الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الجمعة 25 نوفمبر 2016

جمال سلطان يكتب : خيبة الأمل في حديث السيسي بالبرتغال
كان محبطا جدا على أكثر من مستوى ، ذلك الحديث الذي أجراه الرئيس عبد الفتاح السيسي مع التليفزيون البرتغالي على هامش زيارته ، والتصريحات التي قدمها فيه ، والتي تراوحت ما بين المراوغة والصدمة الحقيقية ، وقد كان الأمر مدهشا أنه يتابع قضية نقابة الصحفيين بالتفصيل ويدافع عن ما آلت إليه الأمور من حبس النقيب واثنين من أعضاء مجلس النقابة ويشرح لمحاوره مبررات ذلك ومنطقيته !! ، ورغم أنها سابقة لم تحدث أبدا مع أي نظام مصري سابق من أيام الملك وحتى اليوم منذ نشأة نقابة الصحفيين ، بما يشير لفداحتها وخطورتها ، إلا أن السيسي دافع عنها بهدوء مثير أقرب لتبنيها دون أن يشغل باله حتى بإعطاء أي أفق سياسي دعائي للبحث عن حل للأزمة ، كما كان يفعل في مؤتمر الشباب بشرم الشيخ ، النقيب وأعضاء مجلسه مجرمون ارتكبوا جرائم جنائية لا صلة لها بحرية التعبير والقضاء قرر سجنهم ، ما المشكلة ؟! هكذا لخص الرئيس القضية ، والجميع يعرف أن القضية تفجرت أساسا بعد المظاهرات الصاخبة التي انطلقت من أمام نقابة الصحفيين في أعقاب قضية تيران وصنافير ، وكانت المظاهرات المدنية الأكبر والأكثر تأثيرا ضد السيسي منذ توليه السلطة ، وقد تم التنكيل بالصحفيين وغيرهم بعدها وملاحقة اثنين من الصحفيين بتهمة التحريض على تلك المظاهرة ، ثم كان البيان شديد اللهجة وغير المسبوق من النائب العام يحذر النقيب ، ثم كان ما كان من التصعيد وتحريك اتهام النقيب بإيواء مطلوبين ـ وهما الصحفيان ـ في النقابة .

لقد تكلم السيسي عن الواقعة من موقع القائد العسكري أو الأمني وليس القائد السياسي متجاهلا أن العالم يدرك تماما كيف تدار الأمور في مصر ، وأنه كان ينتظر أن يسمع كلاما أكثر معقولية ، كما أتت إجاباته على الأسئلة المتعلقة بالمسجونين السياسيين وقضايا التعذيب نموذجا للهروب والمراوغة ، ومن غير أدنى اهتمام بأن يصدق أحد الكلام ، لا داخل مصر ولا خارجها ، فهل هناك عاقل في مصر أو العالم يصدق أن المسجونين السياسيين هم في حدود خمسمائة شخص ، إن رقم الخمسمائة هم أقل من حمولة حكم قضائي واحد في قضية واحدة نالوا فيها جميعا حكم الإعدام في الواقعة الشهيرة ، فأن يأتي الرئيس ليقول أن عدد المساجين في جميع تلك القضايا والأحداث هم خمسمائة فهو كلام غريب جدا ، وأيضا عندما يسأل عن التعذيب فتكون الإجابة أن القانون يمنع التعذيب وأي متورط فيه يحاسب ، فهو مراوغة ، لأن السائل لا يسألك عن "نص" القانون ولا نص الدستور ، فما أجمل النص وأبشع الواقع ، وإنما هو يسأل عن وقائع ضج بها العالم بعد أن وثقتها المنظمات الحقوقية المصرية والدولية بما في ذلك المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي أنشأته السلطة ذاتها وتنفق عليه وتعتبره مؤسسة رسمية ، كما أن السائل لا ينتظر خطبا أو قواعد نظرية عن مسئولية الرئيس وأنه "مسئول" والتي كررها مرارا في الحوار ، وإنما ينتظر أن تعطيه أمثلة واقعية عن توقيف متهمين بالتعذيب ومحاكمتهم ومعاقبتهم فعليا ، وهو ما لم يحدث ، وهو ما يفهمه العالم ـ بداهة ـ بأنه تستر على التعذيب ، مهما حدثتهم عن نصوص القوانين والدساتير .
أخطر ما ورد في حديث السيسي من وجهة نظري هو حديثه عن دعم جيش بشار الأسد في سوريا ، والمفارقة تأتي من أن هذا الكلام يصدر منه في نفس الوقت الذي تعلن فيه الإدارة الأمريكية أسماء قرابة عشرين قائدا كبيرا من ذلك الجيش في ما أسمته "قائمة العار" لمجرمي الحرب ، الذين قتلوا المدنيين ونكلوا بهم ، فيأتي رئيس مصر ويقول أن هذا الجيش المجرم القاتل ينبغي دعمه ، وجيش بشار الذي أصبح حالة وهمية ، لأن القتال في سوريا الآن تديره ميليشيات لبنانية ـ حزب الله ـ وميليشيات عراقية ، إضافة إلى الجيش الإيراني والحرس الثوري الإيراني ، إضافة إلى الجيش الروسي الذي يسيطر على الفضاء السوري بالكامل تقريبا الآن وهو الذي يقرر المعارك أو الهدنات أو توقفها ، كما أنه لا يخفى أن جيش بشار الذي تحول إلى ميليشيات دموية طائفية مجرمة يحظى باحتقار وإدانة العالم كله ، ويتعرض للعقوبات من الشرق والغرب ، باستثناء حلفاء بشار الطائفيين ـ إيران والعراق وحزب الله ـ والاستعمار الروسي الجديد بطبيعة الحال ، فأن تأتي وتعلن بصراحة وهدوء أنك تدعم هذا الجيش المجرم وتطالب الآخرين بدعمه فتلك مصيبة .
أيضا ، لا يخفى على أحد أن دول الخليج العربي تنظر إلى بشار الأسد وجيشه باعتبارهما الآن خطرا وجوديا عليها ، وهذا يشمل حلفاء السيسي نفسه الذين دعموه وحموه اقتصاديا وضخوا في شرايين اقتصاده عشرات المليارات من الدولارات لمنعه من الانهيار وحماية نظامه من السقوط ، وهذا يشمل السعودية والإمارات والكويت والبحرين ، ويقوم هؤلاء بدعم قوى المعارضة والجيش السوري الحر الذي يواجه جرائم جيش بشار ، فأن تعلن دعمك لجيش بشار في تلك المواجهة ، فهذا يعني بداهة أنك تخوض الحرب ضد السعودية والإمارات ، وهذا مستوى من الأداء السياسي خرافي في تخبطه وعبثيته ، هذا إذا تجاهلنا البعد الأخلاقي والإنساني في الموقف مما يجري في سوريا ، فالعار سيلحق كل من سكت عن جرائم نظام بشار ضد ملايين شعبه قتلا وتشريدا وحصارا وتدميرا للمستشفيات والمساجد والمدارس والبيوت ، فضلا عمن يرى دعم مثل هذا النظام الطائفي الإجرامي وجيشه الذي يدير آلة الوحشية والدم تلك على مدار خمس سنوات حتى الآن .

 
 
   Bookmark and Share      
  
  خيبة الأمل في حديث السيسي بالبرتغال

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7