الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
السبت 10 ديسمبر 2016

عبد الرحمن يوسف يكتب: حتى لا نعطي "قُبلة الحياة" للنظام المصري
رسائل النظام المصري اليومية
على مدى هذا الأسبوع كان النظام المصري يرسل رسائل متعددة عامدا أو غير عامد، حول ماهية موقفه من جملة من الأمور تداولها الكثيرين عن رؤيته في التعامل مع جملة من الملفات الملحة والتي تتعلق بالشأن العام والمعتقلين والمجال السياسي العام والمنافسة السياسية.

كانت أولى هذه الرسائل هو عدم قبول الطعن على مدى دستورية قانون التظاهر، والتي كان أحد أبواب يُعلق عليها الكثيرون أمل إحداث انفراجة في ملف مئات المعتقلين سواء بإخلاء سبيلهم أو تخفيف الأحكام عنهم، ذلك أن الحكم بالسجن بسبب قانون التظاهر، لكن المحكمة الدستورية العليا رفضت كل الطعون المقدمة على المواد الخاصة بالعقوبات في القانون الأمر الذي يعني استمرار حبسهم جميعا وعدم تخفيف أي حكم على أي منهم.

إقرأ أيضا: الرئيس السوري يكشف علاقته بمصر بعد سقوط حكم مرسي بدأت تتحسن
حالات الاختفاء القسري في مصر التي يقدر من تعرضوا له منذ الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013 وحتى الآن بأكثر من ألفين.
وهو ما يعني أن النظام لا يرغب في إحداث أي بصيص أمل إلا من خلال لجان العفو الرئاسية، التي بدورها هي لحان عفو تدار عبر واسطة الأجهزة الأمنية ولا فائدة منها سوا تجميل وجه النظام وإظهاره صاحب العطف والقلب الكبير في مشهد يكشف منطق عقلية النظام القائمة على "كسر عين الخصوم كفتوة" يحكم ويبسط سيطرته على منطقة نفوذه ويكون الحكم له ولأتباعه من "الفتوات والبلطجية" وليس لقانون أو منطق إنساني، وهو ما يؤكد أن لا ثمة حلول عقلانية يريد أن يُبديها النظام أو لحلحة تنبئ بأن شيء غير العناد وترسيخ القبضة الأمنية يلوح في الأفق.

الرسالة الثانية جاءت في استمرار ارتفاع حالات الاختفاء القسري في مصر التي يقدر من تعرضوا له منذ الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013 وحتى الآن بأكثر من ألفين، يختفون ويظهرون بادية عليهم آثار التعذيب، مثلما كشفت وقدرت كثير من الحركات والمؤسسات العاملة في المجال الحقوقي، كمنظمة العفو الدولية والتنسيقية المصرية للحقوق والحريات وغيرها، حتى وصف الاختفاء القسري بأنه بات "أداة منهجية في يد النظام المصري لسحق معارضيه" كما قالت العفو الدولية.

لكن الأكثر قسوة في هذه الجريمة أنها طالت الأطفال والفتيات وكبار السن، وفق حالات موثقة، وأمر لم يكن طارئا مرة أو مرتين، بل وصل لحالات متعددة وثقتها كثير من المنظمات في تقارير سنوية وشهرية لها، يمكن الرجوع إليها بسهولة والتأكد منها.

لكن هل اقتصر سحق النظام المصري لمعارضيه ومن يقع حظهم العاثر تحت يد القوة الأمنية صدفة على الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري والحبس مدد طويلة دون محاكمات، للأسف تأتينا الإجابة سريعة هذا الأسبوع أيضا، حينما أعنلت الداخلية المصرية تصفية 3 شباب في اشتباكات الثلاثاء الماضي هذا على الرغم من توثيق ذويهم وأصدقائهم ومنظمات حقوقية، لاختفائهم قسريا منذ شهور عديدة، وهو الأمر المتكرر كثيرا أيضا، لكن توقيته هذا الأسبوع يمكن أن يُقرأ أيضا في سياق إعلان النظام عدم اكتراثه بأي أحاديث عن انفراجة في الأفق أو مصالحة يمكن أن تتم مع أي من معارضيه، أو أن قفز العديد من حلفائه السابقين من سفينته، سيعني أن ثمة مجال سياسي مفتوح لأي تنافس أو تحسن في أوضاع حقوق الإنسان.

أما ثالث الصدمات التي ألقاها النظام ومن يدورون في فلكه، فجاء عبر الحكم على إسراء خالد السعيد بالسجن 9 سنوات من قبل محكمة عسكرية، بعدما ألقي القبض عليها من بيتها فجر يوم 20 يناير 2015، واتهامها بتهم غرائبية بالنسبة لطالبة في الثالثة والعشرين من عمرها، بكلية الهندسة، كحيازة سلاح آر بي جي، وحرق مزرعة ضابط وحرق محولات كهربائية، للتعرض لأسوأ حالات القهر النفسي بموت والدها في السجن بفعل الإهمال الطبي وعدم تمكنها من حضور جنازته، وذلك بحسب توثيقات ذويها والمتابعين لقضيتها.

والحكم على الرغم من تشابه مع أحكام عسكرية أخرى بالجملة، إلا أن الظروف المحيطة "بقتامة" كهذه، تظهر لنا كيف أن "القسوة" بلغت مداها في الأحكام والظروف التي يوضع فيها المعتقلين على الرغم من تراجع المعارضة الشرسة لعبد الفتاح السيسي ونظامه، ومرور أكثر من 3 سنوات من استيلاءه على السلطة، الأمر الذي يعني أنه لا ثمة احتياج لهذه القسوة كلها، إلا شعور النظام والسيسي بأنهم في تهديد دائم أو شعور بتجبر رهيب، أو كلاهما معاً.

جميع ما سبق وغيره جرى الأسبوع الماضي فقط، مع استمرار توارد أنباء عن سيطرة المؤسسة العسكرية على مشروعات عسكرية مدنية بشكل مباشر وتنافسي في المجال العام المدني، وظهور معارك وما يسمى "بفضائح" رجال أعمال أو شركات عاملة في المجال الاستثماري قبل أن تعلن المؤسسة العسكرية عن ظهور نفس المنتج لديها أو بالشراكة مع أحد رجال الأعمال القريبين منها، وما يعني ذلك من حروب تكسير عظام "اقتصادية-استثمارية" لا تنبئ بأي شفافية أو احتكام للقانون أو الرغبة في الانسحاب من المجال العام الاقتصادية لأجل تعزيز التنافسية.

لذا فإن خلاصة القول ونحن على مشارف عام جديد، فإنني ممن يؤمن بأن هذا النظام لن يترك لأحد الفرصة لمنافسته أو حتى الإعلان عن نواياه بمنافسته، بعدما باتت تحكم الأجهزة الأمنية بشكل مباشر وليس عبر وكلاء، وغاية ما يجري أن ثمة تنافس على "كعكة" السطلة والاقتصاد بين "الكبار"، إلا فقط إذا كان على طريقة تأدية دور "الكومبارس" المحدد دوره سلفا وليس حتى مجرد "كومبارس" ارتجالي.

جزء من الحل بشكل إجمالي، هو بناء تراكم الغضب جزئيا عبر مقاطعة النظام سياسيا، والتركيز على فضح كل ممارساته يوما بيوم.
ومن هنا فأنا لا أذهب مع كثير من الأصدقاء والزملاء بأن السعي لتأسيس "حزب سياسي" سيكون في صالح أي انفراجة أو حلحلة في الأفق السياسي، وأن أي عمل سياسي مباشر كالمنافسة على الانتخابات والتقدم بمرشحين لانتخابات رئاسية أو برلمانية قادمة، سيسهم في إيجاد مخرج من الحالة الموجودة الآن، بل ربما يعزز من شرعية السيسي ونظامه، ولن يتعدى دور الفاعلين "المثاليين" دور "الفأر" الموجود في المصيدة.

لذا فإن جزء من الحل بشكل إجمالي، يمكن تفصيله لاحقا، هو بناء تراكم الغضب جزئيا عبر مقاطعة النظام سياسيا، والتركيز على فضح كل ممارساته يوما بيوم، والضغط والإلحاح على القضايا غير القابلة للمساومة وذات محل الإجماع، كمنع الاختفاء القسري والإفراج عن المعتقلين ووقف التعذيب، وفضح النظام دوليا يوم بعد يوم، وعدم إبداء أي قبول له وممانعة قراراته بكافة الأدوات الممكنة والإلحاح الدائم على عدم شرعيته أو مشروعيته، وذلك حتى يجبر على فتح المجال العام السياسي بفعل الضغوط الخارجية أو تراكم الغضب حد الانفجار.

حينها يكون محاولة بناء بديل سياسي تنافسي، أو الدخول في منافسة رسمية عبر بديل سياسي تم تشكيله وتأطيره فكريا ونظريا عبر مراكمات الوعي، حقا منتزعا وليس منحة أو هبة ملقاه بيد الذل.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  حتى لا نعطي "قُبلة الحياة" للنظام المصري

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7