الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الأحد 11 ديسمبر 2016

بقلم : شيرين محمد

لكل شيء رائحة .. للزهور رائحة ذكية .. للطيور رائحة حرية .. للأسماك رائحة إنطلاق .. للوحوش رائحة انقضاض .. للإنسان رائحة جسد .. ونفْس .. فالجسد يضع كولونيا لتعطيره .. لكن يجب أن يكون الجسد نظيفاً أولاً .. وإلا ستشم شيئاً لن يرضيك .. من اختلاط العرق و السموم مع الكولونيا ..

وأما رائحة النفْس .. فهي من اختيارك أنت .. فإما حامل المِسك .. وإما نافخ الكير .. إتس يورتشويس !!

وللذنوب رائحة .. رائحة تظل أبد الدهر .. لا يشمها إلا المظلوم !!

إن رائحة الغدر معلومة ومعروفة جيداً لكل نفس .. فإذا كانت هذه النفس شريرة .. تسعي للبطش والسلطة والاحتكار وقهر الآخرين .. فإنها تشم رائحة نفسها .. وتعلم جيداً أنها مهما دامت .. فإنها زائلة لا محالة !

رائحة الغدر .. يستطيع ذو العقل الواعي .. أن يتحسسها قبل هبوبها كالرياح .. ورائحة زمرة الغدر نفاذة في أنوف المخلصين .. يستطيعون تمييزها من بين الف رائحة ..الشر لا يتقاعد .. يمكنك أن تحاربه طوال حياتك .. وستظل النفس الطيبة علي مدي الدهر تطارد رائحة الغدر لتخلص الناس من سمومها ونتن ريحها .. وخبثها !!

وأما إن كانت النفس طيبة .. مؤمنة .. محبة للخير .. وللغير .. مؤمنة بالحرية .. فإن هذه النفس لها أنف .. نعم أنف .. بها تستطيع أن تميز جيداً الغث من الثمين .. ورائحة هذه النفس الطيبة تدوم حتي بعد رحيل صاحبها .. حتي يرث الديان الأرض وما عليها !

كولونيا .. فيلم دراما ورومانسي .. تم إنتاجه في فرنسا وألمانيا عام 2015 .. بطولة إيما واتسون .. دانييل برويل .. ميشيل نيكفيست .. أما مخرج الفيلم الألماني فلوريان جالنبيرجر فقد أراد جذب عشاق السينما إلي هذا الفصل الهام من تاريخ تشيلي .. وهو ليس درس في التاريخ .. بقدر ماهو مهم أن تعلم كل الأجيال والشعوب ما عاناه الشعب التشيلي من ويلات في ظل الحكم العسكري تحت قيادة السفاح المنقلب بينوشيه عام 1973 ..

فقد اعتمد بينوشيه علي سياسة قمعية .. خلفت العديد من القتلي ..والمسجونين السياسيين .. فضلا عن العديد من حالات الإختفاء القسري .. التي لم يُعرف مصير أصحابها علي وجه التحديد ..وبعض روايات الأديب العالمي “جابرييل جارسيا ماركيز” تمثل توثيقاً لعدد من الإنتهاكات .. والممارسات القمعية لنظام بينوشيه ..

ولعل في مطالعة التقرير الذي أوردته منظمة العفو الدولية Amnesty

علي موقعها تحت عنوان (الذكري الأربعين للإنقلاب Years on from Pinochet’s Coup 40 ) في 10 سبتمبر عام 2013 ..

.. ما يكفي لمعرفة حجم المأساة الإنسانية والسياسية التي عاشتها البلاد بين عامي 1973 و 1990 والتي لاتزال جمراتها مستعرة في قلوب المنكوبين المظلومين من الشعب التشيلي ..

بدأ بينوشيه بنظام ملاحقة خصومه السياسيين .. عن طريق ما عُرف آنذاك بـ “قوافل الموت” وهي عبارة عن عمليات عسكرية ممنهجة لاستئصال المعارضة السياسية .. كذلك أنشأ بينوشيه وحدة استخباراتية خاصة عُرفت بالإدارة الوطنية للإستخبارات DINA

عهد إليها بعمل ملفات حاسوبية لكل المعارضين .. ونشر الرعب في البلاد .. من خلال القيام ببعض العمليات السرية المنظمة ..

“كولونيا ديجنيداد” كانت احدي هذه العمليات السرية في صورة جمعية خيرية تجمع الأيتام والأيامي .. والراهبات والرجال الذين يريدون التقرب من الرب .. في جنوب البلاد بمنطقة معزولة بالقرب من مدينة سانتياجو في تشيلي .. تقوم الجمعية بعمل حفلات يقيمها الكورال المؤلف من الأطفال المخطوفين .. واليتامي .. الجمعية تجمع تبرعات وتنال جوائز وتكريمات .. يطلقون عليها اسم ” مستعمرة الكرامة” هذه هي الواجهة ..أما الواقع .. عكس ذلك !!

الحقيقة أن الجمعية عبارة عن ستار .. لإحدي العمليات السرية التابعة للإدارة الوطنية للاستخبارات .. (شايفر) مديرها ممرض نازي مجنون مغتصب وسادي .. تابع لبينوشيه .. ومعه مجموعة من النازيين الألمان .. شايفر يقوم بعمل طقوس غريبة وعقائد عجيبة لإقناع المعتقلين بتقبل التعذيب لإرضاء الرب .. ولإرضاؤه حيث يقنعهم بأنه رسول من الرب .. يسيطر علي نزلاء الجمعية بالأقراص المخدرة ليكونوا طوع له وسُخرة لخدمته .. النزلاء من المعتقلين .. والمختفين قسريا .. والنساء المعتقلات والمغتصبات .. والأطفال المخطوفين وأبناء اليهود ليستمتع بتعذيبهم في غرف خاصة .. وأنفاق تحت مبني الجمعية ..

هناك فيلم فرنسي اسمه علامة الطفولة البائسة تحدث عن بشاعة ” كولونيا ديجنيداد ” اسمه LA MARQUE DES ANGES -MISERERE بطولة الفنان الفرنسي جيرار دي بارديو

وكانت «كولونيا ديجنيداد» أو مستعمرة الكرامة.. والتي تقع في سفوح جبال الأنديز على بعد 300 كم جنوب العاصمة سانتياجو .. عبارة عن بلدية ألمانية أسسها زعيم طائفة ألماني المولد يدعى بول شايفر في عام 1961

وفي أوجها .. عاش حوالي 300 شخص في كولونيا ديجنيداد في ظل ظروف شديدة القسوة.. معزولين عن بقية العالم .. وتعرضوا لإساءة معاملة شملت التحرش الجنسي المنظم للأطفال !!

واستخدمت الشرطة السرية التابعة لبينوشيه الموقع لاحتجاز وتعذيب السجناء السياسيين حتى الاطاحة بالنظام في عام 1990 !

وحكم على شايفر بالسجن لمدة 33 عاما بتهمة الاعتداء الجنسي على الأطفال .. وغيرها من الجرائم .. وتوفي في السجن في عام 2010 !

من المفارقات العجيبة .. أن هناك احداث تتشابه .. وافكار واجراءات تتكرر .. وعلي من يقرأ جيدا في تواريخ الشعوب أن يلاحظ ويفهم .. ويتعلم .. علي سبيل المثال :-

في اعقاب انقلاب تشيلي .. نصب المجلس العسكري نفسه حاكما للبلاد بقيادة الجنرال أوجستو خوسيه رامون بينوشيه .. وتجدر الإشارة إلي ان العديد من التيارات السياسية في تشيلي نظرت إلي هذا الإنقلاب باعتباره ” عملية جراحية بسيطة ” في الجسد السياسي للدولة .. وسوف تقوم بعده المؤسسة العسكرية بتسليمه إلي سلطة سياسية منتخبة ..


كان بينوشيه رئيس هيئة الأركان في عام 1972 وخلال نزاع محلي متصاعد سبق ولاية سلفادور ألليندي .. تم تعيينه القائد الأعلي للجيش في أغسطس عام 1973 ” من قبل الرئيس المنتخب سلفادور ألليندي” !!!!




بينوشيه الحاكم الديكتاتوري التشيلي السابق .. احد أشهر جنرالات الولايات المتحدة في منطقة أمريكا اللاتينية .. والمسئول الأول عن مقتل الرئيس التشيلي المنتخب سلفادور ألليندي .. وفي يوم “11 سبتمبر” عام 1973 تم قصف القصر الرئاسي من قبل القوات الجوية التشيلية .. واقتحم القصر جنود المشاة والدبابات .. وعندما رفض الرئيس المنتخب الاستسلام .. تم قتله أثناء اجتياح القصر .. بل وأشاعوا عنه أنه انتحر ..


أري في هذه الوقائع تكرار لقصة ماكبث .. قتل الملك والاستيلاء علي العرش بدون وجه حق .. بسبب الطموح الجامح .. أري تكرار لتاريخ 11 سبتمبر المرتبط بالولايات المتحدة وممارساتها مع الشعوب .. أري العملية الجراحية .. واسطورة سحب الثقة مجرد مرادفات للإنقلاب علي غرار فيلم أنا لا أكذب ولكني أتجمل .. اري المجلس العسكري في كثير من البلاد ينصب نفسه حاكما لأن البيزنس يحتاج أن يقترن بالسلطة .. وأري الجنرال ال “دح ” الذي عينه الرئيس ال ” كُخ ” بلغة الأطفال !!



دانييل برويل بطل فيلم كولونيا .. أبدع بدوره في الفيلم تحية منه للشعب التشيلي .. فهو من أم إسبانية .. عاش طفولته في تشيلي .. وله من الأصدقاء والمعارف الكثير.. وأراد ان يقدم عمل فني يعبر عن جزء من المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب التشيلي .



هل فكرت في “كولونيا زاويرا ” ؟؟!! إنه السجن الذي كان أحب إلي يوسف الصديق عليه السلام مما يدعوه إليه .. هل فكرت في رائحة هذا المكان .. هل استشعرتها ؟ وأنت تقرأ سورة يوسف .. هل تخيلت نفسك أحد السجناء معه ؟ لكنه علي أي حال ليس ببشاعة كولونيا ديجنيداد .

كولونيا العقرب ..كولونيا العازولي .. كولونيا طرة ..

كولونيا الشيشان .. كولونيا الجزائر .. كولونيا البوسنة .. كولونيا العزيزية في تركيا .. كولونيا بورما والروهينجا .. لكل كولونيا قصص .. وظروف .. ودروب .. والله هو المطلع والشهيد ..

إن رائحة الدم تدوم .. وآثارها لا تزول .. فالله اسمه ” الشهيد” فقد رأي كل شيء .. والقلم جري وكتب .. وعند الله تجتمع الخصوم ..

هذا المقال برعاية كل أحرار العالم بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان .. وتحية لشعب تشيلي علي ما قدمه من تضحيات .. المجد للأبطال في كل مكان .. النصر للمظلومين في كل حين .. لن يدوم الحال .. فعندما يحين الوقت .. تُقلب الموازين .. لصالح المخلصين .. الصابرين .. المظلومين .. والمؤمنين بالحرية .. وبرائحة العدل والنصر المبين !!

#الزمن_القادم_لنا

 
 
   Bookmark and Share      
  
 كولونيا

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7