الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الأحد 11 ديسمبر 2016

فهمي هويدي يكتب :الحرب الأهلية الثانية
أهم خبر تناقلته وكالات الأنباء ومواقع التواصل الاجتماعى من القاهرة مساء الأربعاء الماضى ٧/١٢ كان إلقاء القبض على الحقوقية عزة سليمان مديرة مركز قضايا المرأة. خبر صباح اليوم ذاته كان إلقاء القبض على المحامى السكندرى محمد رمضان الذى دأب على الدفاع عن النشطاء فى الثغر. قبل ذلك بأربعة أيام كان الخبر الأكثر انتشارا هو استدعاء الدكتورة منى مينا وكيلة نقابة الأطباء للتحقيق معها أمام نيابة استئناف القاهرة.
وهو الإجراء الذى تم بعد أيام قليلة من الحكم بحبس نقيب الصحفيين واثنين من أعضاء مجلس إدارة النقابة مدة سنتين، وفى طور لاحق فوجئنا بتمرير البرلمان لمشروع قانون تأميم الجمعيات الأهلية وإخضاعها للمؤسسة الأمنية.

حدث ذلك فى حين منع سبعة حقوقيين من السفر إلى الخارج ووضعت أموالهم تحت التحفظ، وأغلقت الشرطة ثلاث مكتبات عامة بالأحياء الشعبية أقامها الحقوقى جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. وتم إغلاق مركز النديم لعلاج ضحايا التعذيب، ولا يزال التحقيق مستمرا مع المحامى الحقوقى نجاد البرعى واثنين من القضاة لأن الثلاثة أعدوا مشروعا لمنع التعذيب.

ما سبق مجرد نماذج لتجليات الصراع الحاصل بين السلطة والمجتمع المدنى والذى بمقتضاه تلجأ السلطة إلى مختلف الأساليب لإسكات صوت المجتمع الخارج عن السيطرة. ذلك أن تلك السيطرة تحققت فى ظل التشكيل الراهن لمجلس النواب الذى أصبح بمثابة الذراع التشريعية للحكومة.
وهو ما تأكد فى الظروف المريبة التى صاحبت إقرار قانون الجمعيات الأهلية وفى اللغط المثار الآن حول التلاعب فى قانون الإعلام وفى التعديلات المتواضعة التى أدخلت على قانون منع التظاهر.

بعد إحكام تلك السيطرة التى يراد لها أن تشمل المجالس البلدية فإن الجهات التى تدير مسلسل السيطرة المطلوبة أدركت أن صوت المنظمات الأهلية وبعض النقابات المهنية ينبغى إسكاته أيضا، لكى لا يعلو صوت فوق صوت الحكومة. ولذلك خاضت الأجهزة المعنية معركتها على تلك الجبهة.
وكانت المنظمات الحقوقية صاحبة الحظ الأوفر من إجراءات الإسكات والقمع، لسبب جوهرى هو أنها بحكم وظيفتها التى تبرر وجودها معنية بحماية المجتمع من الانتهاكات التى تمارسها السلطة، إن شئت فقل إنها أصبحت تمارس جانبا من الرقابة التى تخلى عنها البرلمان. ولأنها صارت تكشف ما تريد السلطة السكوت عليه وإخفاءه، فإن محاولات حصارها وملاحقة القائمين عليها باتت مفهومة. وذلك يفسر التركيز على تكبيل تلك المنظمات والبطش المستمر بأعضائها.
إلى حد توجيه الاتهام إلى الذين حاولوا إعداد مشروع قانون لمكافحة التعذيب، كأن استمراره هو المطلوب والمرغوب. والأساليب المتبعة فى ذلك عديدة، خصوصا أن النصوص القانونية الفضفاضة التى وضعها «ترزية» القوانين توفر هذه الفرصة إذ إن عبارات مثل الإضرار بالأمن القومى أو تكدير السلم الأهلى أو الإخلال بالنظام العام تفتح الباب واسعا للتنكيل بأى منظمة أو أى شخص وإخضاعه للتحقيق والمحاكمة، وربما حبسه أيضا استنادا إلى تحريات الشرطة الجاهزة.

كأننا بصدد طور آخر من الحرب الأهلية الدائرة فى مصر، التى بدأت ضد ما يسمى بالإسلام السياسى، وبعدما قطعت شوطا بعيدا فى ذلك فإن الحرب انتقلت إلى جبهة أخرى صارت أنشطة المجتمع المدنى عنوانا لها، ومن ثم فإننا انتقلنا من إجهاض محاولة أسلمة المجتمع إلى الانقضاض على مدنية المجتمع. وهو ما لا يعيدنا إلى نقطة الصفر فحسب، ولكنه يثير سؤالا كبيرا حول مآلات ذلك المسار الذى هو أبعد ما يكون عن طريق السلامة.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الحرب الأهلية الثانية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7