الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2018
 
الأحد 7 يناير 2018
New Page 1

عبدالناصر سلامة يكتب: أنقذوا ما تبقى من مصر قبل فوات الأوان
انتحار شاب من شرفة منزله بالطابق الخامس فى مصر الجديدة، سيدة تنتحر بإشعال النار فى نفسها لمرورها بأزمة نفسية بالمحلة، انتحار موظف سنترال شنقاً بقرية كفر كلا الباب التابعة لمركز السنطة بالغربية، انتحار عريس الحوامدية بعد شهرين من زواجه، انتحار فتاة بإلقاء نفسها فى النيل من معدية بالأقصر، فتاة تتخلص من حياتها حرقاً بالدقى، عجوز تلقى بنفسها من الطابق الرابع بأحد المستشفيات بالعجوزة، انتحار سائق شنقاً بمركز كرداسة، انتحار مريض من الدور العاشر بمستشفى الأورام بالمنصورة، انتحار شاب ألقى بنفسه فى النيل بإمبابة، انتحار شاب بنهر النيل فى البدرشين، انتحار شاب شنقا داخل منزله بكفر البسطويسى فى المحلة، انتحار شاب عقب تناوله ٣ أقراص من الحبة القاتلة بالمنوفية، انتحار شاب بقرية ميت طريف بالدقهلية لمروره بأزمة نفسية، انتحار شاب بسبب تعاطى المخدرات فى سوهاج، انتحار شاب لمعاناته من الوحدة بحى المنتزه بالإسكندرية.

لنا أن نتخيل أن هذه العناوين أصبحت اعتيادية بصفة يومية بالصحف والمواقع الإخبارية، لم نعد نتوقف أمامها، لم تنتفض لها الدولة، لم تعقد المراكز البحثية مؤتمرات مفتوحة للوقوف على أسباب الظاهرة والبحث فى علاجها، لم يهتز المجتمع، لم توقف التشدق بالإنجازات الأسمنتية، ولم تسترع انتباه الكتائب الإلكترونية، لم تفرد لها الصحف صفحات وملفات، لم تخصص لها برامج الردح الليلية ساعات وساعات، لم تتضمنها الخطب الورقية لوزارة الأوقاف، لم يرِد ذكرها على ألسنة المسؤولين، لم يتوقف أمامها برلمان المرحلة، لم نجد لها مكاناً فى اجتماعات الحكومة، كأن لسان الحال يقول: (مع السلامة والقلب داعى لكم، البلد مش ناقصة، لدينا الكثير)!!

أعتقد أن أى بحث علمى حول الظاهرة سوف يجد أن أسبابها لن تخرج عن الثلاثى: «الفقر، والبطالة، والمرض»، أى بحث جنائى سوف يعلن أن أكثر من ٩٠٪ من المنتحرين هم من الشباب العاطل الفقير المهزوم نفسياً واجتماعياً، أى بحث دينى سوف يكتشف أن الإيمان بالله قد توارى خلف ظاهرة الإلحاد ومحاولات طمس الهوية الدينية، أى بحث اجتماعى سوف يؤكد أن الأمراض النفسية أصبحت الأكثر شيوعاً، وسط ندرة المصحات المتخصصة فى هذا الشأن، وارتفاع أسعار العلاج بشكل عام، أى بحث على أرض الواقع سوف يكشف عن فاجعة، وهى أن الناس لم تعد مقبلة على الحياة، نتيجة تلك القسوة المعيشية من كل الوجوه.

شاهدت فيديو لأحد المواقع الإخبارية من إحدى الأسواق الشعبية، يسأل المذيع إحدى السيدات ربات البيوت عن أملها فى العام الجديد، فكانت الإجابة الصادمة: (يا رب القيامة تقوم)، هكذا بكل بساطة أجابت تلك السيدة البسيطة، التى مازالت تؤمن بالله، فلم تفكر فى الانتحار، إلا أنها تتمنى أن تكون النهاية سريعة من عند الله.. خلال السنوات الأخيرة طالعتنا أنباء عديدة عن آباء قتلوا أبناءهم ثم أقدموا على الانتحار بعد أن يئسوا من انتظار حياة أفضل، طالعتنا الأنباء العديدة عن أمهات باعوا ضناهم فى مواجهة ضنك الحياة.

لا نتحدث هنا عن ظاهرة ارتفاع نسبة العنوسة، ولا ظاهرة ارتفاع نسبة الطلاق، ولا ظاهرة التشرد، ولا التسول، ولا الجريمة، ولا حتى الهجرة، ولا عمل المؤهلين علمياً فى أشغال متدنية، فقط نتوقف أمام هؤلاء الذين قرروا التخلص من حياتهم، هؤلاء الذين أقدموا على هذه الفعلة الشنعاء رغم علمهم بأنها تُعد كفراً بالله، ما بالنا إذا لم تكن كذلك، ما بالنا إذا كانت حقاً مشروعاً، أعتقد أن الأمر سوف يكون مختلفاً، وهو ما يجعلنا ندق ناقوس الخطر، ذلك أن اليأس من الحياة يمكن أن يودى بصاحبه إلى أى مستنقع، حتى لو كان الإرهاب، حتى لو كان الإدمان، حتى لو كان أى تجارة غير مشروعة.

عدد حالات الانتحار سنوياً فى مصر غير دقيق، بعضها يتحدث عن متوسط ٢٥٠٠ حالة، والبعض الآخر يتحدث عن متوسط ٤٠٠٠ حالة، مع الأخذ فى الاعتبار أن العدد الأكبر من المنتحرين لا يتم التبليغ به، البعض يعتبره عاراً على الأسرة، والبعض الآخر يتحاشى عملية التشريح وسين وجيم والإجراءات الجنائية عموماً، إلا أن الأمر فى كل الأحوال فى حاجة إلى إعادة نظر، فى حاجة إلى اهتمام على كل الأصعدة، لم يعد مقبولاً وجود شباب بدون عمل بعد التخرج لمدة عشر سنوات أو أكثر، أو ربما إلى ما لا نهاية، لم يعد مقبولاً وجود مريض لا يستطيع الإنفاق على علاجه، كما لم تعد تلك الأجور المتدنية مقبولة هى الأخرى فى ظل هذا الارتفاع المستمر للأسعار.

هى دعوة لإنقاذ شباب الأمة المصرية، الذين أصبحوا رهناً ما بين حوادث الطرق وأحداث الإرهاب والأمراض المزمنة، ثم جاءت كارثة الانتحار هى الأخرى لتقضى على البقية الباقية، فى الوقت الذى نتشدق فيه بإنجازات لا تسمن ولا تغنى من جوع، ذلك الجوع الذى كان يجب أن يشكل أولوية حقيقية فى حياتنا قبل أى شىء آخر، ذلك الجوع الذى لا يرحم، وإذا كان الشباب لم يستطع الصبر على الجوع فما بالنا بالأطفال!، وإذا كان الشباب لم يستطع الصبر على المرض فما بالنا بالعجزة والشياب!، وإذا كان الشباب لم يستطع الصبر على الفقر فماذا تفعل النساء؟!، ربما يجيب عن السؤال حجم قضايا الدعارة فى الآونة الأخيرة، حجم قضايا الكليبات الخادشة للحياء، حجم الانحلال الأخلاقى بشكل عام.. أنقذوا ما تبقى من مصر قبل فوات الأوان، قبل أن نفاجأ بأننا جميعاً نردد دعاء سيدة السوق: (يا رب القيامة تقوم).

 
 
   Bookmark and Share      
  
 أنقذوا ما تبقى من مصر قبل فوات الأوان

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7