الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الإثنين 7 نوفمبر 2016
New Page 1

عبد الرحمن شكري يكتب : اللــــي بنـــــي مصــــر
يقولون من باب الفكاهة إن الذي بنى مصر في الأصل "حلواني"، ونحن نقول من باب الحقيقة والمعاناة عن الذي بني مصر في الأصل فلاح كان كل همه أن يبكر إلى حقله فيعمل وينتج فيطعم ويُطعم.

خلال هذه المسيرة ومع هذا الدأب كانت عينه تري وأذنه تسمع وعقله يفكر فيحذف ويضيف ويصنع لنفسه برنامج عمل ومنظومة غذاء تتوافق ظروفه فتحوله هو وزوجته وأولاده إلي مؤسسة منتجه تكفيه وتغطي حاجته وحاجة من حوله وتمتد إلى المدينة القريبة أو البعيدة بما يفيض الله عليه من الخير زبدا وجبنا وبيضا وطيورا ولحوما.

شرفنا القرآن بذكرها "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى? لَن نَّصْبِرَ عَلَى? طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ? قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى? بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ? اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ. ومن ثم تكريم منتجها، وفر الفلاح المصري على مدى الأعوام لوطنه مصر وشعبها قطنا يشغل محالجها ومصانعها فتلبس وتصدر حتى نشأت في أوربا مدنًا صناعية كاملة تعمل بالقطن المصري "لانكشير مثالا" ولذا كان الجنيه المصرى سيد عملات العالم.

يزرع قمحا يشغل مطاحنها ومخابزها فيؤمن ضروراتها وكل احتياجاتها الغذائية لها ولزوارها من الشرق والغرب الذين جاؤوا للتعرف على تاريخ البشرية الذى سجلته مسيرة هذا المصري العبقري في لحظات تألقه يرسم ويبدع في وصف الحياة والموت، وصل عطاؤنا ووفاؤنا لكل من حولنا، واقرؤا سورة يوسف في القرآن الكريم إلا أن أنظمة الفساد السياسي تناست وتجاهلت قتلى الفلاحين في حفر قناة السويس أكثر من مائة ألف فلاح عطشا وجوعا لم يذكرهم أحد.

في مراجعة تاريخية عن الجنيه المصري أنه ظهر سنة 1836 وكانت قيمته 7.3 غرام ذهب وكانت تساوى حينها 12 دولارا. حينها كان ضامنه الرئيسي الزراعة المصرية حتى استلمه العسكر في 1952 كانت قيمته 4 دولارات ثم ظل يتراجع حتى أوصله السيسي وفريقه الأخرق إلى17 جنيها للدولار الواحد. والذي يراجع تاريخ تدهور الجنيه المصري يجد توافقا مع اتساع الفجوة الغذائية والتي تعنى إهمال الدولة للإنتاج الزراعي وعصبة الفلاح المصري.

لما حدثت نكبة 1967 حمل الإنتاج الزراعي على عاتقه بناء الجيش وضمان شراء السلاح واستمرار بناء المصانع (مول الإنتاج الزراعي 75% من الميزانية المصرية خلال سنوات الإعداد لإزالة النكبة)، كما ساهم بقدر كبير في تنمية الاقتصاد الموازي الذى وفر للمواطن المصري ضروراته فأمن استقرار الوطن وجبهته الداخلية بل إن الذى سد معظم ديون السلاح الروسية بعد الحرب كان القطن المصري زهرا وشعرا، وهو ما انتبهت إليه أمريكا وإسرائيل بضرورة القضاء على الزراعة المصرية وأولها القطن (جاء وفد أمريكي رفيع من مكتب الرئيس الأمريكي لإصلاح الزراعة المصرية) عقب كامب ديفيد مباشرة منذ 1985 وحتى عام 2000 لتبدأ الذرية المفلسة (يوسف والى وفريقه) في إهلاك وبيع ما صنعه الأجداد العظام على امتداد 150 عاما من خبرة إنتاجية وبنية أساسية وموقع متقدم على صعيد الاقتصاد الدولي .

انهار الاستقرار وتراجعت مصر لأن العقلية التي تقود عسكرية استبدادية لا ترى هذه الأبعاد وإلا لما ترك "مبارك" "يوسف والى" يدمر الزراعة المصرية ويباهى في وسط فريقه (إن "محمد على" هو الذى جلب القطن لمصر وأنا الذى اخرجته منها) .

وللأسف توالت الدساتير والبرلمانات والحكومات لا تسمع ولا تعقل وهي تنكر حق الفلاحين المصرىين ودورهم في هذا الوطن فلا ميزت لهم وضعا ولا اعترفت لهم بفضل ولا أقرت لهم بحقوق كباقي المواطنين في المعاش والتأمين الصحي ولا وجهت بعض ميزانياتها تعالج النسيان الطويل والمساواة الواجبة في التنمية بين القرية والمدينة والاهتمام الطبيعي لخلق مجتمع متوازن رشيد.

إن ما تعانيه مصر الآن هو جحود دور هذا القطاع الضخم والفجوة الغذائية نتاج إهماله فأزمة السكر والأرز واللحوم والزيوت وغيرها صنعتها شبكة الفساد المتضخمة بفعل اللواءات في شركات الجيش ولواءات التصدير والاستيراد وشركاتهم التي تفعل ما تريد دون رقيب.

أما احتياجاتنا من السكر مثلا فلا تزيد عن 600ألف طن هي مفاقيد النقل والتخزين وسببها عشوائية الإدارة (الأهرام 11-8-2010 خلال مؤتمر مركز البحوث الزراعية) وكذلك في اللحوم الحمراء والبيضاء والأسماك وهوما سنتعرض له مستقبلا بمشيئة الله .
عبدالرحمــــن شكــــري
نقيــــــب الفلاحيــن المصري السابق

 
 
   Bookmark and Share      
  
 اللــــي بنـــــي مصــــر

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7