الأقصى؛ بدءاً من كُتب الشيعة الرافضة؛ مُروراً بأعمال المُستشرقين للتشكيك بقدسيّة الأقصى ومكانه؛ مِمّا يدلُّ دلالة واضحة على أنّ المستشرقين اليهود يستغلّون المذاهب الهدّامة الباطلة للتهوين من قدسيّة القدس والأقصى، وكتابات "إسحاق حسّون" وقبله المستشرق الفرنسي"ديمومين"،والمستشرق"كستر" شاهدة على مدى التفكير في التشكيك بقدسيّة الأقصى.

7. لدى المستشرقين اليهود طُرُق أخرى للتشكيك في مدى تمسُّك المسلمين ببيت المقدس حين سقطت بيد الفرنجة عام 1092م؛ فقد ذهب "يمانويل سيفان" إلى أنّ احتلال القدس في ذلك الوقت لم يكن له صدى بين المسلمين ولا حُكّامهم؛ كما فعل الملك الكامل حين سلّم القدس وبيت لحم للملك الصليبي فردريك الثاني 1129م دون أن يكون لهذا الحدث فعل يتناسب مع أهميته وخطورته[10].

بالطبعفإنّهم يُريدون التقليل من حجم احتلالهم؛ وإضعاف فكر المقاومة الذي يحمله المقادسة تجاه يهود؛ فضلاً عن أنّ هذه الأشياء كذب محض؛ فمن يقرأ ما كتبه المؤرّخون في وصفهم لحالة احتلال الإفرنج لبيت المقدس يصف شيئاً آخر تماماً عمّا يقوله عدد من اليهود؛ فالإمام ابن كثير قد كان مُعاصراً لتلك الحقبة الزمنيّة، واصفاً ردود الأفعال سنة 492هـ حيث قال: "أخذت الإفرنج بيت المقدس وذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى الطّرق مستغيثين على الإفرنج إلى الخليفة وندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج إلى البلاد ليحرّضوا الملوك على الجهاد"[11]؛ ثمّ إنّ تفريط حاكم من حُكّام المسلمين في مُقدّساتهم؛ لا يعني ألبتة أنّ الشعوب ستكون متفقة مع تفريطه وتضييعه؛ كما هو الحال الآن من حُكّام المسلمين الذين فرّطوا في حماية مُقدّساتهم.

8. يقوم عدد من الباحثين اليهود بالتشكيك في عروبة القدس بعد أن شكّكوا في إسلاميتها؛ ولهم في ذلك عدّة كتب وأبحاث متعلّقة؛ومن أبرز ذلك قيام البروفيسور"أمنون كوهين" أستاذ مستشرق في الجامعة العبرية بكتابة كتب حول:"القدس – دراسات في تاريخ المدينة" حيث يرأس معهد "بن تسفي" للدراسات، وجاء في كتابه: " أنّ القدس لم تكن يوماً من الأيام مدينة عربيّة، ولم تكن عاصمة البلاد، وبقيت مدينة جانبية، ولم تلعب في الإسلام قط دور مركز ثقافي؛ لأنّ المسلمين شعروا أنّها كانت في الأساس مكاناً مُقدّساً لليهود والنصارى؛ فكانت بعيدة عن اهتمام العرب، والذين يصفهم بالبداوة والتنقل السريع بين البراري، وأسماهم أبناء الصحراء"[12].

وهذا الكلام كما هو معلوم عند أي منصف، عارٍ عن الصحّة؛ عدا أنّ فيه نوع من التساوق الفكري مع المنهجيّة الكاذبة التي صارت تنتشر في مجال الأبحاث والدراسات بزعم الموضوعيّة والموثوقيّة؛ لكنّها مراكز مؤدلجة لا تقصد بأبحاثها الوصول إلى الحقيقة؛ فهي مراكز مُمَوّلة تقصد نشر الأكاذيب باسم التحقيق والدراسات والأبحاث الصادرة عن متخصصين وبروفيسورات كذبة!

و قد مَحَقَ هذه الأكاذيب عدد من الخبراء والباحثين الغربيين، وكان من أواخرهم البروفيسور الدانماركي "فيليب ديفز" الذي ألقى محاضرة ضمن فعاليات ندوة القدس الدولية في المركز الثقافي الملكي الأردني، ومِما جاء فيها : "إن حق الفلسطينيين والعرب في مدينة القدس هو حق تاريخي تكفله كل الشرائع الدولية" وأن "القدس لم تكن في يوم من الأيام مدينة إسرائيلية، وأن ضمّها لدولة الكيان الصهيوني بعد الاحتلال أمر غير قانوني، ويتعارض مع كل القوانين الدولية" وأكّد أن"القدس لم تكن أبدًا عاصمة لمملكتي يهودا التي أقيمت على جزء من أرض فلسطين، وأن علماء الآثار فشلوا في العثور على ما يطلقون عليه مدينة داود، وهو ما خيّب آمال اليهود الذين يبحثون لهم عن حق زائف في مدينة القدس" وجزم بالقول "أن كل الآثار التي تم العثور عليها حتى الآن، أو معظمها على الأقل، تعود إلى مزارعين من العرب الكنعانيين الذين سكنوا تلك المنطقة"[13].

ينظر الجزء الأول من السلسلة:

سياسة اليهود في التأمر على الأقصى : 1




[1] يُنظر:

أ.كتاب:(في الحرب)لصاحبه:"كلاوزويتز"وهو المؤسس الأول للمدرسة السياسية في فلسفة الحرب.

ب. رسالة :(صنع القرار السياسي الخارجي الأمريكي- الحرب على العراق نموذجاً – حقبة بوش) لصاحبها د. رافع الكبيسي، وهي رسالة دكتوراة مقدّمة إلى كلية القانون والسياسة بجامعة لاهاي.

[2] عن مركز المعلومات الوطني الفلسطيني:

http://www.wafainfo.ps/atemplate.aspx?id=3586

[3] " عوفر" عالم نفسي (سيكولوجي) سريريّ ويحمل لقب دكتوراة آخر في تسوية الخلافات من جامعة جورج ميسون في ولاية فيرجينيا في الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا الشخص الذي يُقدّم القرآن بطريقته الخاصة؛ ويُحاول طمس المفاهيم من خلاله، وتحريف الآيات الحاثة على جهاد المعتدي؛ يقوم بذاته بكتابة سيرة ذاتية عن مناحم بيغن، وهو في الأصل اطروحة الدكتوراة التي قدّمت إلى معهد تسوية الخلافات في جامعة جورج ماسون، في الولايات المتحدة الأمريكية!

- نبذة عن "مناحم بيغن" !

"مناحم بيغن" المؤسس منظمة "أرجون" الصهيونية المسؤولة عن مذبحة دير ياسين بفلسطين؛ وهو سادس رئيس وزراء لإسرائيل المدعو مناحيم بيجِن، الذي أرسل عام 1979م برقية تهنئة إلى رعنان قائد الأرجون المحلي, قال فيها: تهنئتي لكم على هذا الانتصار العظيم قل لجنودك إنهم صنعوا التاريخ في إسرائيل!

"مناحم بيغن" كتب في كتابه (الثورة): إن مذبحة دير ياسين أسهمت مع غيرها من المجازر الأخرى في تفريغ البلاد من 650 ألف عربي، وأضاف: "لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل".

"مناحم بيغن" وصفه أ. هابر مؤلف كتاب: "مناحيم بيجن.. الرجل والأسطورة" الصادر في نيويورك عام 1979 في الصفحة 385 على لسان بن جوريون: ((إن بيجن ينتمي دون شك إلى النمط الهتلري، فهو عنصري على استعداد لإبادة كل العرب لتحقيق حلمه بتوحيد إسرائيل، وهو مستعد لإنجاز هذا الهدف المقدس بكل الوسائل))!

بعد هذا كلّه ييقوم المشرف على مشروع:(قرآنت) بعرض القرآن بطريقته الخاصة لتحريف مفاهيم المسلمين عن الإسلام والجهاد، زاعماً أنّه يقوم بذلك كي لا يجعل القرآن وسيلة للإرهاب على حدّ زعمه؛ فيما هو يجعل رسالته الدكتوراة عن أكبر مجرم من مجرمي الحرب اليهود!

[4] فضائل بيت المقدس في مخطوطات عربية قديمة، للدكتور محمود إبراهيم، ص 47، الجامعة الأردنية، إصدار معهد المخطوطات العربية (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم) الطبعة الأولى 1985م

[5] يُنظر مقدمة تحقيقه لكتاب: «فضائل البيت المقدس»؛ لأبي بكر محمد الواسطي، ص 35، طـ. دار ماغنس للنشر، الجامعة العبرية أورشليم القدس!، 1979م.- بتصرُّف يسير-. ثم قالَ في الحاشية رقم (32): «وانظر على سبيل المثال (بحار الأنوار)؛ للمجلسي (22/90) وكتاب: (ينابيع المودة)؛ لسليمان بن إبراهيم القندوزي، (ص 443 - 444)».

[7] تفسير الصافي للكاشاني : ( 1/ 669 – 670 )

[8] الصحيح من سيرة النبي الأعظم؛ للعاملي (3/106)

[9] الصحيح من سيرة النبي الأعظم، للعاملي: (3/137).

[10] للمزيد يُنظر كتاب: (المستشرقون اليهود ومحاولة التهوين من قدسية القدس ومكانتها في الإسلام) لمؤلّفه د. حسن عبد الرحمن سلوادي، عميد كلية الآداب في جامعة القدس، وهو بحث مُقدّم لمسابقة حول القدس نظّمتها جمعية القدس للبحوث والدراسات في غزة، وقد نال البحث الجائزة الأولى.

[11] البداية والنهاية؛ لابن كثير : (12 / 192).

[12] عن مقال: "الجامعات العبرية" و "جيش البروفسورات" للدكتور: عيسى القدومي، منشور في مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقيّة:

http://www.aqsaonline.org/news.aspx?id=512

[13] جزء مِمّا ورد في محاضرته على هذا الرابط:

http://www.imcpal.ps/news/?p=222

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 التهويد الديني و الثقافي في القدس (2)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7