الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2018
 
الأربعاء 21 فبراير 2018

جمال سلطان يكتب: حكاية الغاز المستورد من "إسرائيل"
القضية الأكثر إثارة خلال الساعات الماضية هو خبر قيام شركة مصرية باستيراد الغاز من "إسرائيل" في صفقة ضخمة قدرت بحوالي خمسة عشر مليار دولار ، وزاد الأمر إثارة الاحتفالات الكبيرة التي نشرها الإعلام الإسرائيلي ، ورئيس الوزراء شخصيا ، بنيامين نتانياهو ، والذي اعتبرها نصرا كبيرا له ، وقال أنها ستساهم في دعم مجالات الصحة والتعليم ورفاهية المجتمع الإسرائيلي ، وهو ما أوجع الناس هنا ، لأن هذه المجالات هي تحديدا أهم ما يعاني من فقدها المصريون ، وقد قوبل الخبر الصاعق بصمت كامل من قبل المسئولين في مصر ، قبل أن تبدأ بعض الكلمات تتسلل على خجل عبر الإعلام الرسمي أو الموالي لتوضح أمورا لم تقنع أحدا حتى الآن .
في تلك الواقعة ، كما في غيرها ، يتضخم الحدث بسبب تردد المسئولين في الدولة عن الظهور والحديث للرأي العام وإطلاعه على الحقيقة ، على الأقل من وجهة نظرهم ، وعندما يغيب رأي الدولة وصوتها تتسع دائرة الشكوك والإشاعات والافتراضات ، وهذا ما حدث ، وهو ما كنا نحذر منه دائما ، غياب الشفافية والمعلومات الكاملة في وقتها وعلى وجه السرعة يصنع الفراغ الذي تعاني منه الحكومة نفسها بعد ذلك .
التساؤل الأساس كان عن سبب استيراد هذه الكميات الضخمة من الغاز "الإسرائيلي" الذي يتردد أنها سطت فيه على حقوق لبنان والفلسطينيين في غاز البحر المتوسط ، في الوقت الذي افتتح فيه رئيس الجمهورية قبل أسابيع قليلة حقل غاز ضخم في المتوسط "حقل ضهر" وقال أنه سيحدث نقلة كبيرة ، وطرحت الأرقام المذهلة لإنتاجه ، فلماذا نوقع عقودا لمدة عشر سنوات تقريبا لاستيراد الغاز من "إسرائيل" أو غير "إسرائيل" ، وإن كان استيراده من "الكيان" تحديدا أشد إيلاما لعبء التاريخ والدم ، كما أن مصر كانت حتى سنوات قليلة مضت تصدر هي الغاز إلى "إسرائيل" وتلك قضية حسين سالم الأساسية ، فما الذي حدث خلال ست سنوات لكي تنقلب الآية .
الرواية الرسمية خرجت ـ بعد زمن ـ لكي تقول أن المستورد ليست الحكومة ، والحكومة ليس لها صلة بالاتفاق ، وإنما المستورد شركة خاصة ، كما أن الغاز ليس مستوردا لمصر ، وإنما لإجراء عملية تسييل له ، حيث تملك مصر بنية أساسية كبيرة في هذا المجال ، ثم يعاد تصديره إلى أوربا ، وهذا الكلام يبدو أنه لم يقنع الناس كثيرا ، لأنه لا تجرؤ شركة مصرية خاصة مهما عظم شأنها على إبرام مثل هذه الاتفاقية الضخمة ، وفي مجال الغاز تحديدا ، ومع إسرائيل بشكل خاص ، دون ترتيبات "حكومية" صارمة وتصريحات معقدة ، كما أن الشركة الخاصة لا تملك مصانع تسييل الغاز ، وإنما تملكها الحكومة ، فعلى أي أساس قامت الشركة بإبرام العقد إلا إذا كانت هناك ترتيبات مسبقة مع الحكومة ، ثم إذا كانت الصفقة ضخمة بهذا الحجم وغير مألوفة في الاقتصاد المصري على الإطلاق للقطاع الخاص ، فلماذا لم تدخلها الحكومة نفسها طالما أنها مربحة وأنها هي التي تملك قدرات التسييل وإمكانياته .
المعلومات الفنية متناقضة جدا ، بين بيانات مصادر مسئولة تنشر في الإعلام الرسمي ، وبين توضيحات شخصيات علمية أو تقنية تنشر في الإعلام الدولي أو المستقل ، والحقيقة ضائعة ، وتردد المسئول يزيد الهوة ويزيد الجدل ، والناس تسأل ـ بحق ـ إذا كان رئيس وزراء "إسرائيل" يخرج بنفسه ويتحدث عن الصفقة ويزف خبرها لشعبه ، فلماذا لا يخرج رئيس الوزراء المصري ليحدث الناس عنها ، أو على الأقل وزير البترول ، ولماذا لا يعقد مؤتمرا صحفيا ، هل الأمر لا يستحق إلى هذه الدرجة ، أو أن الرأي العام ليس مهما إلى هذا الحد ؟! .

 
 
   Bookmark and Share      
  
  حكاية الغاز المستورد من "إسرائيل"

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7