الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2017
 
السبت 13 مايو 2017

محمد ناصر يكتب: متي يدخل الدين في السياسة؟
(لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة) هكذا نطقها الرئيس الراحل أنور السادات صوت وصورة، ولا أدري هل كان السادات فعلاً يعي معنى هذه الجملة، أم أنه نطق بها في لحظة من لحظات التجلي التي كانت تنتابه بين حين وآخر، ولكلمة السياسة العديد من التعريفات، ولكن بعض الباحثين يفرقون بين كلمة السياسة بالألف واللام، وكلمة سياسة بدونهما، فالأولى تعني فن ممارسة الحكم، أما الثانية فتشير إلى ما تصنعه الدولة من خطط وبرامج، فهناك سياسة مالية وسياسة اقتصادية إلخ، أما كلمة السياسة بالألف واللام فلها العديد من التعريفات، منها أنها فن الحكم، ومنها أنها الصراع على الحكم إلخ.

بصرف النظر عن هذه المدعكة الفلسفية في تعريف كلمة السياسة، فإن السادات اختار منهج نزع الدين من السياسة، فإذا جئنا إلى تعريف كلمة الدين فسوف ندخل في متاهات أخرى، لأن هناك ديانات سماوية وديانات أرضية، وكل تابع لديانة يعرفها بما يتفق وتعاليمه، وبما أني مسلم، والسادات كان مسلماً، فعلينا أن ننحاز صراحة إلى تعريف الدين بمنهج الإسلام، عرف العلماء المسلمون الدين على أنه التسليم لله، والانقياد له، ويرجع الشيخ القرضاوي أن كلمة الإسلام أوسع دائرة من كلمة الدين، ولهذا نقول إن الإسلام دين ودنيا، عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، وعلى ذلك فإن المسلم يجب ألا يفصل بين دينه وباقي المعاملات، لأن الإسلام عبادة ومعاملة، والسياسة هي فن معاملة الحكام للشعوب، فإذا أراد السادات ومن يتفق معه نزع الدين الإسلامي من السياسة فكأنما أصابه سوء فهم لمفهوم الدين الإسلامي كعبادة ومعاملة، ولا أعتقد أن السادات لم يكن يفهم الإسلام جيداً، وإنما أتصور أن السادات أراد أن يبرر قيامه بممارسات عنيفة تجاه خصومه يرفضها الدين الإسلامي.

السادات لم يأت بجديد فعبد الناصر قبله أيضاً فعل نفس الشيء، ومبارك من بعدهم، وكذلك السيسي، كل «الطغاة» العرب انتهجوا سياستين مع المجتمعات، إما أنهم نحّوا الإسلام جانباً كما ادعى السادات حتى لا يحتكموا إليه، وبالتالي يفعلون في الشعوب ما يريدون، ولا يجدون ما ينغص عليهم عيشتهم، واستعانوا في ذلك بمن يسمون رجال الفكر والثقافة والفن، وهؤلاء في العالم العربي لديهم موقف غامض من الإسلام، وأما المنهج الثاني فكان استخدام الإسلام في تبرير جرائمهم، وفي ذلك استخدموا المشايخ أمثال علي جمعة ومختار جمعة، وهؤلاء لديهم مهمتان: الأولى التعامل مع الحاكم على أنه المسلم النموذجي، وأمير المؤمنين، والمختار من رب العالمين.

والمهمة الثانية هي ليّ تفسير الآيات والأحاديث لجبر المجتمع على الخنوع ، وتحميل الشعوب المضطهدة مسؤولية تردي الأوضاع الاجتماعية، والمشاكل الاقتصادية، وأن الدنيا دار فناء، وأن الأخرى خير وأبقى، ومن هنا فإن الطغاة العرب أحرار ليس في اضطهاد الشعوب فقط، ولكن أيضاً في وضع أو نزع الإسلام من السياسة والمجتمع، فكما أن السادات نزع الدين من السياسة حينما كان يوجه حديثه للشيخ المحلاوي ورفاقه، إلا أنه لما وجه خطابه للبابا شنودة وضع الدين في السياسة حينما قال (إنني أترسم خطوات الخليفة عمر بن الخطاب)، وقال أيضاً (أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة) وهكذا يسمح الرئيس لنفسه بنزع السياسة من الدين أو إدخال الدين في السياسة طبقاً لهواه ورغباته، خطبة السادات الأخيرة كانت نهاية مرحلة السادات، ونهاية السادات نفسه، ولكنها لم تكن أبداً نهاية عهود طغاة العرب.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  متي يدخل الدين في السياسة؟

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7