الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
السبت 26 نوفمبر 2016
New Page 1

فهمي هويدي يكتب: الأزمة أكبر من النقابة
أهم وأسوأ خبر خرج من القاهرة فى الأسبوع الماضى كان الحكم بحبس نقيب الصحفيين مدة سنتين، ومعه اثنان من أعضاء مجلس الإدارة، هو أهم لأنها سابقة هى الأولى من نوعها فى التاريخ المصرى المعاصر. وهو أسوأ لأن دوِيُّه لطخ سمعة مصر فى العالم الخارجى وسحب الكثير من رصيد نظامها الذى صار من الصعب الدفاع عنه فى مجال الحريات. وإزاء سيل التعقيبات التى نشرت فى وسائل الإعلام وتداولتها مواقع التواصل الاجتماعى فإننى خشيت ألا نضع الحدث فى سياقه الطبيعى. ذلك أننى أتفهم جيدا مبررات الغضب الذى انتاب الجماعة الصحفية فى مصر وخارجها، بل أرى أن الغضب ضرورى وواجب، وهو أضعف مراتب إنكار المنكر الذى وقع. وقد شاركت فيه وتضامنت معه، إلا أننى أزعم أن ما أصاب نقيب الصحفيين ينبغى أن يقرأ من زاوية أشمل وأوسع. ذلك أن الواقعة الصادمة جزء من الواقع المحزن. آية ذلك أننا إذا تتبعنا سلسلة الأحداث التى شهدتها مصر خلال الأسبوع الأخير فسوف تتراجع دهشتنا وربما خف شعورنا بالصدمة أيضا. بكلام آخر فإن الرسائل التى تلقيناها فى ثنايا تلك الأحداث تجعل من الخبر المثير أمرا واردا وامتدادا طبيعيا. وهذه نقطة تحتاج إلى تفصيل.

ذلك أننا بدأنا الأسبوع وأصداء مشروع قانون الجمعيات الجديد تعكر الفضاء المصرى، من حيث أنه أحبط أملنا فى أن تقوم للمجتمع المدنى قائمة، وأقنعنا بأن ثمة قرارا مضمرا بتأميم النشاط الأهلى وإخضاعه لسيطرة الأمن. وفى تلك الأجواء تنامت إلى أسماعنا صيحات المستغيثين من حملة الترويع والتعذيب التى تعرض لها نزلاء سجن برج العرب، الأمر الذى دعا أهالى المسجونين إلى التظاهر على سلالم نقابة الصحفيين فى القاهرة. فى الوقت ذاته تفجرت قضية المواطن مجدى مكين الذى أصرت أسرته على أنه مات تحت التعذيب فى قسم المطرية، وقد أثارت القضية الانتباه حين شارك وفد من الكنيسة القبطية لعزاء أسرته، فى حين أن قتيل البدرشين عادل وحيد الذى أصرت أسرته على أنه مات تحت التعذيب أيضا مر كخبر عادى تداولته السوشيال ميديا. بعد ذلك قرأنا عن منع الناشطة والمحامية عزة سليمان رئيس مجلس أمناء مؤسسة قضايا المرأة من السفر للخارج مع مصادرة حساباتها المالية. كما منعت من السفر أيضا الدكتورة عايدة سيف الدولة الناشطة الحقوقية وعضو مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب. واختتم الأسبوع بمنع سفر الإعلامى عمرو الليثى عقابا له على بثه شهادة سائق التوك توك فى برنامجه التليفزيونى.

حين وقعت الواقعة فى هذا السياق، فإن ذلك نبهنا إلى أن الأزمة متجاوزة نقابة الصحفيين، وأن دائرة التعسف والقمع أوسع مما تشى به الأحداث المتفرقة. ولئن كان الذى ذكرته مجرد عناوين لحصيلة أسبوع واحد، إلا أنه فى حقيقة الأمر يمثل صفحة فى سجل دفتر أحوال مصر، الذى لم يكن الأسبوع الأخير استثناء فيه.

إننا إذا وضعنا أحداث الأسبوع جنبا إلى جنب فسنجد أن ثمة قاسما مشتركا بينها، يتمثل فى تغول المؤسسة الأمنية التى باتت تستهدف قمع منظمات المجتمع المدنى والمدافعين عن حقوق الإنسان فى الوقت الذى تشيع فيه الانتهاكات بحيث لم يعد يسلم منها أحد. وتلك خلاصة إذا صحت فهى تعنى أن المشكلة فى الإدارة السياسية التى توجه المؤسسة الأمنية.

لا أريد أن أهون من خبر حبس نقيب الصحفيين بعد اقتحام الشرطة للنقابة، ولكننى فقط أدعو إلى اعتبار ما جرى من أعراض داء عضال أصابنا. وأن تلك الأعراض ظهرت بأشكال مختلفة فى العديد من مجالات العمل العام كما ضربت مختلف طبقات المجتمع من البائع المتجول إلى نقيب الصحفيين. من ثم فالمشكلة لا تكمن فقط فى الدفاع عن كرامة نقابة الصحفيين لأن ما تعرضت له من مهانة وإهدار هو فرع من أصل يتمثل فى إهدار حقوق الإنسان المصرى والاعتداء على حقه فى الحرية والكرامة، الذى خرجت ثورة يناير ٢٠١١ دفاعا عنه.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الأزمة أكبر من النقابة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7