الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الأحد 18 ديسمبر 2016

سيف الدين عبد الفتاح يكتب :خيانة السياسة في أرض القصعة
في إطار تلك المشاهد التي نراها في حلب، يتأكد لنا أن الاستعمار، بشكله القديم، قد عاد بكامل عدّته، يهدّد بإبادة الشعوب خدمةً لتحالف الاستعمار والمستبد، ذلك أن الاستعمار والاستبداد ملةٌ واحدة، يقوم كل منهما بحماية مصالحه، فالمستبدّ يحافظ على كرسيه، والمستعمر يحمي مصالحه، ولسان حال الاثنين يقول "فلتذهب الشعوب إلى الجحيم"، إنها قضيةٌ تتعلق بتصوراتٍ متعددةٍ للمنطقة، كالشرق الأوسط الجديد في طبعة شيمون بيريز، أو الشرق الأوسط الكبير في طبعة السياسة الأميركية، أو الشرق الأوسط الموسّع في الطبعة التي اعتمدها الغرب في أوروبا والولايات المتحدة. إنهم يحدّدون (يضيقون) الشرق على سياساتهم (مزاجهم)، وعلى مقاس مصالحهم. إنه حلف الاستبداد والاستعمار، وحلب شاهدة على ذلك.
ومن ثم نجد الشرق الأوسط وبلاد العرب بمثابة الـ"القصعة" التي يتهافت عليها الطامعون والطامحون. يحاول هؤلاء أن ينجزوا مصالحهم بأقل كلفةٍ ممكنة، إن لم يكن بالأصالة فبالوكالة، وإنْ لم يصلح العميل أتى الأصيل ليحتل الأرض ويقوم بحملاته التأديبية، ويتصدّر المشهد؛ روسيا التي تحمل مطرقتها ويدعمها الغرب والولايات المتحدة في الخفاء في تواطؤ غريبٍ ومريب، حتى تتحول استراتيجية الشرق الأوسط الجديد إلى (شرخ "أوسخ" جديد)، يطاول كل المنطقة، ويقوم بعمليات تفكيكٍ وتركيبٍ وفق مصالحه، وقاعدة توزيع المغانم، وكل منهم يمارس دوره والشعوب تُباد، هكذا نرى المشهد بكل مأساويةٍ، حلب شاهدة على ذلك.
وواقع الأمر أنه مثلما يشير "إدجار موران" في واحد من أهم كتبه "مقدمات للخروج من القرن العشرين"، يشير فيه إلى عالمية الاتصال وانسياب المعلومات، بل وتفجّرها في أشكال من الثورات المعلوماتية.. ألا تتوفر لنا شبكات معلوماتٍ واتصالاتٍ لا تحصى، فورية وعالمية لم تعرف لها الإنسانية مثيلاً؟ التي لدينا معرفة وعلم بالإنسان والمجتمع والتاريخ نمت نموًا خارقًا؟ ألا تتوفر لنا تحليلات نفسية وسوسيولوجية، تسمح بتمييز الواقعي والحقيقي من الإيهام والأسطورة والأيديولوجية؟ على الرغم من ذلك كله، فإنه في هذه الحالة لا تسهم دروب نمو الإعلام والاتصال والمعرفة والعلم في الكشف عن تضليلنا، فضلاً عن عدم قيامها بتنويرنا؟ أنرى ما يفقأ العيون؟ أندرك ما نرى؟ وما غزا الأفق فعلاً؟ أن تصور تصورًا مضبوطاً ما ندركه؟ ألسنا في مثل عمى أسلافنا.. بل أسوأ؟ أليس هذا ما يُحدث لنا عدمَ معرفة ما يحدث لنا؟، إن حلب شاهدة على ذلك.
وبصورة أعمق، فإن ضروب حياتنا وموتنا وأفراحنا ومصائبنا تفلت من السياسة من كل جهة. "تنادي حلب، كما نادت غزة بالأمس القريب، وكما نادت القدس والعراق بالأمس البعيد، يفرّط كل هؤلاء في حماية حياضهم" ولكن حياة كل "بشري" وموته يتوقفان أيضًا على التحديد السياسي، كذلك حياة البشرية وموتها يتقرّران، من الآن فصاعدًا، في اللعبة السياسية بين الأقوياء والضعفاء. وفي نهاية المطاف، يتوقف مصير العالم على المصير السياسي الذي يتوقف على مصير العالم. وهكذا فإن ملاحظة "سان جوست" القاتلة والقائلة: "كل الفنون أنتجت روائع، فنُّ الحكم السياسي هو وحده الذي لم ينتج إلا مسوخًا"، هذه المقولة تصحُّ أكثر من أيِّ وقت مضَى، وحلب شاهدة على ذلك.
أمر حيويٌّ ألا يخدع المرء نفسه في السياسة، وأمر حيويٌّ ألا تخدع السياسة التي تحمل طموحاتنا نفسها، وألا تخدعنا. تقتضي السياسة، بصورةٍ حيويةٍ، تفكيرًا يستطيع الارتقاء إلى مستوى تعقيد المسألة السياسية نفسها، ويستطيع أن يستجيب لإرادة الحياة لدى الجنس البشري. في كتاب كارل دويتش تحليل العلاقات الدولية، حاول أن يقدّم تعريفاً لمفهوم العلاقات الدولية، فأشار إلى تعريفه الفريد أنها "فن الإبقاء على الجنس البشري". فما بال هؤلاء باسم المصالح والسياسة يبيدون البشر، حلب شاهدة على ذلك.
وحينما نتبصر الأمور، نجد خيانة السياسة تتم على أوسع نطاق، في إطار مسرحيةٍ كبرى، يمارس بعضهم دوره فيها، من خلال أدوات القتل والابادة، ويمارس آخرون أدوارهم من خلال الصمت أو ممارسات فائض الكلام حول حقوق الإنسان أو التدخل الإنساني. الأخطر من هذا وذاك أن يتم ذلك في إطار مجلس الأمن تارة يستخدم "الفيتو"، وتارة أخرى تقدم مشروعات قراراتٍ، ولكنها تتوه في دوامة القتل من غير قرار، حلب شاهدة على ذلك.
وها هي مأساة حلب تتكلم وتصرخ، "حلب الفاضحة"، فاضحة لحال القصعة لدى العرب، وفاضحة لحال التواطؤ لدى الغرب، وفاضحة لحال الإبادة التي يقوم بها المستعمر والمسستبد "بالشراكة". حلب لن تكون آخر المآسي، ولكن قد تكون ضمن سلسلة مآس تتمدّد وتتجدّد في مساحات توزيع الأدوار وقتل الأرواح، إنها حلب الفاضحة، كما كانت "غزة الكاشفة". ما بال هؤلاء يستمرئون حال المفعولية، فلا يتحرّكون أو يفعلون، وما بال هؤلاء يتحدّثون عن حقوق الإنسان في همس ويتواطأون، وما بال هؤلاء الفاجرين يمارسون كل أنواع الإبادة ولا يتخفون، حلب شاهدة على ذلك.
يشكل ذلك كله "عار الإنسانية قبل عار العرب، وعار العرب قبل عار الإنسانية"، إنه الوهن "هل تكسر الشعوب الحلقة المفرغة، وتؤمن نفسها، وتحرك طاقتها، وتسترّد ثوراتها؟" العربي لا زال يرسم كل خطوطه، ويتحرك بالبطء الذي يقترب من حال الموات، كما أكدنا من قبل في كتاب "عقلية الوهن" التي تجد تجلياتها في أحداث جسيمة، فيتسابق الطامحون ليكون لهم موضع قدم في أرض "القصعة". تنادي حلب، كما نادت غزة بالأمس القريب، وكما نادت القدس والعراق بالأمس البعيد، يفرّط كل هؤلاء في حماية حياضهم، ويتركون مساحات من أوطانهم لحال الاستباحة وبكل بجاحة، حلب شاهدة على ذلك.
نعجز عن تقديم أي دعمٍ لحلب، وتحكم المأساة حلقاتها في سلسلة تاريخ المآسي التي نؤرّخ بها للوهن العربي وللاستباحة الغربية، المشهد كله في خدمة الكيان الصهيوني، فليمت من يمت طالما أمنت إسرائيل، اليوم حلب تُباد وأهلها يتعرّضون لقتل وإبادة جماعية، وغداً لا ندري ما سيكون، فهل آن الأوان ليصحو العرب، أم أن خيانة السياسة صارت ديدن هؤلاء؛ حكام عرب متخاذلون، وشعوب كُثر مخذولون، وبلاد الغرب متواطئون، والبقية تأتي، وحلب شاهدة على ذلك.
فهل تكسر الشعوب الحلقة المفرغة، وتؤمن نفسها، وتحرك طاقتها، وتسترّد ثوراتها؟ فإن خان كل هؤلاء السياسة، فلترد الشعوب شرفها وعزها، حلب شاهدة على ذلك.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 خيانة السياسة في أرض القصعة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7