الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2017
 
الإثنين 9 يناير 2017
New Page 1

جمال سلطان يكتب: عاصفة حوار «البرادعي»
الحدث الذي هيمن على الأجواء السياسية والإعلامية في مصر أمس هو ـ بامتياز ـ الحوار الذي بدأت في بثه قناة العربي اللندنية ، وكانت قد أعلنت عنه قبل عدة أسابيع ، فنشطت ردود فعل متشنجة في الداخل المصري وفي الإعلام الرسمي ، وحققت ـ كالعادة ـ خدمة كبيرة للحوار وللقناة ودعاية مجانية جعلت الجميع يرتقب هذا الحوار الذي أثار التوتر .
لم أدرك مشاهدة الحلقة على الهواء لانشغالات في العمل ، ورأيتها بعد ذلك على الانترنت ، وكانت أشبه بالمقدمة التاريخية عن تطورات الأحداث في مصر منذ تأسيس "الجمهورية" بحركة الضباط 1952 وحتى نهاية عصر السادات ، وليس في الحلقة جديد لافت أو ذو أهمية استثنائية أو يمثل مفاجأة ، فحديثه عن أخطاء عبد الناصر وخطورة حكم الفرد تكرر من غيره مرارا ، كما أن كون الاستبداد وهيمنة المكون العسكري على الحياة المدنية طوال فترة عبد الناصر كان سببا في كارثة النكسة ، أيضا كلام مكرر ، وكذلك الحديث عن انفراد السادات بقرار السفر إلى القدس وما أعقبه من استقالة وزير خارجيته الذي كان آخر من يعلم ، كل ذلك نشر من قبل عبر شهادات عديدة .
مع بدء بث حوار البرادعي نشطت حملة إعلامية عصبية للغاية في الفضائيات الرسمية والخاصة الموالية وفي الصحف والقنوات وحتى صفحات الانترنت المؤيدة للسلطة ، كلها تهاجم البرادعي وتتهمه في وطنيته وبعض الاتهامات وصلت لدركات شديدة التدني في الخصومة السياسية ، هذا على الرغم من أن الرجل لم يمس النظام الحالي بأي شيء في هذه الحلقة ، فما الذي هيج تلك الحملة إذن ، أعتقد أن ثمة سببين وراء الغضب ، الأول هو القلق من عودة ظهور البرادعي إعلاميا واشتباكه مع الأحداث السياسية ، ونظرا لتاريخ البرادعي في تفجير ثورة يناير وحضوره الدولي وكذلك كونه من الشخصيات العالمية الحائزة على نوبل للسلام ، فدائما حضوره يقلق من أن تكون عودته انعكاسا لحراك دولي جديد يتعلق بالداخل المصري ، وأيا كان هذا الظن صوابا أو خطأ أو حتى مبالغا فيه ، إلا أنك لا تخطئ ملاحظته في خلفيات ردود الفعل والمخاوف ، وكثيرا ما يقابلك السؤال : لماذا ظهر البرادعي الآن ؟ ، الأمر الثاني هو أن القناة صاحبة الحوار نشرت تقريرا صحفيا يذكر عددا من المحاور التي ستتناولها الحلقات ، وكان من بينها حلقة تتعلق بحكاية ما جرى في 30 يونيه وما بعدها ، حيث كان البرادعي شريكا أساسيا في الحدث كما كان نائبا لرئيس الجمهورية بعدها ، وهذا ما يعني أنه يمتلك معلومات موثقة عن الأحداث التي وقعت خلال تلك الفترة ، وبعضها كان دمويا ومروعا ، وبالتالي كان الهجوم المبكر عليه مرتبطا بالقلق مما سيقوله ، وليس بما قاله أمس تحديدا .
كان أسوأ ما في ردود الفعل الغاضبة هو ما فعلته إحدى القنوات الخاصة المصرية التي عرض فيها مقدم أحد البرامج تسجيلات صوتية مسربة للبرادعي في اتصالاته الهاتفية ، وواضح أن جهة رسمية ما كانت تتجسس عليه فيها وتحتفظ بتلك التسجيلات ، أحد هذه الاتصالات كان مع الإعلامي إبراهيم عيسى ، ويكشف الحوار كيف تغلغل إبراهيم في عمق البرادعي وثقته ومجاراته في انتقاد المجلس العسكري في الوقت الذي كان تواصل إبراهيم حميميا ـ حسب اعترافه لاحقا ـ بالمخابرات الحربية ، والتسريب الهاتفي الآخر الأكثر خطورة هو مكالمة للبرادعي مع رئيس أركان القوات المسلحة الفريق أول سامي عنان ، وبغض النظر عما ورد في المكالمة إلا أنها حملت إشارة إلى مستوى من الفوضى السياسية والأمنية والقانونية غير مسبوق في مصر ، لأن الاتصالات الهاتفية لقائد الجيش المصري ورئيس أركانه لا يمكن السماح بنشرها أو تسليمها لقناة فضائية لإذاعتها بتلك السهولة والبساطة ، فضلا عن التنصت عليها وتسجيلها له من حيث الأصل ، وأعتقد أن هذه الواقعة ستستدعي تحقيقا داخل المؤسسة الوطنية الرفيعة ، كما يصعب تصور تجاهل التحقيق مع القناة التي أذاعت المكالمة والإعلامي الذي حصل عليها ونشرها ، هذا فضلا عن دلالتها في إشاعة أجواء من انعدام الثقة لدى المواطنين كافة ، ورجال الأعمال والسياسيين والقضاة والإعلاميين وأي كوادر رفيعة في الدولة أيا كانت مكانتها ومقامها ، بأنها تخضع للرقابة خارج إطار القانون ومكالماتهم مسجلة ، هذا شعور بغيض ومروع ، وينهي أي إحساس بالأمان والثقة والاطمئنان إلى أن شؤون البلاد تدار كدولة .

 
 
   Bookmark and Share      
  
 عاصفة حوار «البرادعي»

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7