الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
السبت 12 نوفمبر 2016

احمد تعيلب يكتب .. جلد الذات المصري
مصر، هذا المربع الجغرافي الذى لم تتغير فيه التركيبه السكانيه تقريبًا على مر التاريخ، هذا الاسم الذى خلد في الكتب السماوية منذ القدم، بلد الـ7000 سنة حضارة، مصر النيل والأهرامات، مصر التنوع والثقافة، مصر الأديان.
كل هذا من الممكن أن تسمعه من المصريين، وهم يفتخرون بموطنهم، وبلدهم التى ليس لها مثيل في نظرهم، فالسمة المشهورة في الطبع المصري أنه يكثر من المدح حين يمدح، ويسرف في الذم حين يغضب، فحين يتكلم المصري عن بلده تجده يتجه ببلده إلى عنان السماء، ويمدح كثيرًا لدرجة أنه ينسب أشياء عظيمة لنفسه، ليست من صنع سواعده، ولا من عبقرية تفكيره، ولكن إذا نظرنا في عمق التاريخ نظرة بسيطة سنتوقف معًا عند سنة 232 ق.م. هذا التاريخ هو تاريخ دخول الإسكندر الأكبر المقدوني مصر، وطرده للفرس، واستيلائه على البلاد، ولايخفى سرًا عليكم أن مصر لم يحكمها مصري منذ ذلك التاريخ، حتى سنة 1952 ميلادية، حين قامت حركة الضباط الأحرار من داخل الجيش المصري آنذاك، فمنذ تاريخ دخول الإسكندر الأكبر مصر توالت على البلاد كثير من الممالك، والأمم؛ فقد حكمها بعد الإسكندر المقدوني البطالمة الإغريق، ثم بعد ذلك وقعت تحت الحكم الرومانى، ثم الفتح العربي الإسلامي، وخلاله توالت كثير من الدول على مصر، كالدولة الإخشيدية، والدولة الطولونية، والدولة الفاطمية، والدولة الأيوبية، ودولة المماليك، ثم بعد ذلك تحت حكم الدولة العثمانية التركية، ثم «محمد علي باشا»، وأسرته، وهو أرميني الأصل، ثم أخيرًا الاحتلال الإنجليزى قبل أن تحصل مصر على استقلالها، وجلاء الإنجليز رسميًا عن مصر عام 1956 ميلادية، أكثر من 2300 سنة تحت حكم غير المسالمين، غير المكترثين، والحقيقة أن تلك الممالك، والدول التى حكمت المصريين، قد أضفت كثيرًا من التراث الحضاري المتنوع لهذا البلد، والذي لا دخل للمصريين فيه، لدرجة جعلتنا نتساءل: ماذا فعل المصريون لأنفسهم منذ سنة 232 ق.م، وحتى الآن؟
ومع ذلك تجد ظاهرة غريبة عند كثير من المصريين، ممن ينسب بعض هذا التراث الحضارى للمصريين أنفسهم، إما بدون قصد، أو جهلًا أو تكبرًا، دعونا نغُص في التاريخ المصري الكبير، والمتنوع جدًا، أو بالأحرى تاريخ الممالك التي حكمت مصر، لنتعرف على بعض ما قدموه وتركوه من تراث ومعالم لهذا البلد، سنذكر معًا الآن بعض هذه المعالم التي يفتخر المصريون بها دون وجه حق.
1_ منارة الإسكندرية «فنار الإسكندرية»: نشأنا منذ الصغر على أن مصر بها اثنان من عجائب الدنيا السبع، هما: الأهرامات، ومنارة الإسكندرية، وكيف أن هذه المنارة كانت عجيبة في تصميمها، وعبقرية في قدرتها على الإنارة لمسافة كبيرة في البحر، وكنا ـ كمصريين ـ نفتخر بذلك، ولكن هذا فخر ليس في موضعه؛ لأن هذه المنارة لا دخل للمصريين بها؛ فقد أنشئت في عصرالبطالمة، في عهد بطليموس الثاني سنة 280 ق.م، وقد بناها المعماري الإغريقي «سوستراتوس»، وهي الآن غير موجودة، ففي عام 1303 م ضرب زلزال الأسكندرية، وقضى على أسوارها ومنارتها.
2_ مكتبة الإسكندرية: معلوم لدى كثير من الناس أن مكتبة الإسكندرية الحالية هي امتداد للمكتبة القديمة التي كانت موجودة منذ 2300 سنه تقريبًا، والحقيقة أن المكتبة القديمة كانت زائعة الصيت، وكانت من كبرى المكتبات على مستوى العالم وقتها إن لم تكن الأكبر لما كانت تحويه من مئات الآلاف من المجلدات، وهي تعتبر أقدم مكتبة حكومية عرفها التاريخ، وأتذكر تسجيلًا للدكتور «زويل» ذات مرة، حين قال بفخر لأصدقائه الغربيين: إنه خريج أقدم جامعه في التاريخ، وهو يقصد بذلك جامعة الإسكندرية، ولكن من قام بإنشاء تلك المكتبة، ومن هم تلاميذ تلك المكتبة، وعلماؤها الذين أناروا المكتبة بعلومهم، وجعلوها زائعة الصيت حتى الآن؟ اختلف المؤرخون فيمن شيدها، يقال إنه الإسكندر الأكبر، ويقال إنه بطليموس الأول أو بطليموس الثاني، وجميعهم بالطبع غير مصريين، أما العلماء الذين أنتجوا كتبًا وعلومًا فيها، وتخرجوا منها، فهم كثر، ومنهم «أرخميدس»، و«إقليدس» الذي طور هندسته فيها، و«هيبارخوس» الذي شرح فيها حساب المثلثات، وطرح نظريته القائله بـ«جيومركزية» العالم، «وأريستارخوس»، وهو القائل بحركة الأرض والكواكب حول الشمس، و«أراتوسثنيس» عالم الجغرافيا، و«هيروفيلوس» عالم وظائف، وهو مكتشف أن مركز الذكاء هو العقل، وليس القلب، وغيرهم الكثيرون جدًا من أعلام العلوم والفلسفة التي أنارت العالم فيما بعد، وجميعهم بملء الفم غير مصريين، وان كانوا قد استعاروا من المصريين ورق البردي؛ لكى يكتبوا عليه علومهم.
3_ مدينة الألف مئذنه (أو القاهرة): عاصمة مصر، مدينة متنوعة حضاريًا تنوعًا كبيرًا لدرجة أنك تستطيع أن تؤرخ فيها التاريخ الإسلامي كله عن طريق مساجدها فقط من مسجد «عمرو بن العاص» الذي بني في صدر الإسلام، إلى مسجد «محمد علي باشا» الكبير، وكل هذه المساجد والمآذن ذات المعمار الرائع هي من صنع الممالك الإسلامية التي حكمت مصرعلى مر تاريخها، ولعل هذا سبب تسمية القاهره بمدينة الألف مئذنه لكثرة عدد المساجد بها، كمسجد عمرو بن العاص، ومسجد أحمد بن طولون، ومسجد السلطان حسن، وجامع الأزهر، وهو أشهرهم على الإطلاق، ونفتخر به نحن المصريين كمنارة للعالم الإسلامي، وهو الذي بناه جوهر الصقلي بأمر من الخليفه الفاطمى آنذاك «المعز لدين الله»، والذي أمره أيضًا ببناء القاهره؛ كى تكون عاصمة ومقرًا لحكمه، وغير هذه المساجد الكثيرالتي ورثناها نحن المصريين، وافتخرنا بها فيما بعد كأنها من صنع أيدينا.
4_أول خط سكة حديد في إفريقيا، وثاني خط حديد على مستوى العالم: نعم موجود في مصر، ولكن ما قصته؟ وهل للمصريين دخل فيه؟ ولماذا مصر هي تاني دولة على مستوى العالم بعد إنجلترا يقام فيها هذا الخط؟ الحقيقة أننا نفتخر في الإعلام أو فيما بيننا أننا نملك أقدم خط سكة حديد في العالم بعد إنجلترا، وحين نقارن أنفسنا ببعض الدول الحديثة أو الصغيره نفتخر بأننا نمتلك خط سكه حديد أقدم من دولتهم، ولكن هذا الفخر أيضًا ليس في محله؛ فهذا الخط أنشئ بإلحاح من الإنجليز على الباب العالي العثمانى آنذاك؛ لخدمة المصالح الإنجليزيه في نقل البريد والبضائع من الهند، أكبر مستعمرة بريطانية في وقتها، إلى مصر، ومن ثم إلى أوروبا، وقد بدأ تشغيل هذا الخط سنة 1854، وأشرف على المشروع المهندس الإنجليزي «روبرت ستيفنسون»، وهو ابن مخترع القاطره الشهير «جورج ستيفنسون».
5_قناة السويس: مشروع عظيم لربط البحرين الأحمر والمتوسط ، خدمت التجارة العالمية كثيرًا، فكرة المشروع قديمة منذ الفراعنة، حيث ربط الفراعنة البحرين عن طريق النيل بطريق غير مباشر، أما مشروع الربط المباشر، فكانت فكرة نابليون في وقت الحملة الفرنسية، لكن مهندسيه أحبطوا تلك الفكرة؛ حين أقنعوه أن منسوب البحرالأحمر أعلى من البحر المتوسط، وبالتالي، فإن مصر ستغرق كلها؛ فعدل عن الفكرة إلى أن جاء «ديليسبس» بالفكره نفسها للخديوي «سعيد»، وأقنعه بأن المهندس الذي قال بأن منسوب البحرين غير متساو كان مخطئًا؛ فوافق «سعيد باشا» على المشروع، وكان ديلسبس هو المشرف على المشروع، ومعه المهندسون الأجانب، واستخدموا الفلاحين والعمال المصريين في الحفر المهين؛ الذي مات فيه أكثر من 120 ألف مصري؛ مرضًا وعطشًا وجوعًا، ومعلوم أن القناه الآن أصبحت من معالم مصر، وأحد مصادر الدخل القومي لها، حفرها المصريون بسواعدهم، ولكنهم حفروها مجبرين، بل إن كثيرًا منهم كان يعتقد أنها عباره عن ترعة، ولم يكونوا يعرفون أنها بمثابة مشروع عظيم لربط البحرين، بل إن الدول المستعمرة لمصر هي التي فكرت في المشروع، وأدركت أهميته واحده تلو الأخرى، ومن قبلهم محمد علي باشا، صاحب الأصول الألبانية، والذي يعود له الفضل فى كثير من الأشياء التي تعيش عليها مصر حتى الآن، أما نحن ففي سبات عظيم.
6_الجيش المصري الحديث: تأسس الجيش المصرى الحديث في عهد محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، فمنذ دولة الفراعنه تقريبًا حتى عهد محمد علي لم يكن الجيش المصري في كثير من الحقب قوامه من المصريين، بل كان من جنسيات أخرى، كأتراك ومماليك وعرب وإغريق ورومان، كل على حسب فترته التاريخية، إلى أن جاء محمد علي، وأسس جيشًا من الفلاحين المصريين لأول مره منذ عهد الفراعنة تقريبًا، وأسس المدارس الحربية والصناعات الحربية، حتى أصبح الجيش المصري من أقوى جيوش المنطقه وقتها، وهو أقدم جيش نظامي حديث في المنطقة، عمره تقريبًا 200 سنة، ونفخر بذلك نحن المصريين كثيرًا، ولكن هذا الفضل يعود إلى محمد علي باشا، وسليمان باشا الفرنساوي، الذي كلفه محمد علي بتأسيسه والإشراف عليه.
هذا جزء من كثير تركته الدول والممالك التي حكمت المصريين، بعضها ما زلنا نعيش عليه حتى الآن، والآخر نفتخر به كأنه من صنع أنفسنا، فمحمد علي باشا وحده قد أعطى كثيرًا لهذا البلد؛ ففي عهده قد جعل مصر من أقوي الدول، وصنع نهضة عظيمة في شتي المجالات، زراعيًا في شق كثير من الترع والمصارف التي ساهمت في استصلاح أراضي جديدة، كترعة المحمودية، وعمل على تنظيم الري وإنشاء القناطر، وإدخال زراعات جديدة، كالقطن طويل التيلة، والذي عاشت عليه مصرمن بعده، وعاش عليه المصريون كمصدر دخل قومي لهم ولبلدهم، وزراعات أخرى كشجر التوت الذي زرعه بكثافة من أجل أن تحيا عليه دودة القز التي تنتج الحرير، كما أنه أيضًا نهض صناعيًا بمصر فى بناء السفن والصناعت الحربية وعسكريًا في إنشاء جيش وطني قوامه من المصريين. وإذا رجعنا بالتاريخ قليلًا للوراء لفترة ما قبل محمد علي سنصطدم بالحمله الفرنسية، والذي قد اكتشف أحد جنودها صدفة حجر رشيد هذا الحجر الذي كان منقوشًا عليه بثلاث لغات قديمة، هي: الإغريقية والقبطية والهيروغليفية، ليست المفارقة في اكتشاف الحجر؛ فقد اكتشف صدفه، ولكن المفارقة في اهتمام الفرنسيين والغرب بفك شفرته؛ حتى فك شفرته شمبليون فيما بعد، وعن طريقه تم اكتشاف الحضاره الفرعونية المصرية القديمة في حين إن المصريين صبوا اهتمامهم على التنقيب عن الآثار والتماثيل القديمة؛ كي يبيعوها للأجانب وتجار الآثار؛ ليكتسبوا منها المال.
كل ما ذكرته هي حقائق تاريخية الغرض من ذكرها هو أن يستفيق المصريون من ثباتهم العميق، وأن يعلموا أن حضارتهم قد توقفت منذ 2500 سنة تقريبًا، وأنهم لم يصنعوا لأنفسهم شيئًا، ولا للبشرية منذ دخول الإسكندر الأكبر مصر سنة 232 ق.م، وأن كثيرًا مما يعيشون عليه، ويفتخرون به الآن ليس من صنع أيديهم، بل إننا الان لا نصنع شيئًا تقريبًا ومعظم استهلاكنا مستورد من الخارج، فالموبايل، واللاب توب الذي تستخدمه، والسيارة التي تركبها، والسلاح الذي تدافع به عن نفسك، ليس من صنع يديك، بل إن رغيف الخبز الذي تأكله قمحه مستورد، حتى اللعبة التى يلهو بها طفلك، ليست من صنعك! استفيقوا أيها المصريون! كفاكم أغانى وطنية.
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  جلد الذات المصري

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7