الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
السبت 10 ديسمبر 2016

حوار هادئ مع د.سيف عبد الفتاح
بداية أحمل كل التقدير والإحترام لشخص الدكتور سيف عبد الفتاح, التقيته من أسابيع قليلة على هامش منتدى المركز العربي للدراسات في الدوحة فوجدته سمحاً مهذباً دمث الخلق فيه من الطيبة والنُبل بمثل ما فيه من العلم والسياسة.

تلك مقدمة لابد وأن أقدمها بين يدي حوار أختلف فيه مع آراء للدكتور سيف وردت في حواره مع الإعلامي محمد ناصر في برنامج “مصر النهارده” على قناة مكملين يوم 22 نوفمبر الجاري.

بدأ الدكتور سيف الجزء الملغوم في حواره بمقولة أقرب إلى الفلسفة وأبعد عن الواقع حين قال : “الشرعية مبدأ وليس شخص”, وهي كلمة تحتمل المعنى وعكسه حسب الهوى السياسي إن جاز التعبير.

والحق أن الثوار الحقيقيين وأبطال الشوارع وكل أحرار الزنازين ومن قبل هؤلاء وأولئك الشهداء الذين قدموا أرواحهم فداءً للشرعية, لم تكن تربطهم بالدكتور مرسي رابط أو قرابة أو مصلحة شخصية, ومع ذلك يرفعون صوره لكونه ارتبط شخصه بالشرعية فأصبح رمزاً لها وتحول لمبدأ من مبادئها.

لكن هناك من يستخدم العبارة للقفز على شرعية الرئيس المنتخب أو من أجل التقارب المشبوه مع فصائل المرتدين من 30 يونيو أو رغبة في التقارب مع الانقلاب نفسه أو ربما للتزلف للغرب “الراعي الرسمي للإنقلاب” أملاً في مساعدة أباليسه لهم في دخول جنة الديمقراطية المزعومة.

ثمة لَغَم آخر في قول الدكتور سيف : (أن الدكتور مرسي هو آخر واحد معاه مفتاح الشرعية لكن سجنه يمنعه من ممارسة العمل السياسي), ولا أدري أهذا يعني أن ينطلق الأحرار وأصحاب المبادئ لتحرير الرجل ووضع حد لجريمة اعتقال الرئيس, أم أنها ملامة تقع على الرئيس نفسه وسبب يبرر تجاوزه وخلعه بأيدي دعاة الثورة وحاملي أختامها من الفلاسفة والمنظرين.

ثالث الأثافي في موسم العبارات المفخخة جاء في تعريف الدكتور سيف للشرعية بأنها استعادة المسار الديمقراطي, وهذا أمرٌ حسن إذا ما تُرِك على إطلاقه, لكنه ربما هناك توظيف آخر للعبارة والشعار.

فالمسار الديمقراطي الذي نعرفه ويؤمن به كل حر هو المسار الذي تعطل بالانقلاب العسكري في 3 يوليو, أما أن يحاول البعض توصيف ذلك على أنه العودة إلى نقطة 25 يناير فهذا أمر غير مفهوم, خاصة ممن لا يشكك في الاستحقاقات الديمقراطية التي جرت في هذه الفترة ونزاهتها.

ولا أدري بأي تفسير يمكن أن نقبل من هؤلاء الرضا بنزاهة الإجراءات الديمقراطية ثم الاستعلاء على نتائجها والرفض لمخرجاتها؟!!.

الدكتور سيف تورط في هذا اللغو حينما طالب الدكتور مرسي بتكليف من سماهم “يمثلون ثورة يناير” بالعمل على استرداد ثورة يناير!!.

ولم تأتي هذه المطالبة في حدود التقدير الواجب أو الإكبار المستحق لرئيس يعالج سكرات الإعتقال في ظروف لا نعلم كيفيتها, غير أنها ليست بعيدة عن العنوان العام لسجون العسكر المفرطة في القسوة والقهر والبغي.

وفي هذا يقول الدكتور سيف مخاطباً الرئيس المختطف: “هو مش اتكلم مرتين .. خلاص يطلع يتكلم ويقول” ..

سأتجاوز توصيف هذا اللقطة تقديراً لكل شيء وتعففاً عن أي شيء يمكن أن يخصم من رصيد الود الذي نكنه للجميع ونحرص عليه!!

وامتداداً لمشهد البؤس والغرابة كانت ردة فعل الدكتور سيف حول سؤال افتراضي حول هؤلاء إن هم نجحوا في ذلك وخرج الدكتور مرسي؛ هل يعود الدكتور مرسي الى رئاسة مصر؟!.

فكانت تعقيب الدكتور سيف بمنتهى الصراحة والوضوح والحسم؛ لا !!.

واستتبع قائلاً: جرت في النهر مياه أخرى !!!!!.

ترقبت تفسيراً جاداً لهذه المقولة, لكنني انتظرت طويلاً حتى قُضيت الحلقة وإنتهى الحوار, ويبدو أن تلك المياه تسربت أو جفت لهشاشة الفكرة وربما لعدم وجود عمق لها أو منطق يؤيدها.

الإعلامي محمد ناصر دخل عالخط ـــ في حديث التكليف إياه ــ بتساؤل أشد غرابة!!, إذ قال: (هناك من يرفض موضوع التكليف هذا سواء من الذين لم ينتخبوا الدكتور مرسي أصلاً أو من خرجوا عليه في 30 يونيو, الفريقان سيجتمعا على رفض أي دور للدكتور مرسي في هذا الباب أو في غيره).

الحقيقة لا أدري كيف يبتلع المرء هذه الفقرة, وفيها قفز على كل الثوابت السياسية وتجاوز البدهيات العقلية حينما يساوي البعض بين استحقاق انتخابات حقيقية نزيهة شارك فيها كل المصريين وأكدها استفتاء الدستور, وبين من خرج في تظاهرة وصف الضيف الكريم أن 95% ممن شاركوا فيها من المصنوعين على عين المخابرات وأن الـ 5% الباقية من المخدوعين من إعلام كاذب مضلل.

ما يدعو للأسى والأسف على بعض النخب المصرية التي تَدعِّي الثورية أنهم يبحثون بحفاوة ويرحبون بالعائدين من 30 يونيو ويبسطوا لهم في المشارطة والقرار، في الوقت الذي لو ملكوا فيه قرار الثورة والوطنية لطردوا جماعة الإخوان المسلمين ولأغلقوا خلفها كل الأبواب.

لأسباب كثيرة واقعية ظهر حوار الأفاضل “سيف – ناصر” وكأنه مشهد مُعَد مُسبقاً ومُتَفَق على مخرجاته والنقاط المستهدف الوصول إليها, وبدت كمسرحية متعددة الفصول والفقرات، ومطلوب أن نجلس بأدب وانسجام في مقاعد المشاهدين والمتفرجين, ونستمتع بسهرة ذات أدوار ومشاهد تمثيلية لـ “دويتو” يحاول أن يحقق لكاتب السيناريو أو المنتج ما يريد.

الشواهد كثيرة على ذلك, لعل أوضحها حين أبلغ الدكتور سيف بطيبته المعهودة الأستاذ ناصر بعدد الأسئلة التي سيتناولها في الحوار والتي تتعلق بالدكتور مرسي.

في النهاية رُفع الستار على المشهد الأخير وفيه تلميع مبتذل لكيان جديد لأفكار قديمة اسمه “الجمعية الوطنية المصرية”, على حساب الانتقاص من الدكتور محمد مرسي في حقوقة كرئيس شرعي للبلاد وصامد صمود الأبطال على مبادئ الثورة ورمز ونموذج راقي مُشَرِّف لأخلاق الثوار, وبالطبع النيل من جماعة الإخوان المسلمين التي تمثل آخر قلاع الثورة المصرية وقاعدتها الراسخة وعمودها الفقري.

نعم ورد في الحوار ثناء من الدكتور سيف للرئيس مرسي كشخص, لكنه ثناء يُخِرجه فقط من السجن لكنه لا يجعل له أهلية ولا مكانة ليعود إلى منصب الرئاسة أو منصة الحكم.

كذلك ورد في الحوار مديح لجماعة الإخوان وحاجة الوطن إليها, لكنه مشروط بأن يظلوا “أنفار” للثورة ومخزون لتضحياتها ورصيد مستمر للشهداء والمعتقلين والمطاردين والمُضْطَهِدين, أما أن تصبح جماعة وطنية تملك الحق في الحكم والسياسة بما لها من قاعدة شعبية أو حتى بما قدمت من تضحيات وما تحملت من آلام, فهذا غير مسموح بأمر النخبة التي تملك صكوك الثورة تمنحها من تشاء وتمنعها ممن تشاء.

للأسف الصورة التي اختارتها بعض النخب لأنفسها؛ تفضحها هذه التوجهات العجيبة والكيد الموجه والتعالي على إرادة الناخبين واستحقاقات الصندوق , وتفرض سؤالاً مستحقاً عليهم أن يجيبوا عليه بشيء من الشفافية والصدق ؛ ما الفارق بين ما يفعله هؤلاء وبين مافعله السيسي ومجلسه العسكري؟!.

كلاهما سواء ..

الفارق الوحيد أن مجرمي العسكر انتهكوا الديمقراطية وإرادة الأمة وصوت الشعب بالدبابة والجرينوف, أما نخبة الكرفاتات الشيك انتهكوها بالفلسفة والتنظير!!.

أي أن الفارق في الوسيلة فقط أما الإستعلاء غير المبرر والفوقية غير المستحقة والعدوان على الشعب وإرادته وصوته واحد وواضح في الحالتين على السواء.

حلقة أخرى من سقطات هذا الحوار الدراماتيكي المريب كانت في تساؤل طرحه “ناصر” عن دور الدكتور مرسي لما يخرج من محبسه؛ هل يعود “للدعوة”؟!.

وكأن الدكتور مرسي قبل وصوله إلى الرئاسة كان يخطب الجمعة في مساجد العدوة أو يمارس الوعظ في التجمع الخامس, وتجاهل أنه كان رئيساً لأكبر حزب سياسي حقيقي , وتناسى تاريخ الرجل الذي أختير كأفضل برلماني في “العالم” من خلال أدائه البرلماني للفترة 2005 الى 2010.

أخيراً كل التقدير للدكتور سيف عبد الفتاح وهارد لك للإعلامي القدير الاستاذ محمد ناصر عن هذه الحلقة الاستثنائية, وأستعير منه مقولته “تصبحون على وطن حر” ,

وأزيد : حينما نصحو جميعاً ــ نُخبة وإخوان ــ من غفوتنا الحالية.
عزت النمر

 
 
   Bookmark and Share      
  
 حوار هادئ مع د.سيف عبد الفتاح

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7