الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الإثنين 19 ديسمبر 2016

ميثاق الشرف الوطنى والتيه المنتظر
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

باستثناء قِلَّة تلوثت أيديهم بآثام الانقلاب وتلطخت بدماء الأبرياء؛ أُكِنُّ لجميع الموقعين على ما سمي بميثاق الشرف الوطنيّ كامل الاحترام والتقدير، وأرى نفسي دون الكثيرين منهم قدراً ومنزلة، ولولا إيماني بسعة صدورهم للنقد لما تجشمت اقتحامه؛ فلست بالذي يفرط في الرجال إذا عرف قدرهم.

ولن أتعرض لما حواه البيان من عبارات تغتال في وقت مبكر كل ما يمكن أن تفرضه طبيعة الصراع من استراتيجيات وآليات مواجهة، وتضع (الرموز!) مستقبلاً بين خيارين؛ أَهْوَنُ منهما أن يُخير المرءُ بين أن تُغْتَصَبَ نِسَاؤُه أمام عينيه وهو ينظر أو يُذْبَحَ بسكين الغاصب من الوريد إلى الوريد؛ لا لشيء إلا لأنّه آثر أن يضع بنفسه القيد في رجليه والغُلَّ في يديه بمحض التطوع والاستسلام.

لكنني – فقط – سأتعرض لتلك العبارات الهلامية، التي تنزلق في الأذهان وتندلع في ردهاتها؛ كأنها كرة من الزئبق تنقبض مرة وتنبعج مرات، وتتشكل في كل طور من تقلباتها بأشكال لا نسب بينها ولا سبب، وإذا كنت مبالغاً أو مغالياً في وصفي هذا فليتطوع أحد ممن سعد بالاستقامة والاعتدال؛ ليجيب على هذه الأسئلة التي تنبعث من تلك العبارات في كل اتجاه انبعاث الغازات من ركام المخلفات:

“أوقفوا خطاب الكراهية … نؤمن أن خطاب الكراهية الذي يتم الترويج له قد تجاوز حدود الخلاف – بل حتى الصراع – السياسى، وبات ينسف أُسس الوفاق الوطنى، ليس فقط بين المتصارعين، بل بين أصحاب المواقف المشتركة، وبات مجرد الإشارة لمثل هذا الوفاق، سُبّة فى جبين من يشير إلي … يؤمن الموقعون على هذا الميثاق أن إنقاذ الوطن مما يتعرض إليه، واستعادة مكتسبات ثورته وحريته وحقوقه مسئولية يتحملها الجميع مقرين ومستفيدين – جميعاً – من أخطاء الماضى متوافقين على حق الجميع أن يكونوا شركاء فى بناء المستقبل، وهو ما ينبغى معه دعم المشترك والسعى لإستعادة روح ولُحمة الجماعة الوطنية المصرية من خلال الآتى … وقف خطاب الكراهية بين أطياف المجتمع ومكونات الأمة، وإدانة كافة أشكال التنابذ، والتخوين، والإهانات أياً كان مصدرها أو دافعها أو تورط الآخرين فيها …”

هذه العبارات وردت في تلكم الورقة المسماة بميثاق الشرف الوطني، وهي تشكل سياقاً يصلح تماماً لخطاب جماعة وطنية ليس بينها خلاف حقيقيِّ، فلم يقع انقلاب غادر على شرعية الأمّة، ولم يحبس رئيس البلاد ظلماً وعدواناً، ولم تُنْقَضْ كل المؤسسات المنتخبة من الشعب كما يُنْقَضُ الغزل بعد قوته واستحكامه، ولم تجر دماءٌ لأطهار أخيار سبحت فيها قوارب شرقية وغربية وشرق أوسطية، ولم يرقص على جثث الشهداء رجال ونساء بعضهم سَعِد (ميثاق الشرف!) بتوقيعهم ..

عندما يجري هذا السياق منفلتاً بلا ضفاف تحدد وجهته، وتسبح في لُجَجِه عمومات هائمة على وجهها بلا بوصلة ولا معالم تهتدي بها؛ فإنّ التيه يكون سيد الموقف، فما يُدعى بالميثاق ليس فيه أية عبارة يمكن أن تعطيه هوية تميزة، إلى حدّ أنه إن أصدر الانقلاب ميثاقاً بنفس العبارات كان معبراً بها عن نفسه بنفس الدرجة التي يعبر بها هذا الميثاق عن أنفس الذين وقعوا عليه، اللهم إلا إشارة عابرة في أول البيان إلى ثورة يناير، تلتها هذه العبارة الموغلة في الضبابية: ” من أجل كل القيم والمعانى المقدسة التى هتفت بها جموعنا فى ميادين الثورة طوال ست سنوات مضت ” فليس في هذا ما يعطي الهوية المميزة للمعسكر الرافض للانقلاب؛ أليس إعلامهم يردد أنّ شعب مصر قام بثورتين: يناير الحميدة ويوليو المجيدة ؟!

مثل هذا الكلام لا يأتي إلا في سياق التصالح مع الانقلاب نفسه، تصالحاً يعبر فوق كل مقدس بما في ذلك حق الحرية للأسرى من المسلمين والمسلمات الذين لم يسعدوا بإشارة ولو على (طرف اللسان أو ذؤابة القلم)، وبما في ذلك الشرعية التي أصبح الحديث عنها عورة يجتهد المرء في إخفائها، وبما في ذلك أمور كثيرة أخشى أن أصرح بها – مع بداهتها وحتمية وجودها – فيتهمني قومي بالخرف.

لا تحاول أن تمارس التلاعب بعقلي وعقول الناس؛ فتدعي أن هذا الميثاق إنما صدر على أثر خلاف وقع بين رجلين من معسكر المعارضة للانقلاب، وأنّه يهدف إلى توحيد جهود الناس داخل هذا المعسكر؛ بدليل واحد ستقتنع به أنت بينك وبين نفسك، ولن يضيرك بعد ذلك مخالفة من خالفك، وهو أنك تستطيع أن تجزم بأنك إن أتيت بمائة رجل، فأعطيت كل واحد منهم قلماً وقرطاساً، وقلت لكل واحد منهم: إنه قد جرى بين الناس في معسكر الانقلاب تهارش وتنابز، فاكتب لنا وثيقة لجمع الكلمة ونبذ الخلاف وتوحيد الجهود، لما وجدت واحداً منهم يقترب مجرد الاقتراب من تلك الصياغة العجيبة التي جاء عليها ذلك الميثاق المزعوم.

إننا أيها السادة المثاليون المهومون في فضاءات خيالية نعيش معركة حقيقية بين معسكرين: معسكر حق ومعسكر باطل، معسكر حق يشمل إسلاميين وغير إسلاميين، ومعسكر باطل لا يرقب في إسلاميين ولا غير إسلاميين إلا ولا ذمة، وليس هؤلاء من أبناء الوطن إلا أن يتوبوا ويقلعوا عن هدم الوطن، فلا تعيشوا خارج الواقع، وإن أبيتم فاعلموا أنكم بكل خطوة تخطونها في هذا الطريق الموغل في الرومنسية تقطعون ما بينكم وبين الشباب الذي وعى الواقع وخبره ووقف على حقيقته وينتظر منكم أن تنزلوا إليه وتقودوه قيادة رشيدة.

وهذا الإباء إن وقع – ولا أراه إلا واقعاً – هو بداية النهاية لما سمي في التاريخ بالربيع العربيّ، وسيكتب التاريخ بعد عقود أنّ الشيوخ أطاحوا بما حصده الشباب، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون .. والاعتذار مني لكم، وفوقه ورود السلام.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 ميثاق الشرف الوطنى والتيه المنتظر

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7