الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الأربعاء 9 نوفمبر 2016

11/ 11 ثورة الغلابة ونظرية المؤامرة
عماد غانم
نظرية المؤامرة هي نظرية واردة بقوة في كثير من قضايانا، لكن حقيقتها تضيع بين المبالغين في التعويل عليها وتهويلها والمبالغين في رفضها والتهوين منها.

كم من الأحداث التي مرت بنا في تاريخنا الحديث، والتي استبان لنا بعد مرورها بكثير أو بقليل أنها كانت مؤامرة واضحة وبائنة، بل إن المتآمرين أنفسهم هم من يُفصحون عن أبعاد هذا التآمر ومخططاته في بعض الأحيان، لكنهم لا يفصحون إلا بعد مرور الزمن وتحصيل مرادهم وضعف خصمهم عن الفعل أو رد الفعل.

وإذا كان الاختلاف قائمًا حول نظرية المؤامرة في صنع الحدث بين مهوّن ومهوّل، ومدّعٍ ومنكر، فإن الاختلاف يتلاشى في مشهد ما بعد الحدث، حيث إنه من المفروض أن يتفق الجميع على أن الخصم إذا ما فاته التآمر لصنع الحدث، فإنه لا يفوّت أبدًا التآمر من أجل استغلاله وتوجيه نتائجه.

وعند الحديث عن 11/ 11، والتي نادى إليها المنادون تحت اسم «ثورة الغلابة»، فإن نظرية المؤامرة تطل كما تطل في كافة الأحداث، غير أنها تطل غير مجزوم بها وغير مقطوع باستحالتها، عندما نتابع المشهد، سنجد أن أكثر المعرّفين بهذا الحدث والشاحنين له هو أذرع النظام الإعلامية، أنا شخصيًا لم أسمع بهذا الحدث أولاً إلا من أكثر الإعلاميين ارتباطـًا بالنظام وبأجهزته الأمنية «أحمد موسى»، ولقد ظل يذكّر الناس بهذا اليوم، ويشحن له في كل حلقاته المتتابعة، هو في الظاهر يحذّر منه ويشحن ضده، لكنه في الحقيقة من حيث يقصد أو من حيث لا يقصد يشحن له ويحفّز عليه.

فكرة أن يقصد النظام للشحن لهذا اليوم فكرة كما قلنا ليست مستحيلة، ولا مستغربة من أجهزة مخابرات وأمن، تسعى وتخطط لتصل إلى أهداف قريبة وبعيدة، وتتقن هذا التخطيط في بعض الأحيان إلى حد الإجادة والإبداع، ويضل سعيها في بعض الأحيان الأخرى إلى حد الغباء والخيبة.

ولو افترضنا تآمر النظام لصنع هذا اليوم والشحن له، فإن هذا التآمر لن يخرج عن سيناريوهات أربعة.
هناك وجهة نظر تقول إن بعضًا من رؤوس هذا النظام الانقلابي هي رؤوس عميلة لنظم خارجية معادية إلى حد العمالة المباشرة؛ أي أن أجهزة مخابرات هذه النظم الخارجية هي التي صنعت هذه الرؤوس في دهاليزها منذ أزمنة بعيدة، وساهمت في تصدّرهم للمشهد المصري، وأن هذه الرؤوس العميلة المصنوعة لا يكفيها أن تستولي على حكم البلاد، ولكنّ هدفها وقصدها أن توقع البلاد في مواجهات مسلحة بين أطيافها ومجموعاتها المختلفة، من أجل أن نصل لمشهد مثيل لما وصلت إليه سوريا.

وهذا السيناريو ليس مستبعدًا البتة، وإن ممارسات النظام القمعية غير المسبوقة لتشير إليه؛ فالقتل والتصفية والتعذيب إلى حد الموت، وإدخال البلاد في حالة اقتصادية توشك على الإفلاس التام، ولا تستبعد فيها المجاعة في قابل الأيام، كل هذا ربما يكون مقصودًا ومخططـًا له، ولا ننسى أن القوى العالمية قد تآمرت على العراق وأدخلتها في أتون الحرب الأهلية، وهذا عينه ما حدث في سوريا، ويبدو أنه المقصود عينه في مصر.

ولذلك فليس مستبعدًا أن يكون الشحن الإعلامي النظامي لهذا اليوم هو من هذا الباب، يريدون بذلك أن تضطرب الأحوال ويتقاتل الناس، لتحدث الفوضى المقصودة ويعم الخراب المقصود.
ولا ننسى أن نشير في هذه النقطة إلى أن النظام يدفع بكل قوته منذ بداية الانقلاب ناحية العنف، إلا أن الإخوان بحنكة سياسية تاريخية تُكتب لهم في سجلات التاريخ بماء الذهب، قرروا ألا يسيروا وراء النظام في طريقه الذي أرادهم أن يسيروا فيه.

وسيناريو آخر يقول، إن النظام ينفخ في كثير من المناسبات الثورية، وهو يعرف أنه قد ملك الأمر واستتب له، ثم إنه ينفخ فيها إعلاميًا من أجل أن يتعلق الناس بها، ثم تأتي المناسبة الثورية، ويستطيع النظام بقوته وتحكمه وانتشاره على الأرض أن يفشل أي حراك، ويخرج اليوم الثوري بائسًا محبطـًا، فيساعد ذلك بقوة على قتل بقية الروح الثورية في نفوس الأحرار والثائرين.
ويؤكد هذا السيناريو حال الناس من بعد كل مناسبة ثورية سابقة؛ فبعد نهاية الحدث بالنهاية المعهودة، الفشل وظهور الضعف الثوري والقوة الأمنية الهائلة، يدخل الناس في حالة من اليأس والإحساس بالهزيمة، إلى حد أن يعتزل كثيرون الحراك يومًا بعد يوم.

وسيناريو ثالث يقول، إن النظام مع علمه بقوته وامتلاكه للأمر، ينفخ في مثل هذه الدعوات، من أجل أن يملأ الأجواء بالشحن والشحن المقابل، لينتهي اليوم بعد ذلك بلا شيء كما خطط له، لكنه في أعقاب ذلك يقدم على قرارات قوية، ما كان ليقدم عليها إلا في أعقاب شحن من هذا النوع.

كأن يقدم مثلاً على إعدام بعض القيادات المسجونة، ولا ننسى أن محكمة النقض قد أخرت حكمها النهائي في إعدام بعض القيادات إلى ما بعد 11/ 11 مباشرة.

كما أن المؤشرات والتسريبات والتوقعات تقول، إن النظام مقدم على قرارات اقتصادية مفجعة في أعقاب 11/ 11، كرفع الدعم وتعويم العملة المحلية لترتفع الأسعار ارتفاعًا جنونيًا غير مسبوق.
وبعد نهاية زوبعة 11/ 11، سيكون النظام في أوج قوته وجنونه، وسيكون خصومه في أضعف حالاتهم، وسيكون بمقدوره حينئذ أن يقدم على مثل هذه القرارات وغيرها.

وسيناريو أخير يفترض أن أجهزة النظام ليست على قلب رجل واحد، وأن الخلاف قائم بينها، والصراع محتدم، ولذلك فمن الوارد جدًا أن تقدم بعض الأجهزة على صناعة مثل هذا اليوم، والشحن له، رغبة في إقصاء رؤوس النظام المسيطرة والأجهزة التابعة لها.
يؤكد هذا السيناريو تلك التسريبات التي تخرج من هنا ومن هناك، والتي تدل في أقوى ما تدل عليه على أن الصراع قائم بين الأجهزة المختلفة في نظام الحكم، أو بين أجنحة مختلفة في داخل هذه الأجهزة، صراع بين أجنحة الأجهزة أو بين الأجهزة نفسها، يجعلها تخطط لإطاحة بعضها ببعض.

أيا كان ما حدث للترتيب لهذا اليوم، وما سيحدث في الترتيب لما بعده، فليس أمام الثائرين إلا طريق واحد، وهو أن يحشدوا لهذا اليوم حشدًا كبيرًا، وأن يحذروا من العنف والفوضى، لأن ذلك سيكون مقصودًا على اعتبار أحد السيناريوهات المطروحة، وعليهم بعد ذلك أن يجعلوا ذلك اليوم بداية لموجة جديدة من الحراك الثوري الذي لا يتوقف حتى لا تحدث الانتكاسة الثورية كما حدث كثيرًا من قبل، وحتى لا يعطوا الفرصة للنظام لكي ينتقم ويطغى،
ثم إن عليهم أن يصروا على الثورة الشاملة التي لا تبقي ولا تذر، لكي لا نكرر خطأ ثورة يناير مرة أخرى، فتبقى أجهزة بكاملها تخطط وتتآمر وتتصارع فيما بينها.

وليعلم الثوار وليعلم المصريون من ورائهم أن ما بعد 11/ 11 لن يكون مثل ما قبله، سواء أنجح هذا اليوم أم فشل، فلنجعله لنا حتى لا يكون علينا

 
 
   Bookmark and Share      
  
 11/ 11 ثورة الغلابة ونظرية المؤامرة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7