الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الخميس 17 نوفمبر 2016

سليم عزوز يكتب: ظهور المشير.. الدلالة والأثر!
لم يشأ يوم 11/11، أن يمر دون حدث كان الأبرز فيه، وهو حضور المشير محمد حسين طنطاوي، وزير الدفاع الأسبق، ورئيس المجلس العسكري الحاكم، بعد تنحي مبارك، إلى ميدان التحرير، وهو ما طرح سؤالاً حول دلالة هذا الحضور، وما يمكن أن يرتبه من أثر!

لم يكن هناك جديداً في هذا اليوم إلا هذا الحضور للمشير طنطاوي، فقد اختفت حركة "غلابة"، ولم نعثر لها على "جرة"، وظهر الإخوان المسلمون بعدد أكبر من المتظاهرين عن كل جمعة، كما حضر الجيش والشرطة والمدرعات والمصفحات، وتم الاستيلاء على كل الميادين والشوارع الرئيسة، وبدا التواجد الأمني في القاهرة والإسكندرية بأعداد، لا تعطي فرصة لأي مخاطرة أو مغامرة. وكالعادة فإن القوى المدنية، التي تمثل الكفاح الفاشل، أرجعت هذا الفشل إلى الإخوان المسلمين، في إيحاء بأن مشاركة هذه القوى في التظاهر كانت متوقفة على قرار الجماعة بالنزول، فهم يملكون مفتاح الثورة، لكنهم لا يريدون أن يبرزوه في حضور الجماعة!

في يوم بدت ملامحه متوقعة ، حضر المشير على غير المتوقع، ولعل غير المتوقع فيه هو وجود مظاهرات سترت عرض هذا اليوم، وإن مثلت مجرد غطاء لستر العورات التي تبدت للناظرين، من دعوة مجهولة لحركة تتكون من فرد يديرها من الخارج، ثم يراد لـ "الغلابة" أن ينخرطوا فيها، وإلا جرى اتهامهم بالخنوع والجبن!

وبحسب معلوماتي فإن هذا "الفرد" عندما سئل إن كان يريد أن يناقش الإخوان في دعوته، فقال إنه لا يريد ذلك إلا بعد حضور الجماهير، فانظر كيف ستكون الفضيحة لو لم تحدث مظاهرات الإخوان المحدودة!

النزول الأول
ظهور المشير محمد حسين طنطاوي، مثّل بالإضافة إلى أنه الحدث الأبرز في هذا اليوم، فإنه يعد الظهور الثاني شعبياً له، وكان الأول عندما خلع بزته العسكرية، ونزل لوسط القاهرة بملابس مدنية، عندما كان على رأس السلطة، في إشارة لا تخطيء العين دلالتها، وسط دعوة لمد فترة الحكم العسكري التي طالت أكثر من المتفق عليه، ولو باللجوء لاستفتاء الشعب على هذه الخطوة، وتم الترويج لها من قبل مقربين من العسكر، مثل ضياء رشوان، الذي قال في برنامج تلفزيوني إن المجلس العسكري لو طرح الأمر للاستفتاء فإنه سيكون قد وضع الثوار في موقف حرج، لاعتقاده أن نتيجته ستكون لصالح استمرار المجلس العسكري في الحكم، وقد ارتفعت أصوات المتظاهرين في "التحرير" بالهتاف بسقوط حكم العسكر، وإن قام المشير بارتداء الملابس المدنية، وفي المواجهة تكون هناك عبارات حاسمة تبدو كأنها إلهاماً إلهياً، ينهي المناقشات بطرف كلمة!

لقد ظل أنصار مبارك ثلاثين سنة يرددون أن شرعية مبارك في الحكم والاستمرار فيه، مستمدة من انتصار أكتوبر، في وقت جرى التنكيل فيه بالقادة الحقيقيين لهذا الانتصار، ومن الفريق سعد الدين الشاذلي، إلى الفريق محمد عبد الغني الجمسي. وإذ بدت حجة مبارك قوية، في مواجهة معارضة لم تنجح في الرد عليها، بعد أن جرى اختزال أكتوبر في الضربة الجوية، وهذه الضربة في شخص مبارك، فجاء محمد حسنين هيكل ليقول في مقابلة له على قناة "الجزيرة": إن شرعية الحكم الحالي لا يجوز أن تستمد من انتصار أكتوبر فـ "الضربة الجوية هى عمل من أعمال الوظيفة".

مما قلته في الرد على فكرة الاستفتاء، أننا لم نأت بالمجلس العسكري باستفتاء لنتخلص منه باستفتاء، وإذ شاركت ليلتها في أكثر من برنامج تلفزيوني فقد كنت حريصاً على ترديد العبارة حتى تقطع قول كل خطيب!

الوعد الضائع
كان الوعد بأن المرحلة الانتقالية، لن تزيد عن أكثر من ستة شهور، فاستمر حكم المجلس العسكري لأكثر من سنة ونصف السنة، وعندما بدا أن مصر تطوي هذه الصفحة بانتخاب الرئيس، كان المجلس العسكري قد نفذ حكم المحكمة الدستورية العليا بحل مجلس الشعب والمعلن عنه قبل صدوره، من خلال تصريحات كمال الجنزوري رئيس الوزراء بأن حكم الحل في درج مكتبه، وعليه قرر العسكر أن سلطة التشريع قد عادت إليهم، وقد أنهى الدكتور محمد مرسي ازدواجية السلطة، بإقالة المشير طنطاوي ورئيس أركان الجيش سامي عنان، وتعيين عبد الفتاح السيسي وزيراً للدفاع، واحتفظ الرئيس لنفسه بسلطة التشريع، إلى أن انتقلت إلى مجلس الشورى.

وخلال هذه الفترة كان طنطاوي هو الحاضر الغائب، فقد مارس عبد الفتاح السيسي الخيانة معه بالوشاية به عند الرئيس محمد مرسي، في وقت يحرص أن يبدي ولاء لطنطاوي، الذي قيل أنه كان ينظر إليه على أنه ابنه، وكان هناك سعي على الحفاظ على مكانة الرجل، فلا يتعرض للإهانة فتصدر التعليمات من الرئاسة بعدم التصرف في بلاغات قدمت ضده تتهمه في وطنيته، ومنها البلاغات التي تقدم بها سمير صبري المحامي، الذي اكتسب شهرته من بلاغاته ضد الإعلاميين الذين يعارضون الآن الانقلاب في الخارج!

وكان السيسي حريصا على أن يبدو أمام طنطاوي أنه لم يخنه بالغيب، فتم بناء مسجداً باسمه، وإطلاق اسمه على نفق، كما نفق الشهيد أحمد حمدي، مستغلاً في ذلك عدم رغبة الرئيس محمد مرسي في الفجر في الخصومة!، ولست في معرض تقييم هذا السلوك من حاكم كان يظن أنه فتح مكة، فليكن شعاره: " اذهبوا فأنتم الطلقاء" بينما مكة لم تفتح بعد!

منذ أن تم تنصيبه رئيساً فإن السيسي يدعو طنطاوي في كثير من المناسبات الرسمية، فيغطى على الخيانة بالمبالغة في الاحتفاء، حيث يظهر المشير كما لو كان في فرح ابنه، وباعتباره ولي أمر السيسي، فهل هذا الظهور فعلاً كان كرماً من السيسي وأن الحضور كان بصفته ولي أمره فعلاً؟!
لاشك أن الإجابة هي التأميم على ذلك، قبل هذا الحضور المفاجئ في ميدان التحرير، والذي بدا مرتباً، من حيث الالتفاف الجماهيري حول الزائر، وبالأسئلة المطروحة عليه، فليست هذه الدعوة الأولى لمظاهرات فشلت ليحضر المشير ويكون بحضوره دليلاً على فشلها!

السؤال عن عنان
لم تكن الصور المنشورة للميدان قبل هذا الحضور توحي بوجود أحد غير قوات الأمن، إلا هذا الشاب الذي اقترب من المشير ليسأله عن الفريق سامي عنان؟، وقد كان يقف بمفرده يحمل صورة علم مصر بجانب صورة عبد الفتاح السيسي، في مشهد كان باعثاً على السخرية في وسائل التواصل الاجتماعي، من هذه الشعبية الجارفة للسيسي الذي يحكم مصر بالحديد والنار!

عندما سئلت إن كان الحضور بتنسيق مع السيسي أجبت من فوري بـ (لا)، فليس من مصلحة السيسي أن يظهر الرجل الباقي من زمن الدولة المصرية القديمة، إلا ضمن حاشيته، فيستفيد بوجوده بنفي تهمة الخيانة التي تؤرقه حد البوح بأنه لم يخن وتكرار هذا أكثر من مرة وبدون مناسبة (فيما يختص بخيانته لمرسي)، لكن هذا الظهور كاشفا عن رسالة لها مغزاها، فالمشير يريد أن يقول إنه البابا، أو الولي الفقيه، وإن "عقدة النكاح" بيده، فإذا وصلت البلاد إلى طريق مسدود، فإن هناك قمة على رأس الدولة ينبغي اللجوء إليها، وهى رسالة للخارج أكثر من كونها رسالة للداخل، لاسيما مع تواتر الرسائل الخارجية بأن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر!

سؤالان مجرد طرحهما يحمل دلالة مهمة فضلاً عن الإجابات، الأول كان أقرب للمطلب الخاص بإعدام الإخوان،
وإجابة المشير المتصالحة برفض الإعدام والتلميح إلى التعايش. والثاني الخاص بالفريق سامي عنان، وإجابة طنطاوي بأنه في البيت بعد أن كبر، وهى رسالة لدوائر خارجية تطرح عنان بديلا، وهو لم يفقد الأمل إلى الآن وإن كان يفتقد لشجاعة الدخول في مواجهة مع السيسي، فينتظر تعيينه باتفاق خارجي مع الأطراف الداخلية!
العلاقة بين طنطاوي وعنان، لم تكن على ما يرام في عهد مبارك الذي كان حريصاً على أن يجمع حوله "الإخوة الأعداء"، فلم يكن كذلك طنطاوي على وفاق مع اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات العامة، أو الفريق أحمد شفيق وزير الطيران وأخر رئيس حكومة في عهد مبارك، وهذه الكراهية هي التي حالت دون استمرار سليمان في الحكم بعد تنحي مبارك، وعلى غير المتفق عليه، كما حالت دون ترشحه للرئاسة، وهي السبب في شعور أحمد شفيق بأن الانتخابات الرئاسية زورت ضده لصالح محمد مرسي!

الأسد العجوز

لقد خرج الأسد العجوز للشارع، وما يؤكد أن خروجه ليس متفقًا عليه، هو هذا الهجوم الذي وجهته ضده "لميس الحديدي" في برنامجها والذي ينحدر لمستوى الإهانة، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بتوجيه، فمن يجرؤ على التطاول على شخص يحتفي به السيسي، ويدعوه في مناسبات كثيرة، ويعامله على أنه "ابنه البكري"، ومن أدراها أن لا يكون هذا الحضور باتفاق مسبق بين السيسي؟ وطنطاوي لم يكن مباحاً الهجوم عليه في عهد محمد مرسي نفسه، لدرجة عزل رئيس تحرير جريدة "الجمهورية" لمجرد نشر خبر يقول إن النائب العام أصدر قرارا بمنع المشير من السفر، وهو أمر كان يمكن تداركه بنفي الخبر، لكن التشدد في العقوبة كان رسالة لمن يظن أن العين يمكن أن تعلو على الحاجب!
عندما قامت إحدى الصحف الخاصة في العامين الأخيرين بحملة صحفية ضد الفريق أحمد شفيق، وبشكل لافت سألت فعرفت من مصادري أنها حملة موجهة، فمثل هذه الحملات لا يمكن أن تكون اجتهاداً، في بلد صار فيه الاجتهاد الصحفي مخاطرة!
ومهما يكن، فكون المشير طنطاوي، هو "الكبير" بالمفهوم الصعيدي في مصر، فإن هذا لا يمنع من أنه يمكن أن يدفع ثمن هذا الحضور، بالعمل على تغييبه عن المشهد!
سنرى ما سيحدث.
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 ظهور المشير.. الدلالة والأثر!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7