الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2017
 
الأحد 8 أكتوبر 2017

عبدالله الصباغ يكتب: السلطة المصرية الحاكمة التي أصابها الجنون!
لعل أبرز خسائر كل المصريين من انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 هو "قويدة" المجتمع بقيد الأمن ولسنين طويلة قادمة و"وضع قيود الديكتاتورية المتسلطة" التي كسرت في بنية الدولة المصرية بمنتهى العنف والغشم الناتج عن الضربات الهوجاء، وما يحدث الآن ليس عملية تقييد فصيل أو جماعة بعينها، بل "قويدة" جماعية لكل الشعب، بما في ذلك الأفراد والجماعات المؤيدة للنظام نفسه.
والأشد سوءاً في الأمر أن كافة مؤسسات الدولة والمجتمع المدني قد تعرضت خلال سنوات الانقلاب العسكري الجديد والحكم المتسلط المصاحب لديكتاتورية "الرجل الذي يشغل مقعد السلطة الأول" للتجريف والتخريب والإفساد العمدي.
ولهذا تأتي نتائج ممارسات مؤسسات الدولة المصرية حافلة بكافة التوضيحات عن النهاية التي سوف تؤول إليها أعمال السلطة المصرية الحالية، بعد سنوات من السير في طريق الديكتاتورية ذات الخلفية العسكرية والمرجعيات الدينية المهادنة للسلطة والطيّعة لها، سواء في الكنيسة المصرية الأرثوذكسية أو في مؤسسة الأزهر والهيئات الدينية المنبثقة عن النظام، وهي التركيبة التي جعلت من مصر "دولة فاقدة الرشد" بقيادة سلطة عسكرية أمنية مستبدة.
ووفق تصريح سابق للرئيس "عبد الفتاح السيسي " نفسه قال به، بعد عامين له في قيادة مؤسسة الرئاسة المصرية: فإن مصر أصبحت "شبه دولة "، وهو تعبير وإن كان غير موفق وغير دقيق ويحتوي على خلط بين السلطة الحاكمة وبين الدولة ذاتها، فإن مصر "العريقة" دولة (تمتلك إمكانات الدولة الإمبراطورية) ولكن هذا التصريح يكشف ما أصبح واقعاً في عهد "السيسي" وأن مصر الدولة التاريخية أصبح ما لديها: "شبه سلطة رئاسية" و"شبه برلمان" و"شبه حكومة" و"شبه سلطة قضائية" بموجب وضع مفروض يختزل كل هذه السلطات في شخص ومكتب رئيس الجمهورية، وهيمنة للمؤسسة العسكرية وأدواتها المخابراتية وتحكم المؤسسة العسكرية والشركات المنبثقة عنها في أغلب الأنشطة الاقتصادية في الدولة.
والوضع الآن في مصر، أصبح الظاهر، فيه وكأن هناك نظاماً مستقراً للحكم، يمارس فعل السلطة ولكن الواقع أن الموجود: مؤسسات حكم شكلية، في ظل وجود دستور لم يحترم من وضعوه ومن السلطة الخفية القوية.
وهذا الوضع "المائل للانقلاب" في أي وقت، يصبح استمراره فيه هدماً لكيان الدولة المصرية وسيخلق تنافراً شعبياً لا يمكن التئامه مستقبلاً، مهما بذلت الجهود المخلصة، وسيجعل الشعب المصري يبدأ طريق "التحرر الديمقراطي" من أوله وعليه أن يدفع فاتورة هدم الديكتاتورية ومكافحتها أضعافاً مضاعفة.
والحاصل أنه: بعد ثلاثة أعوام وثلاثة شهور من وجود "الرئيس السيسي" في قمة السلطة في مصر، فإن حصاد هذه الفترة من الحكم، قد أفقدت المصريين بعض ما كانوا قد حصلوا عليه من شبع ومن خدمات أساسية ومن حرية نسبية في عهد "الرئيس مبارك" الذي تم تدبير انقلاب عسكري ضده من قِبل المؤسسة العسكرية في 11 فبراير/شباط 2011 والذي يشعر الكثير من المصريين الآن بالأسى على الخسارة التي حدثت بعد مفارقة مبارك السلطة ودون أن يفارق السلطة، نفس الرجال ونفس الأساليب التي أوصلت مبارك إلى الحالة الديكتاتورية.
وفي تهور واضح ومقامرات سياسية يقوم نظام الحكم الحالي في مصر، في استمرار لجمهوريته "الملكية الشمولية العسكرية" في قتل واقتلاع شتلات أي نبتة يمكن زرعها لإنتاج الديمقراطية، ويقوم هذا النظام القمعي في نفس الوقت بتهميش قيمة النظم الديمقراطية، ويسلط كل أجهزة الدعاية السياسية لتعمل على تسفيه وتشويه التفاعل الديمقراطي في نظر الأغلبية من المواطنين.
وتقوم أجهزة العمل السري المتوارثة والمستمرة منذ بدء "الانقلاب الأول" في يوليو/تموز 1952 تقوم هذه الأجهزة السرية بهندسة أقلية مسيطرة، تتبنى خطاباً مؤداه أن المصريين ليسوا في حاجة إلى الديمقراطية الآن، وأن الديمقراطية قد تكون عاملاً قاتلاً للدولة المصرية.
وهذا الخطاب يعتمد على استمالة أغلبية من "المغفلين والمغيبين" مع جماعة المغرضين الانتهازيين، وهؤلاء يعملون على استمرار الرئيس الحالي في السلطة بأي شكل من الأشكال وحتى لو تطور الأمر إلى حد الحرب الأهلية وهدم كل كيان الدولة.
حل المأزق الحالي يستلزم أن تكون الديمقراطية واجبة، فهي العلاج المأمون الآثار الجانبية في الحياة الإنسانية والسياسية، خاصة وقد لجأ نظام "السيسي" إلى أساليب تم إنماؤها في مصر في فترة حكم الرئيس "جمال عبد الناصر" وفي الفترة التي اعتمد فيها "عبد الناصر" الأساليب السرية إلى أبعد مدى، وكان من ضمن هذه الأساليب السرية خلق علاقة تعاون هو ومجموعته في الحكم مع رجال من المخابرات المركزية الأميركية، وهي العلاقة التي بدأت مبكرة منذ ما قبل الانقلاب بعامين وقد بدأت في يناير/كانون الثاني 1950 وبلغت أوج ازدهارها في نوفمبر/تشرين الثاني 1954، وقد صارت الأساليب المخابراتية الأميركية المنماة في مصر من أجل "عسكر السلطة": جمال عبد الناصر ومجموعة الانقلابيين الأولى، هي قاعدة العمل التي لجأ إليها "الانقلابيون الجدد" الذين قادهم الفريق عبد الفتاح السيسي، وقد استمر هذا التأسيس الديكتاتوري فاعلاً مجدداً إلى الآن والرئيس السيسي يسعى لتجديد فترة رئاسته، ومن ثَم كان هذا النهج الديكتاتوري يستلزم رجالاً ذوي طبيعة خاصة، بحيث يكونون قادرين على الخداع بالنسبة للجماهير، وفي نفس الوقت، هم خدام طائعون من أجل "لقمة العيش المقدمة من الديكتاتور" المسيطر على هذا النظام الديكتاتوري الجديد، ولهذا وفي ظل هذا النظام الديكتاتوري فما خير الرئيس "السيسي" الذي هو ظاهر النظام وباطنه والأمثلة أكثر من الحصر، بين أشخاص ليكونوا مساعدين في إدارة الدولة إلا واختار الفاسد والأفسد من بين المتاح من بين الشخصيات التي تتولى العمل التنفيذي في السلطة.
وفي ظل هذا فقد دمرت الخميرة النقية من رجال العمل العام والتنفيذي ومن رجال القضاء ورجال الإدارة ورجال الصحافة والإعلام، ولم يبق إلى جانب النظام الحاكم إلا ما تطرحه وتربيه الأجهزة الأمنية وأجهزة المخابرات من "قطعان" مراعي الولاء للسلطة، وهؤلاء كانوا بالضرورة ذوي نقص أخلاقي ومهني، واعتمدوا في صعودهم على مساعدة الأجهزة التي تدعمهم، وكونهم جاهزين دائماً ليكونوا خدامين لكل من اعتلى السلطة، بينما يقوم النظام نفسه بملاحقة الشرفاء وترصدهم؛ ليسود الفسدة الخاضعون، وهي مرحلة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، فانتهاء النظام بالتدمير الذاتي أو بالثورة الشعبية وارد جداً في مثل هذا الوضع المتنامي في التأزم، والخاسر الأكبر من هذا الانفجار المتوقع بفعل سياسات النظام وأساليبه هم الأغلبية العددية من المصريين، وإلى جانب هؤلاء، فإن الخسارة ستشمل أيضاً "المغفلين" الذين قبلوا أن يتحايل عليهم النظام الذي فشل في أن يقدم لهم أساسيات الحياة الإنسانية، وظل يخادعهم بالدعاية المراوغة.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  السلطة المصرية الحاكمة التي أصابها الجنون!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7