الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2018
 
الأربعاء 21 فبراير 2018

تامر أبو عرب يكتب: صفقة الغاز.. أو كيف أنقذت مصر رقبة نتنياهو!
“أرحب بهذه الاتفاقية التاريخية التي تم الإعلان عنها للتو والتي تقضي بتصدير غاز طبيعي إسرائيلي إلى مصر. هذه الاتفاقية ستدخل المليارات إلى خزينة الدولة وستصرف هذه الأموال لاحقا على التعليم والخدمات الصحية والرفاهية لمصلحة المواطنين الإسرائيليين” هذا ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهو يعلن عن صفقة قياسية لبيع الغاز الإسرائيلي إلى مصر واصفا اليوم بأنه “يوم عيد”.

لاحقا أعلنت مصادر حكومية أن الصفقة ليست بين الحكومتين، لكنها بين شركة مصرية تدعى دولفينوس، وبين شركتي ديليك ونوبل إينرجي الشريكتين في حقلي تمار ولوثيان البحريين الإسرائيليين للغاز، لكن شواهد كثيرة تشير إلى مباركة الحكومتين المصرية والإسرائيلية للصفقة أهمها إعلان نتنياهو نفسه عن العقد، وقيام مصر قبل أيام بتعديل القواعد التنظيمية للسماح للقطاع الخاص باستيراد الغاز، وقبلها تصريح سابق لرئيس الوزراء الحالي شريف إسماعيل في أكتوبر 2014 وقت أن كان وزيرا للبترول يؤكد خلاله أنه لن يتم استيراد أي قطرة غاز إلى بموافقة الدولة.

لكن الجدل الأكبر ثار حول الهدف الذي تستورد مصر الغاز من أجله، وما إذا كان لتغطية الاستهلاك المحلي أم للتصدير، وفي حين تأتي تصريحات لاقتصاديين مقربين من الحكومة بأن العقد نواة لتحويل مصر إلى مركز لتجارة الغاز المسال في الشرق الأوسط وأن مصر ستحقق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي قريبا، تغيب تماما التوضيحات الرسمية من جانب الحكومة أو حتى شركة دولفينوس التي لا تملك موقعا على الانترنت ولا تخرج عنها أي بيانات بخلاف تلك التي تأتي من الجانب الإسرائيلي.

ولفهم ما يحدث سنعود إلى الوراء قليلا، تحديدا إلى أواخر أكتوبر 2014 حين أعلنت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية عن توقيع خطاب نوايا بين “دلوفينوس” ومجموعة الشركات العاملة بحقل تامار الإسرائيلى لاستيراد الغاز، ما يعني أن الفكرة أقدم من اكتشاف حقل “ظهر” وأحاديث الاكتفاء الذاتي من الغاز. بعدها وتحديدا في 25 نوفمبر 2015 أصدر شركاء فى حقل لوثيان بيانا عن توقيع اتفاقية مع “دولفينوس” لتوريد 4 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعى سنويًا إلى مصر لفترة تصل إلى 15 عاما، مع العلم أن إنتاج “لوثيان” سيبدأ عام 2020، كما لن يكون حقل “تامار” قادرا على التصدير قبل نهاية 2021.



هذا يعني أن المفاوضات على الاستيراد بدأت قبل اكتشافات الغاز الجديدة في مصر وكان هدفها وقتها تغطية احتياجات السوق المحلية من الغاز، لكن خطة الاستيراد استمرت والتوقيع قد تم بعد الاكتشافات، وبينما تؤكد المصادر شبه الحكومية أن الغاز القادم لإسرائيل سيجري تصديره بعد تسييله وهو ما يشي به الواقع أيضا في ظل اقتراب مصر من تحقيق الاكتفاء الذاتي، قالت “ديليك” في بيانها الذي نشرته وكالة رويترز إن دولفينوس تخطط لتوريد الغاز المستورد إلى مستهلكين صناعيين وتجاريين كبار في مصر، وهذا يعني تسويق الغاز الإسرائيلي محليا وليس تصديره، وهو ما يؤكده أيضا الخبير الاقتصادي إبراهيم نوار، حيث كشف عن أن “ضخ الغاز من خطوط الأنابيب إلى معامل التسييل ثم شحنه في ناقلات إلى أوروبا سيجعل سعر الغاز غير منافس على الإطلاق، فعملية تسييل ونقل الغاز تتكلف تقريبا 2 دولار للمليون وحدة حرارية وهذا يجعل الحد الأدنى لسعر التصدير في حدود 7 إلى 7.5 دولار للمليون وحدة حرارية، ونظرا لأن سعر الغاز الروسي المنافس في أوروبا يبلغ 5 دولارات فإن فرصة دولفين الوحيدة ستكون تسويق الغاز داخل السوق المصرية”.

يطرح ذلك السؤال مجددا حول تحقيق مصر الاكتفاء الذاتي من الغاز وامتلاكها فائضا للتصدير، والذي بشر وزير البترول طارق الملا بحدوثه بنهاية العام الجاري، لأنه على ما يبدو هناك مبالغات كبيرة تجافي الواقع، وتجافي حتى تصريحات سابقة لـ”الملا” نفسه أمام مجلس النواب، عندما قال إن إنتاج حقل ظهر من الغاز ليس كنزاً كما يعتبره البعض، وأن مصر تحتاج 3 حقول مثله، خاصة مع نضوب عدد من حقول الغاز الحالية.

وهناك خلط متعمد بين “الاكتفاء الذاتي” و”وقف الاستيراد”، فمعنى الاكتفاء الذاتي أن تكفي حصة مصر من إنتاج حقول الغاز احتياجات السوق المحلية، لكن ما يحدث بنهاية العام الحالي هو “وقف للاستيراد” لأن حاصل جمع الحصة المصرية مضافا إليه حصة الشريك الأجنبي سيكفي احتياجات السوق المحلية الحالية، لذلك ستحتاج مصر لدفع ملايين الدولارات شهريا إلى شركائها الأجانب من أجل شراء حصصهم.

كذلك ما يكفي مصر لتحقيق الاكتفاء الذاتي اليوم لن يكفيها غدا، فمع دخول مصانع ومشروعات جديدة الخدمة، ومع توصيل الغاز لكل مستفيد جديد تزداد الكمية التي تحتاجها مصر لتحقيق هذا الاكتفاء، لذلك يعتبر خبراء الطاقة أن تعجل مصر في تصدير ما تعتبره فائضا لديها “جريمة”، لا تختلف عن الجريمة التي ارتكبها النظام السابق في 2005 عندما قرر تصدير الغاز عن طريق “شركة خاصة” أيضا إلى إسرائيل، قبل أن تحتاج مصر للاستيراد بعدها بسنوات قليلة لتلبية احتياجاتها المحلية فقط.

من المستفيد من الصفقة إذن؟



تبدو إسرائيل الفائز الأكبر، لا يبدو ذلك فقط في احتفال نتنياهو المبالغ فيه واستعجاله الكشف عن العقد قبل أي طرف في مصر، لكن بالنظر إلى أن اكتشافات الغاز الأخيرة التي أعلنت عنها إسرائيل مؤخرا لم تكن تجد “زبائن”، إذ يمنعها التاريخ من تصدير غازها لجيرانها العرب، وتمنعها الجغرافيا من توصيل غازها إلى أوروبا، ولذلك كانت بحاجة ماسة إلى مصر، خصوصا أن التصدير إليها لن يكلفها شيئا بحكم وجود خط أنابيب قائم فعلا كان يتم استخدامه في تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل سابقا، ولن يجعلها مضطرة لإقامة مصانع إسالة تكلفها عشرات المليارات وتقلل مكاسبها من عملية التصدير.

ويكفي للكشف عن الأزمة التي كانت تعانيها إسرائيل في تسويق غازها ما حدث في مارس من العام الماضي حين رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية الاتفاق الموقع بين الحكومة وكونسورتيوم، لاستثمار احتياطي الغاز في المتوسط والذي كان يطمح نتنياهو من خلاله في تحويل إسرائيل إلى مصدّر للغاز الطبيعي بسبب بند “غير مقبول” في العقد، وقتها قال نتنياهو أمام المحكمة: “الاتفاق الحالي لا بديل عنه، وعدم الموافقة عليه سيؤدي إلى تداعيات سلبية على البلاد”، وتعهد رئيس الوزراء بإيجاد طرق أخرى للتغلب على الضرر الشديد الذي سيتسبب به هذا القرار للاقتصاد الإسرائيلي.

بعدها شهدت أسهم شركات الغاز الإسرائيلية على مدى الشهور الماضية ضعفا كبيرا أرجعه تافي روسنر المحلل المالي لدى “باركليز” إلى “شكوك المستثمرين في إمكانية إبرام صفقات لتصدير الغاز”، لكنه عاد وأكد أن “إعلان الصفقة بين إسرائيل ومصر سيمهد الطريق أمام إعادة تقييم الأسهم”، حيث زاد سهم ديليك للحفر 23 في المئة بعد ساعات من تصريحات نتنياهو، بينما ارتفع سهم مجموعة ديليك 19 في المئة.

بخلاف ذلك كله سيسهم شراء مصر الغاز الإسرائيلي القادم من مياه المتوسط في إقرار أمر واقع بملكية إسرائيل لهذه الآبار التي كانت محل تنازع مع مصر نفسها حتى سنوات قليلة مضت، فبعد الإعلان الأول عن استيراد دولفينوس الغاز الإسرائيلي من آبار المتوسط حدثت عاصفة من الرفض في مصر، حتى أن جريدة اليوم السابع المقربة من السلطة نشرت تحقيقا على صفحة كاملة بعنوان: ” بالوثائق والخرائط والأسانيد العلمية والتاريخية.. إسرائيل تسرق الغاز المصرى فى البحر المتوسط“، واستنكرت الصحيفة عبر مدير تحريرها عادل السنهوري تهاون الحكومة في هذا الملف والقبول بشراء غاز سرقته إسرائيل من مصر ثم أعادت تصديرها إليها وبأسعار عالية. تغير الوضع الآن لتنشر الصحيفة نفسها تصريحات عن أهمية هذه الصفقة وتحويلها مصر إلى مركز إقليمي للطاقة!

أما المستفيد الثاني فهو شركة دولفينوس التي يملكها علاء عرفة نجل اللواء طيار أحمد عرفة، والذي تربطه بإسرائيل أصلا علاقات واستثمارات وثيقة عبر بوابة “الكويز”

“عرفة” المولود بالإسكندرية في 21 نوفمبر 1958، والحاصل على كلية الطب بجامعة عين شمس، يملك استثمارات كثيرة في مجال الملابس، لكنه على ما يبدو يطمح في وراثة امبراطورية حسين سالم التي هوت بعد ثورة يناير، وفي حالة إتمام هذه الصفقة سيتم تدشينه كاسم جديد في عالم الطاقة، وسيضمن له علاقات أكثر تشابكا وقوة مع إسرائيل.

في حين تأتي مصانع إسالة الغاز في دمياط وإدكو مستفيدا ثالثا بحكم توقفها لسنوات عن العمل منذ توقف تصدير الغاز المصري عام 2012، حيث تملك مصر 48% من مصنع دمياط ويملك الشركاء الإسبان «يونيون فينوسا» و«سى جاس» 52%، أما مصنع إدكو فتملكه شركة شل الهولندية بعدما اشترته مؤخرا من شركة جي بي البريطانية، حيث كان الشركاء في طريقهم لشكوى مصر أمام التحكيم الدولي بسبب توقف ضخ الغاز إلى المصنعين قبل أن تنجح مفاوضات الحكومة في إثنائهم عن تلك الخطوة، مع وعد بإعادة تشغيل المصنعين بحلول 2020/2021.

والمفارقة أن “بي جي” نفسها كانت قد دخلت بنفسها في مفاوضات مع الشركة الإسرائيلية المسؤولة عن حقل لوثيان أيضا خلال الشهور الماضية لاستيراد الغاز الإسرائيلي وتشغيل مصنع الإسالة ووصلت المفاوضات لمراحل متقدمة لتخرج من مأزق توقف العمل بالمصنع ولتخرج إسرائيل أيضا من مأزق الفشل في تسويق الانتاج قبل أن يتوقف الحديث عن المفاوضات فجأة وينتهي الأمر بتوقيع الاتفاق بين دولفينوس والشركة الإسرائيلية!

 
 
   Bookmark and Share      
  
  صفقة الغاز.. أو كيف أنقذت مصر رقبة نتنياهو!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7