الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
السبت 5 نوفمبر 2016

الجنيه.. عائم أم غريق؟!
جمال سلطان
أخيرا صدر القرار الذي طال انتظاره، رغم أن الجميع كان يعرف أنه سيقع لا محالة، ولكن القلق والتردد والخوف من جانب السلطة، وحسابات سياسية وشعبية معقدة، أخرت صدوره، وهو قرار تحرير سعر صرف الجنيه المصري في السوق، بحيث ترفع الحكومة والبنك المركزي أيديهما عن حركة أسعار العملات وتتركها لموازنات السوق وحسابات العرض والطلب.

وقد أطلق البنك المركزي عملية "تعويم" الجنيه عند سعر ثلاثة عشر جنيها وعشرة قروش للشراء وعشرة جنيهات ونصف للبيع، لكنه في اليوم نفسه كان يباع في بعض البنوك بأربعة عشر جنيه ونصف، وسط حالة من التوتر الشديد التي تسيطر على الجميع؛ البنك المركزي، والحكومة، والمستثمرين، ورجال الأعمال، والمواطن العادي، الكل ينظر بترقب وحذر وشك، وقد قررت البنوك الرسمية مد فترات العمل استثنائيا للتاسعة مساء من كل يوم مع العمل يومي الجمعة والسبت، ربما توقعا لأن كثيرا من الناس ستتزاحم لبيع ما لديها من دولارات، وإن كنت أعتقد أنه تقدير خاطئ ومبالغ فيه، كما تواترت تقارير عن أن البنوك تشتري ولا تبيع.

تحرير العملة كثيرا ما يكون قرارا صائبا وإيجابيا لإحياء الحياة الاقتصادية، وبث الحيوية فيها، وتشجيع السياحة، وإعطاء أفضلية لتصدير المنتجات المصرية، وإطلاق دولاب العمل والحركة التجارية والصناعية على نطاق واسع، ولكن ذلك مشروط بأمور أخرى، مثل وجود حزمة قرارات تحرر قطاع الاستثمار نفسه وتشجعه وإجراءات تبث الثقة في السياسات المالية، وأضف إلى ذلك أن يكون المجتمع نفسه متفقا على رؤية للنهوض والسلام الاجتماعي، أي أن تكون هناك حالة سياسية معززة بالسلم الأهلي تتيح لطاقات المجتمع كله أن تتضافر لإنقاذ الوطن، وتسمح لحالة من الأمن والأمان الشامل والطبيعي أن تبسط ظلالها على الدولة والمجتمع والناس، وهذا -مع الأسف- ما لا يتوفر في مصر الآن بالصورة المطلوبة.

خروج قرار تحرير سعر الجنيه كان بطريقة خاطئة تماما، وغشيمة، حيث أطلقت حالة مصطنعة من الفزع الشديد خلال يومين لدفع الناس إلى بيع ما لديهم من دولارات بحالة هلع وهستيريا منسقة شاركت فيها جهات لا تخفى على المتابع، وبث أخبار كاذبة عن انهيار الدولار، وأن قيادات بنكية تقدر أنه سيصل إلى ستة جنيهات، حتى تراجع الدولار في السوق الموازية إلى سعر الأربعة عشر جنيها تقريبا، وفي صباح اليوم التالي يصدر القرار بتخفيض الجنيه نفسه لقرابة 50% والإعلان عن تحرير سعر الصرف، وهو ما يجعل الجميع على يقين، لم يعد شكا، بأن ما حدث خلال اليومين الماضيين كانت "لعبة" مفتعلة لصناعة وهم أقرب إلى خداع وابتزاز مالكي الدولارات، وأن هذه الخطة كانت تمهيدا لتحرير سعر الصرف، وهذا أسلوب "أمني" وليس اقتصادي، ولا يدعم الثقة في السياسات المالية، ويعزز من مخاوف الناس من أنهم أمام "ألاعيب" وتقلبات لا تبعث على الاطمئنان، وكل ذلك مما يضاعف من سلبيات خطوة تحرير سعر الصرف، ويجعل قطاعا واسعا من الناس يقولون : دعنا ننتظر نهاية "اللعبة"، وهذا هو السيء في الموضوع.

أيضا، كان يفترض أن تواكب هذه الخطوة إجراءات حمائية للطبقات الفقيرة وحتى الطبقة المتوسطة من اهتزازات السوق، حتى لا يدفع هؤلاء ثمنا لأخطاء اقتصادية ليسوا طرفا فيها، بل هم مجني عليهم، وكانت هناك وعود متكررة من الرئيس السيسي نفسه ومن رئيس الوزراء والمجموعة الاقتصادية، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، وهناك الآن بدايات انفلات خطير للأسعار، وقد افتتحته شركة الطيران الوطنية "مصر للطيران" برفع أسعار تذاكرها بأكثر من 40% دفعة واحدة، كما وردت تقارير عن ارتفاع مفاجئ وكبير في أسعار السلع، وهو ما يفاقم الضغوط المعيشية على المواطن البسيط، وينذر بانفجار في الأوضاع طالما تحذر منه السلطة، أضف إلى ذلك أن المواطن "البريء"، الذي كان يدخر حصاد عمره بالعملة الوطنية في البنك عاقبته الحكومة بأن أضاعت عليه في ليلة واحدة حوالي نصف أمواله، وقد قرر البنكان الوطنيان الكبيران : الأهلي ومصر، أن يطرحا وعاء استثماريا لمدد قصيرة حوالي سنة ونصف بعائد 20% وكلنا نذكر أنه عندما فعل ذلك شركات توظيف الريان، مثل السعد والريان، اتهمتهم الحكومة بأنهم يتاجرون في المخدرات لأنه لا يعقل أن يدفع بنك مثل هذه النسبة بشكل شرعي، الآن الحكومة نفسها تفعل ما فعله السعد والريان.

أخطر ما في قرار تحرير سعر الصرف أنه الطلقة الأخيرة في سلاح الدولة الاقتصادي، فإذا فشل في إصابة هدفه، فسنكون على أبواب المجهول، ويمكن أن يتهاوى الجنيه إلى مراحل خطيرة، على النحو الذي حدث سابقا للجنيه السوداني وغيره، كما أن هذا الانفلات سينعكس بداهة على أسعار السلع واحتياجات الناس من دواء وغذاء ووقود ومواصلات وخلافه، وهو ما يجعل الأمور أكثر استعصاء على الحل.

تمنيت أن أكون متفائلا بالقرارات الجديدة، ولكن الغموض الذي اكتنف تحضيراتها والطريقة المقلقة التي صدرت بها، والتمهيد لها بألاعيب لا تليق بدولة وحكومة، وغياب أي تحضيرات جادة لعواقب القرار على أسعار السلع، كل ذلك يجعلني أضع يدي على قلبي مما تحمله الأيام.
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الجنيه.. عائم أم غريق؟!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7