الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2018
 
الثلاثاء 30 يناير 2018

جمال سلطان يكتب: لا تورطوا دار الإفتاء في الضلال السياسي
أفزعني ما تداولته الصحف أمس عن فتوى من دار الإفتاء المصرية تتعلق بالانتخابات الرئاسية المقبلة ، وتوقفت طويلا عند وصف الفتوى من يقاطع الانتخابات أو يمتنع عن الإدلاء بصوته أنه آثم شرعا ، ولا أعرف من أين أتت دار الإفتاء بهذا الهراء ، ومن الذي أدخلها في هذا "المستنقع" البغيض ، وقد حدث اليوم أن اجتمعت ثمانية أحزاب مصرية وقررت في مؤتمر صحفي مقاطعة الانتخابات والامتناع عن التصويت ، فهل هذه الأحزاب المصرية الثمانية ارتكبت حراما دينيا وكل أعضائها آثمون لأنهم أجرموا في حق دين الإسلام عندما قرروا مقاطعة الانتخابات ، وهل بشرطة قلم قررت دار الإفتاء أن عشرات الملايين من المواطنين المصريين أصبحوا آثمين شرعا ومجرمين في حق ملة الإسلام لأنهم لم يذهبوا إلى انتخابات غير مقتنعين بها أو يرون أنها تحصيل حاصل ، وقد حدث ذلك في السابق ويحدث هذا العام وسيحدث في السنوات المقبلة ، مع الرئيس السابق ومع الرئيس الحالي ومع الرئيس المقبل ، أيا كان ، وفي مصر وكل دول العالم ، حتى في أعرق الديمقراطيات الغربية ، هناك دائما خيار المقاطعة والامتناع عن التصويت ، باعتباره حقا دستوريا وحقا إنسانيا ، ولا يجوز لأحد أن يملي على أحد إرادته إذا كان غير مقتنع بها ، والناس أحرار فيما يختارون ، ولا وصاية لأحد على ضميرهم الوطني ، وعلى تقديراتهم لمصالح وطنهم ، حتى لو كانت الوصاية من مقام مفتي الجمهورية أو حتى فضيلة شيخ الأزهر ، فالاختيار السياسي وحريته حق كفله القانون والدستور ، ومفتي الجمهورية عندما يصادر هذا الحق فإنه يعتدي على الدستور وعلى القانون .
ولطالما حذرتنا نصوص القرآن الكريم من الاندفاع في فتنة التحريم والتحليل والتي يضل فيها كثيرون مع الأسف ، وفي النص القرآني الخالد : (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ، متاع قليل ولهم عذاب أليم) ، والتعقيب الإلهي على هذه الورطة التي جعلها القرآن من آثار الجاهلية الأولى (متاع قليل ..) تحمل إشارة إلى كثرة الارتزاق بهذه "اللعبة" وبيع دين الله والفتوى بمتاع قليل من الدنيا ، وهو تحذير خطير جدير بمؤسساتنا الدينية أن تضعه نصب عينها ، وان تحافظ على سمعتها وعلى الدين الذي تتصدر للناس باسمه ، فلا تهينه ، ولا تجرئ الناس عليه ، ولا تدفع الشباب المحبط سياسيا إلى "الكفر" بالدين نفسه والعياذ بالله ، من فرط ما يرونه من توظيف الدين لخدمة الحكام ، وعلى دار الإفتاء أن تراجع التقارير العلمية التي تشير إلى انتشار الإلحاد واتساع نطاقه في السنوات الأخيرة ، وأن تدرس أسبابه ، وأن تعمل على إرضاء الله وضميرها الإنساني والديني والوطني .
كما أن السلطات السياسية والأجهزة المعنية مطالبة هي الأخرى برفع يدها عن دار الإفتاء والمؤسسات الدينية الرسمية ، وأن لا ترهقها وترهق القائمين عليها بطلب دعمها ومساندتها باستمرار للقرار السياسي الرسمي ، فهذا ـ وإن بدا مفيدا لها في المدى القصير ـ مضر جدا بالوطن نفسه ، ومضر بأمن مصر القومي على المدى الطويل ، لأنه يهدر حرمة تلك المؤسسات الدينية وصدقيتها ويضعف القبول بها كمرجعية دينية يتقبلها الناس عند الخلاف ، وهذا ما يصنع فراغا دينيا تتمدد فيه الجماعات المتطرفة والإرهابية مما يساعد على انتشار التشدد والإرهاب والفوضى الدينية .
المؤسسات الدينية الرسمية ملك للدولة وليس للحكومة أو السلطة القائمة ، هي ملك للوطن كله ، وينبغي أن تبقى بعيدا عن بحر السياسة ووحلها ، فهي ليست طرفا في الخلاف السياسي القائم في مصر الآن ، ولا يصح أن تتورط فيه ، ولا يجوز أن توظف الدين توظيفا سياسيا لدعم فريق ضد فريق ، وعليها أن تنشغل بما ينفع الناس ويرضي رب الناس .

 
 
   Bookmark and Share      
  
  لا تورطوا دار الإفتاء في الضلال السياسي

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7