الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الخميس 22 ديسمبر 2016
New Page 1

شرين عرفه تكتب: غزو سكان المريخ أم سكان ماسبيرو؟!
•في الثلاثين من شهر أكتوبر من عام 1938 اجتاح سكان ولايتي نيويورك ونيوجيرسي الأمريكتيين حالة من الفزع و الهلع الشديد ، أدت إلى هروب الكثيرين من منازلهم ، بل ومحاولة بعضهم للإنتحار ،و السبب ؟! هو غزو كائنات فضائية من المريخ لكوكب الأرض!!!!

من أول الحكاية :

•في عشية عيد القديسين قام المخرج والمذيع الأميركي “جورج أورسون ويلز” بتقديم تمثيلية إذاعية في إذاعة ال-CBS مقتبسة عن رواية “حرب العوالم” ل”هربرت جورج ويلز” ، والتي تصف في سياقٍ من الخيال العلمي غزو كوكب الأرض من قبل كائنات فضائية قادمة من المريخ.
و كان للأسلوب الإخباري المحترف الذي قدمت فيه التمثيلية أثر كبير على المستمعين ، فقد قام “أورسون ويلز” بقطع بثِ برنامجٍ موسيقي لتقديم تقرير إخباري حول الغزو الفضائي مرفقاً بتمثيل صوتي لبعض الأشخاص يصفون فيه ما يحدث ويظهرون فزعهم من غزو تلك الكائنات ، مع مؤثرات صوتية بارعة لإضفاء جوٍّ من التشويق والإثارة ، و لم يكن بالطبع الهدف من تلك التمثيلية هو إثارة الخوف أو الفزع بين الناس ،

بل حتى إنه كان هنالك تنويه بين الحين والآخر إلى أن ما يذاع هو مجرد تمثيلية ، إلا أن
الكثيرين لم يلتفتوا إلى هذا التنويه ، وبفضل الأداء المقنع لويلز أقتنعوا أن الغزو قد حدث فعلاً ، مما دفعهم إلى ترك منازلهم وقيام بعضهم بشراء تذاكر قطار لأكثر ولايات أمريكا بعدا عن ولاية نيويورك.

•نتيجةً لهذه الحادثة الخطيرة سارع الكثيرون للجزم بقوة الإعلام ومدى تأثيره على المتلقي.

•ولكن بحثاً أجري لفهم ما حدث يشير إلى ما هو أكثر تعقيداً من هذا.

•لقد أشارت التقديرات إلى أنه من بين الستة ملايين الذين استمعوا للبرنامج 1.7 مليون خُيل لهم أنهم يستمعون لنشرة إخبارية حقيقية ، ومن بين هؤلاء 1.2 مليون أصيبوا بحالة من الهلع والذعر .

وهذا ما دفع البروفسور “هوارد كانتل” من جامعة “برنستون” وآخرون في العام (1940) لعمل دراسة نفسية للوقوف على أبعاد حالة الذعر التي أصابت سكان الولايتين ، وقاموا بإجراء مقابلات مع 135 شخصاً في ولاية نيوجرسي لبحث ردود الأفعال المختلفة وأسبابها.

وقد انحسرت ردود فعل المتلقين في أربعة أنماط كانت كالتالي :

1_ الفئة الأولى هم أولئك الذين رفضوا القصة بالأساس ،لعدم اقتناع بعضهم بالأدلة ،أو اقتناع البعض الآخر بأنه من المنطقي أن يكون للسلطات الأمريكية ردا أسرع مما يمكنهم هم فعله.

2_ والفئة الثانية هم أولئك الذين فحصوا القصة بدقة ،واكتشفوا أنها كاذبة ، حيث قاموا على سبيل المثال بالتحول إلى محطة إذاعية أخرى للبحث عن أي أصوات هلع أو شواهد تؤيد تلك القصة فلم يجدوا.

3_ و الفئة الثالثة هم أولئك الذين فحصوا القصة ولكن بطرق غير مجدية وغير فعالة فلم يتوصلوا للحقيقة ، فكانوا ممن أصيبوا بحالة من الذعر.

4 _ و الفئة الأخيرة هم أولئك الذين لم يبذلوا أي محاولة للتحقق من القصة، واقتنعوا بها على الفور ، ومن ثم .. كانوا هم الأكثر فزعا من بين كل الفئات السابقة.

•وذكرت الدراسة أنه ربما كانت النتائج الأكثر إثارة للاهتمام هي تلك القصص التي حكاها البعض عن الكيفية التي تفسر الغزو ودفعته للتصديق ..

فكان رأي امرأة متدينة جدا : أن الغزو هو انتقام إلهي ضد ما تراه هي انتشارا للفساد في أخلاق الناس وطبائعهم.

بينما طالب في جامعة “برينستون” يتمتع بذكاء و مستوى تعليم عال كان مقتنعا أنه من المستحيل أن يقوم جهاز بث إعلامي بالكذب على الناس.

•وحاول الباحثون التوصل لأهم الأسباب التي دفعت الناس لتصديق أمر الغزو ..فكانت كالتالي:

1_ مدى إيمان الناس بهذا الجهاز الإعلامي صاحب التأثير السحري عليهم.

2_ المهنية التي قُدِم فيها الخبر مما كان لها أثرٌ كبير على اقتناع المتلقين به.

3_ عدم الثقة والميل الفطري للإصابة بالهلع لدى بعض الناس.

•بينما كان أولئك الذين لم يصدقوا الخبر هم الأعلى في مستوى الذكاء والتعليم أو من يتمتعون بقدرة معقولة على التفكير المنطقي والموضوعي.

●وفي النهاية
يمكن القول أنه في تلك الليلة قد حدث غزوٌ فعلاً ولكنه ليس غزواً فضائياً ، إنما غزو من نوع آخر : إنه غزوٌ إعلامي … حتى وإن تفاوتت قوة تأثيره بين شخص وآخر فإنه لا شك أشد خطورةً من غزو المريخيين أنفسهم ، فهذا النوع من الغزو لا يبدو واضحا لمعظم الناس ، لذا فهم يستسلمون له ، ولا يحاربونه ولا ينتقدونه أو حتى يفكرون بتفاديه ..
•وسيكتب التاريخ في صفحاته : أنه في الفترة الزمنية التي أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 إلى يومنا الحالي تعرضت مصر لأكبر وأقوى عملية تضليل إعلامي و غسيل لأدمغة الجماهير؛ لم تشهد لها البلاد مثيلا طوال تاريخها القديم والحديث،


الإعلاميون المصريون
•وقد استخدمت فيها ماكينة إعلامية جبارة من عشرات القنوات التليفزيونية والإذاعية والصحف والمجلات المطبوعة والإلكترونية ومواقع للانترنت و عشرات الآلاف من حلقات البرامج الحوارية والتقارير الإخبارية و المواد الدرامية ، استخدموا جميعا من قبل بعض مؤسسات وأفراد ممن اصطلح على تسميتهم بالدولة العميقة “دولة الفساد التي أسسها مبارك على مدار سنوات حكمه الثلاثين” من أجل القضاء على ثورة الخامس والعشرين من يناير ،وذلك بتزييف الوقائع والأحداث وتشويه كل الفئات التي اشتركت في الثورة ، وكان التركيز بالطبع على أهم فصيل سياسي واجتماعي اشترك بها وكان أهم و أقوى عوامل نجاحها بشهادة أعدائه قبل أصدقائه، كما أنه الفصيل الذي حاز على ثقة الشعب أكثر من مرة ووصل إلى سدة الحكم في مصر …

وللأسف كانت كبرى أخطاء هذا الفصيل ،هو عدم إكتراثه بالحرب الإعلامية الضروس التي شنتها عليه تلك الماكينة الإعلامية منذ اليوم الأول، بل و تركها تعمل حثيثا على هدم كل خطوة يخطوها النظام،

•فكانت الحرب النفسية وحملة التضليل المخيفة والأكاذيب والشائعات التي روجت لها هي أقوى معول هدم أسقط به أول نظام مدني ديمقراطي برئيسه المنتخب.. كان أهم منجزات ثورة الخامس والعشرين من يناير .. والتي _ على ما يبدو _ لم تحقق على الأرض سواه.

•ولم يبق للثورة سوى إنجاز آخر وحيد حققته في نفوس الكثيرين من ابناء الشعب المصري ، وشكلت به وجدانهم وعقولهم ألا وهو كسر حاجز الخوف وخلق إرادة التغيير ، فإذا أضفنا إليه ما أنجزه لنا إنقلاب الثالث من يوليو ، حيث رفع الستار ،وتكشفت الأقنعة، وسقط اللصوص من فوق أعمدتهم، فتحطمت أصنام عبدت لسنوات طويلة؛

نتيقن حينها أن كسر الإنقلاب وهزيمته هي فقط مسألة وقت ، يزداد وينقص تبعا لمدى نجاحنا نحن في معركة الوعي واستنهاض الهمم وتبصرة المصريين بالعدو الحقيقي لأوطانهم والسارق الفعلي لبلادهم.
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 غزو سكان المريخ أم سكان ماسبيرو؟!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7