الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الخميس 1 ديسمبر 2016
New Page 1

رضا حمودة يكتب : رسالة مؤلمة من مجند سابق في جيش الكنانة
السطور التالية جائتني من مجند سابق بالجيش المصري رفض ذكر اسمه ، خصّني بها لأضعها بين يديّ القارىء الكريم ، عبّر فيها بكل ألم وانكسار وخيبة أمل عن حوادث مؤلمة عاشها أثناء فترة خدمته ، ساهمت في تغيير الصورة النمطية المشرّفة والمشرقة لجيش الكنانة إلى الأسوأ ، أضعها أمام القاريء الكريم كما هي دون تدخل مني ، فمضمون الرسالة قد لا يكون صادماً ، وربما ليس جديداً على الآلاف والملايين من الشعب المصري ممن التحقوا بالخدمة في جيشهم ، وشاهدوا ما يحدث داخل تلك المؤسسة عن قرب ، وعايشوا بأم أعينهم كيف أن الواقع مغاير تماماً لما يتم تصديره اعلامياً للعقل الجمعي المصري والعربي أيضاً.. وإليكم نص الرسالة:
كنت شاب مثل كل الشباب حماسي زيادة ووطني شوية ممكن ومنظم جداً ممكن تقول زيادة عن اللزوم تخرجت من كلية الصيدلة وبصراحة يا سيدي كان نفسي أدخل الجيش لأنني من النوع المنظم جداً جداً ومحسوك جداً جداً وكنت ناقم على ميعاد ولادتي لأنني ولدت فى عام 67 وكان عمري وقت حرب أكتوبر خمس سنوات وعندما كنت أشاهد الأفلام المصرية كالرصاصة لا تزال في جيبي وملاحم حرب أكتوبر والعبور ووالله أكبر ونصر أكتوبر73 وأرى نفسي وأن أكاد أقفز داخل شاشة التليفزيون لكى أشارك هؤلاء البواسل في سحق إسرائيل.
وعلى هذا كان نفسي أدخل الجيش كى أرى التدريب وأرى الرجال والعسكرية المصرية و........و........... و...............وما إلى ذالك من الشعارات البراقة والجذابة.. ولقد حان الوقت ودخلت الجيش عام 91 ومن فرط حبي فى الجيش فى مركز التدريب كنت أنام بالبيادة لكى أكون على أتم الأستعداد لنداء صول أو عريف التدريب في الصباح الباكر لكى نقوم بالتدريبات الشاقة والذي سوف يعلمنا اللياقة البدنية والرجولة والصمود والدفاع عن النفس والأجهاز على الأعداء والشهامة والتدريب أيضاً على أحدث الأجهزة والمعدات العسكرية ولكن هيهات يا سيدي فبداية القصيدة كفر كما يقولون.
فلقد كنا حوالي 90 مجند جدد ومنذ اليوم الأول للتدريب فلقد وجدت أن الجنود الجدد تتسرب واحداً تلو الآخر في أجازات مع علمى التام أنه لايوجد في مراكز التدريب أجازات وذلك عن طريق الواسطة بمعنى أننا كنا 90 مجند جدد ...بعد أسبوع بالتمام والكمال وجدت زملائي حوالى 40 مجند فقط والباقي كلهم أجازات ..كيف لا أدري !!!! ولقد رحلت إلى الكتيبة العسكرية الخاصة بي في الجيش الثالث الميدانى وليتني ما رحلت وليتني ما رأيت ما رأيت وشاهدت ما شاهدت !!!.
فلقد كنت مسؤولاً عن الصيدلة الخاصة بالعيادة للكتيبة كاملة ويحضر لي من آن لآخر رئيس الشؤون الادراية الرائد محمد عبد الوهاب القائد المباشر لي ويسألني ماذا كانت طلبية الأدوية قد جاءت أم لا ؟ وعندما يعلم أن الطلبية جاءت يأمر أحد الجنود بأن يأخذ كميات من الأدوية بالكراتين وأغلى أنواع المضادات الحيوية ومضادات الالتهاب والمسكنات وغيرها وغيرها والمحاليل والشاش والقطن وما إلى ذلك من الأدوية ثم يأخذها في سيارته الخاصة تمهيداً لبيعها خارج الجيش لصيدلية من الصيدليات المدنية ثم يقبض ثمنها في جيبه.
ثم يطلب منى أن أكتب وصفات أو ما يسمى بأورنيكات أن العساكر كانت مريضة وأخذت كل هذه الأدوية وهذا لم يحدث. ثم يأخذ الطبيب البشري المجند المسؤول عن الوحدة لكى يقوم بعلاج أولاده. ويأخذ الحلاق يحلق لأولاده ولا يوجد من يحمل فى يده مهنة من العساكر(سباك- حداد- سواق- مربي مواشي– ميكانيكي- نقاش) إلا ويعمل سخرة لدى هذا القائد محمد عبد الوهاب وغيره من القادة في بيوتهم أو فى فلل خاصة بهم ودائماً لا نرى هؤلاء لأنهم في أجازات مفتوحة.
ومما أثار دهشتى وثورتي هو دخول سيارته الخاصة إلى الوحدة العسكرية لتمويلها من بنزين الجيش. جاء لي ذالك الرائد ذات يوم وطلب منى أن أذهب الى مطبخ العساكر اللى (أنا كنت منهم) وأن أشوف موضوع الطماطم لأن من الطباخين من يشتكي دائما من سوء وضعها وحالتها وبالفعل ذهبت يا سيدي إلى المطبخ وليتني ما رأيت ، والله ثم والله رأيت عفن " الأسبراجيلس " ، ومعه شوية طماطم ولم أجد أصلاً طماطم بمعنى أننى وجدت العفن وقد غطى ما يسمى طماطم بل إنك قد تجد صعوبة في النظر داخل الأقفاص عما إذا كانت هناك طماطم أم لا!!!..
وعلى الفور يا سيدى أمرت الطباخين والعساكر القائمين بارجاع الطماطم إلى المورد قالوا لي أن المورد مشي!!! ، قلت خلاص ارموها في القمامة فهي لا تصلح حتى علفا للحيوانات والله يا سيدي نظروا إلىّ نظرة استهزاء واحتقار وكأن لسان حالهم يقول (ايه العسكري النمرة الهلفوت اللى بيتكلم دا!! ) وبعدما علموا أنني الدكتور أخذوا كام قفص ورموه بالفعل وبعدما خرجت من المطبخ ارجعوا الأقفاص التى رموها من القمامة وطبخوا بها للعساكر بأمر سيادة القائد.
وكان معي من الزملاء من لا يملك مهنة سوى انه مدرس رياضة ..تصدق بالله كان يشترى للقائد بتاعة 5 كيلو لحمة وكوراع لكى يعطى له أجازة ومن بين ما شاهدتة ورأيته بأم عيني هو زميلي المجند (المهندس خالد) الذي حباه الله بالغنى والمال الوفير فكان ذالك المهندس المجند ينتظر المقدم (شمس الدين) في أجازتة الأسبوعية أمام الوحدة العسكرية بسيارته المرسيدس الفارهة ليقوم بتوصيل ذلك المقدم إلى بيته في القاهرة ويأتي به يوم السبت من كل أسبوع وعلى هذا لم نرى المهندس خالد طوال الجيش إلا نادراً.
وغير بعيداً عنك وعن الكثيرين فلقد رأينا زملاء منا يسلمون )المخل) جمع (مخلة) الخاصة بهم ولم نرهم في الوحدة العسكرية نهائيا فلقد قضوا الجيش وفترة التجنيد بتاعتهم في البيت عند ماما ، ودعك من هذا كله يا سيدى فأنا طوال فترة تجنيدي كاملة لا ولم أتعلم كيفية ضرب النار (والحق يقال كانت مرة واحدة ومصادفة وعديمة الفائدة) أو كيفية التعامل مع العدو وما الى ذلك من فنون القتال وأحدث المهارات في العسكرية المصرية ...والله قضيت عاماً كاملاً من الفشل والحسرة والألم على حال هذا الجيش...وما تذكرت منه سوى أنني كرهت الجيش وكرهت ما فيه وتركت ذكرى ملوثة بالفساد فالحقيقة أنني شاهدت كل صور الفساد في هذا الجيش ، فلقد رأيت الرشوة والمحسوبية والواسطة والسرقة والأهم من ذلك إلى الأن عندي عقدة نفسية منه ومن العسكرين بوجه عام والله على ما أقول شهيد. انتهت الرسالة وتبقى كلمة.
أتمنى أن تكون قد وصلت رسالة المجند السابق لكل ذي عقل منصف بعيداً عن العواطف والتشنجات والأحكام المسبقة على خلفية الانقسام والشرخ السياسي والمجتمعي الكبير الذي تعيشه مصر الآن ، لا سيما مع الضجة التي أثيرت حول " فيلم العساكر " الذي أنتجته قناة الجزيرة ، وحتى لا يضيع منا الطريق ، ويتحول المشهد إلى شفير كارثة محققة ، ونسنتيقظ على هزيمة كبرى تضاف لسجل هزائمنا المتراكمة نتيجة للعيش في نرجسية زائفة تُورد المهالك ، وعُجب بالذات دون وجه حق!.
رضا حمودة
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  رسالة مؤلمة من مجند سابق في جيش الكنانة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7