الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2018
 
الأربعاء 21 فبراير 2018

حمزة زوبع يكتب :ثم ماذا بعد؟
اعتقل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح بعد أن خرج عن صمت امتد لسنوات ما بعد الانقلاب. وكعادته، أطلق مدفعيته الثقيلة في وجه الانقلاب وقائده الجنرال؛ الذي وصفه أبو الفتوح بقلة الخبرة السياسية، وهي تهمة - بالمناسبة - افتخر بها السيسي على الهواء مباشرة في إحدى غزواته الإعلامية.

لكن مدفعية أبو الفتوح والتي يرى البعض أنها جاءت متأخرة رغم قوتها لم تؤثر على طريقة عمل الجنرال أو الكتالوج الذي يعمل به كأي مستبد في العالم، وهو كتالوج البطش المعروف. وقد صرح السيسي مرتين بأنه سيستخدم القوة الغاشمة وأخذ البعض كلامه على أنه موجه لما يحدث في سيناء، لكن الأحداث أثبتت أن السيسي لم ولن يتردد في استخدام القوة الغاشمة في سيناء وغيرها؛ ضد الإرهاب وضد الأحزاب، في الحرب وفي السلم، وإن لم يكن هناك سلم أبدا تحت حكم الاستبداد والانقلاب.

لماذا خرج أبو الفتوح بهذه القوة الصادمة؟ وهل كان يتوقع أن يتعامل مع الانقلاب بالترحاب أو حتى بالصمت والتجاوز؛ على اعتبار أنه رئيس حزب سياسي رفض الانضمام لمعارضة النظام وفضل الاستمرار كجزء منه، وكان ينتظر أو يتوقع أن يعامل معاملة تفضيلية تقديرا لموقفه؟

في تقديري المتواضع أن أبو الفتوح متسق مع ذاته وأفكاره التي نشأ وتربى عليها، وحاول طيلة حياته الدفاع عنها، وأولى هذه الأفكار فكرة الجرأة في مواجهة الاستبداد دون مواربة أو تلطيف أو تخفيف، وثانيها أنه يدرك كلفة ومغبة ما يقوم به ومستعد بدرجة كبيرة لتحمل ذلك. ولكن السؤال: هل ما قام به أبو الفتوح من النيل من النظام وفضحه على رؤوس الأشهاد عبر أقوى منبر إعلامي في الوقت الراهن؛ سيكون له ردة فعل إيجابية على نظام كهذا؟

الإجابة نعم إلى حد ما، ولكن ليس بسبب ما قام به أبو الفتوح، وإنما بسبب تسارع الأحداث والمفاجآت منذ كانون الأول/ ديسمبر 2017 حتى اليوم، ولربما لشهور قادمة. وهنا دعونا نتحدث عن السياق الذي جاءت فيه تصريحات أبو الفتوح التي أحدثت وستحدث ضجيجا كبيرا في الواقع المصري، اليوم وغدا. وفي هذا السياق دعونا نتذكر أن الأسابيع القليلة الماضية على خروج أبو الفتوح تضمنت الإطاحة بالفريق أحمد شفيق الذي أعلن عن ترشحه عبر قناة الجزيرة. وهو - بالمناسبة - كان مثله مثل أبو الفتوح مرشحا رئاسيا في عام 2012، ثم جاء إعلان الفريق سامي عنان للترشح ضد السيسي، وهو أيضا كان قد أعلن عن ترشحه في انتخابات الرئاسة، ولكن في عام 2014، وتم إقصاؤه وسجنه وعرضه على المحاكمة العسكرية في 2018، وفي انتظار قرارها. في نفس السياق، أخرج العقيد الدكتور مهندس أحمد قنصوه من السباق الانتخابي 2018، وأدخل إلى السجن الحربي بعد الحكم عليه أمام محكمة عسكرية.

وفي ذات نفس السياق، أخرج خالد علي، وهو مرشح سابق في انتخابات 2012 ومرشح لانتخابات 2018، من السباق الانتخابي، أو فك ارتباطه به خشية السجن والاعتقال والإهانة. ثم جاء قرار اعتقال المستشار هشام جنينة، أحد أعضاء الفريق الرئاسي للمرشح المحتمل سابقا والمعتقل حاليا، سامي عنان، وتحويله للمحاكمة العسكرية. ثم كان قرار أبو الفتوح بالخروج عن صمته، وإعلان تمرده على النظام الذي اعترف بشرعيته وعاش تحت حكمه لخمس سنوات قبل أن يتم إلقاء القبض عليه، وفي الطريق لإلغاء نشاط حزبه أو حظره.

السياق السابق يوضح أن الحالة المصرية بواقعها المر والمظلم قد تُذهب العقول والأفهام، وقد تدفع البعض ممن لم يعرف لهم نشاط سياسي للصراخ والتعبير بقوة كما فعل المستشار جنينة، أو تدفع أحد أركان النظام الذي تم خلع رئيسه في ثورة يناير إلى الغضب والرغبة في فعل شيء؛ تجاه التفريط في الأرض والمياه، فما بالك بعبد المنعم أبو الفتوح؟!

هذا السياق هو سياق طبيعي، وسوف يستمر رغم بطش النظام واستمراره دون توقف في البطش.. دون مراجعة أو توقف لحظي لتقدير مآلات الأمور. وهذا السياق هو سياق تاريخي أيضا، فالمستبدون عبر التاريخ مروا بهكذا مراحل من البطش والقوة الغاشمة والقتل والتفرد بالحكم، لدرجة أنهم عادة ما يقومون بإقصاء مؤيديهم ومناصريهم. وهذا ما حدث وما يحدث مع السيسي اليوم، وسوف يستمر لبعض الوقت قبل أنه تأتيه الضربة التي لا يتوقعها، والتي لا نعرف من أين ولا كيف؛ لأن السياقات التاريخية متشابهة في النتائج وإن اختلفت في المسارات. فمثلا، لو نظرت إلى نهاية الرئيس الروماني المستبد شاوشيسكو ستدرك أن قرار تصفيته وقتله لم يكن بيد الثوار أو المتظاهرين الذين خرجوا عليه، بل بيد بقية من رجال شاوشيسمو الذين أدركوا أنه لا بد من قتله لامتصاص غضب الجماهير ولدفن أسرار الدولة العميقة معه.

ولو نظرت إلى نهاية علي عبد الله صالح الذي نال الدعم السعودي الكامل في مواجهة ثورة شعبه، وتحالف مع الحوثيين الذين فوجئ العالم بأنهم قاموا بتصفيته قبل أن يهرب مجددا إلى السعودية التي حاربته لأنه شق عصا الطاعة وانحاز للحوثيين!!

ولو عدت إلى نهاية الرئيس العراقي صدام حسين، فستجد أن من سلموه للمشنقة هم الأمريكان الذين كان حليفهم لسنوات، وأن من دعموا الغزو الأمريكي لبلاده في 2003 هم إخوانه حكام الخليج الذين ناصروه يوما ما ضد ايران، ثم تآمروا على عزله ولم يذرفوا دمعة على شنقه على يد الشيعة؛ أنصار ايران وحوارييها في المنطقة.

النهاية الوحيدة هي الموت ولكن كيف؟ هذا هو الشيء المختلف، والذي قد يتوقعه البعض أو لا يتوقعه أحد على الإطلاق، فانسداد الحياة السياسية بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي هو أمر طبيعي كان يجب على من توقعوا خيرا من الانقلاب أن يدركوه، ولكنهم لم يفعلوا، والآن فقط فعلوا، وهذا خبر جيد وإن جاء متأخرا.

فماذا بعد؟... توقع النتيجة ولكن لا تتوقع الطريقة.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 ثم ماذا بعد؟

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7