الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
السبت 29 أكتوبر 2016
New Page 1

ممدوح الولى يكتب .. أزمة الدولار والواقع الاقتصادي المخيف
عندما يصل الدولار إلى 17 جنيه بالسوق الموازى أمس فهذا أمر معبر عن حقيقة الواقع الاقتصادى الذي نعيشه، حيث تسود الأجواء عوامل القلق والخوف والإحباط، لعوامل مختلطة ما بين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية.

وبعد أن طالب الدكتور محمد العريان الخبير الاقتصادى النظام الحاكم بصدمة إيجابية لتحسين مناخ الاستثمار، إذا بالنظام يقوم بصدمة سلبية عندما هاجم مخازن الصناعات الغذائية وصادر السكر بها، مع تشكيل الحكومة لجنة لبحث هوامش سعرية لعدد من السلع، وهو ما اعتبره رجال الأعمال ردة عن حرية السوق وعودة للتسعيرة الجبرية التي يمنعها قانون الاستثمار، بخلاف استمرار أزمة نقص السكر كسلعة شعبية رغم الوعود والتصريحات بوجود مخزون يكفى حتى شهر فبراير، بينما يرى رجال أعمال أن المشكلة مرشحة للاستمرار حتى نهاية نوفمبر مع ظهور الإنتاج الجديد لمصانع بنجر السكر.
والأهم هو مدلول أزمة السكر كنتيجة لنقص الدولار كى يستورد القطاع الخاص به السكر، وهو أمر تكرر مع نقص بعض أصناف الأدوية لتأخر تدبير الدولار لاستيراد الخامات والأصناف المستوردة، وإذا كان البنك المركزي قد وجه غالب عطاءاته الأسبوعية مؤخرا لشركات الدواء، فإن هذا الإجراء جاء على حساب تدبير الدولار لاستيراد سلع أخرى حيوية بعضها غذائية، مما يرشحها للنقص بالأسواق لصعوبة استيرادها.

تكرار الأزمات هز الثقة

ورغم الإعلان قبل أيام عن تحسن مركز مصر بمؤشر ممارسة الأعمال دوليا، إلا أن رجال الأعمال نظروا للأمر بتعجب نظرا لاستمرار مشاكل نقص الدولار، وصعوبة التمويل المصرفى وصعوبات تحويل الأرباح للخارج، وصعوبة الخروج من السوق، وقالوا إذا كان مؤشر إجراءات تأسيس الشركات قد تحسن، فهو أمر يشبه سرعة استخراج شهادة الميلاد لمولود جديد، ثم تركه بعد ذلك بلا رعاية معرضا لعوامل ضارة به قد تقضى على حياته.

ولم يختلف الحال لدى الجمهور الذي ما إن يخرج من أزمة إلا ودخل في أزمة أخرى، فما إن تنتهى مشكلة نقص الزيت وارتفاع أسعاره، حتى يدخل في مشكلة الأرز ثم مشكلة نقص كروت الشحن ثم نقص السجائر واسطوانات الغاز ثم نقص السكر، مما أفقده الثقة بأية وعود حكومية، حتى ولو كانت بعد ثلاث سنوات كما قال رئيس الوزراء في حديثه التلفزيونى الأخير.
ولأن قيمة العملة هي تعبير عن مجموع أحوال الاقتصاد فإن ارتفاع الدولار له مبرراته الاقتصادية، صحيح أن السعر الحالى ربما كان أعلى من تقديرات القيمة التي تراها مؤسسات استثمارية عادلة له، والتى تتراوح ما بين العشر جنيهات ونصف وحتى أكثر من 13 جنيه حسب الجهات المختلفة، إلا أنها كلها أعلى كثيرا من السعر الرسمى.

ومن مبررات ارتفاع الدولار إدراك السوق أن غالب الموارد أصبحت عبارة عن قروض، وأن عودة السياحة لطبيعتها لن يكون هذا الموسم الذي بدأ منذ شهر، وحتى لو عادت السياحة الروسية والبريطانية فستأخذ بعض الوقت حتى تعود الأمور لطبيعتها، وها هو صندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ النمو العالمى، وها هى حالة التباطؤ في أوربا مستمرة والتى تعد الشريك التجارى الأول لنا، وها هى منظمة التجارة العالمية تتوقع تراجع مؤشرات التجارة الدولية بما ينعكس على إيرادات قناة السويس سلبا.

حصيلة الصادرات تبقى بالخارج

ويؤدى اتساع الفارق بين السعر الرسمى وغير الرسمى لعزوف المصريين بالخارج عن التحويل عبر الجهاز المصرفى، وفشل جولات وزيرة الهجرة الخارجية في إقناعهم بشراء شهادات الإيداع الدولارية بالبنوك المصرية رغم ارتفاع عوائدها، وها هو الاستثمار الأجنبى المباشر ينتظر توحيد سعر الصرف وحل مشاكل تحويل الأرباح قبل أن يأتي، حتى الصادرات التي أعلنت وزارة التجارة تحسنها الجزئى مؤخرا، فإن حصيلتها تبقى بالخارج مما يجعلها لا تساهم في تعزيز المعروض الدولارى بالداخل.
وإذا كان الاحتياطى بالبنك المركزي قد زاد إلى 19.5 مليار دولار، فالكل يعرف أنها أموال تخص دول أخرى مودعة لدينا وليست مملوكة لنا، وها هى المؤشرات التي يعلنها البنك المركزي تشير إلى وجود عجز ضخم بالعملات الأجنبية بالجهاز المصرفى زاد عن 12 مليار دولار حتى شهر أغسطس الماضى، ومع زيادة القروض تزيد مبالغ الأقساط والفوائد المطلوب دفعها في موعدها حرصا على السمعة.


وإلى جانب ذلك الواردات السلعية، سواء أكانت منتجات بترولية والتى زادت الحاجة لتدبير دولارات لاستيرادها بعد عدم إرسال شركة أرامكو مقررات شهر أكتوبر، إلى جانب تباطؤ إنتاج بعض شركات البترول الأجنبية العاملة بمصر للضغط على الحكومة لتحصيل ديونها المتأخرة، أيضا الحاجة لاستيراد كميات ضخمة من الغاز الطبيعى والتى ستزيد مع تشغيل محطات كهرباء شركة سيمنس الألمانية الثلاثة، مع الأخذ في الاعتبار أن إنتاج حقل ظهر للغاز لن يكون قبل آخر عام 2017 أو بداية 2018.

زيادة 4.5 جنيه خلال شهر

ولا تستطيع الحكومة التأخر عن استيراد القمح للوفاء باحتياجات رغيف الخبز والمكرونة وغيرها، وكذلك الزيت والسكر وغيرها من المواد الغذائية التي لا يكفى الإنتاج المحلى للوفاء بالاستهلاك منها، رغم الزيادة التي لحقت بالأسعار العالمية خاصة بالسكر والزيت ومنتجات الألبان.


يضاف إلى كل حالة الغموض التي تظلل الأسواق عن الإجراءات التي ستتخدها الحكومة لعلاج مشكلة نقص الدولار بخلاف الاقتراض، ولاشك أن هناك ارتباط بين تسارع وتيرة الارتفاع بالسوق الموازية عقب خطاب رأس النظام في غيط العنب في السادس والعشرين من سبتمبر الماضى، وعدم تقديمه أى مبشرات أو إعلانه عن إجراءات نحو المشكلة، ثم صمت محافظ البنك المركزي ورئيس الوزراء والوزراء عن تناول المشكلة، ولهذا تسارع السعر من حوالى 12.5 جنيه إلى 17 جنيه خلال شهر واحد فقط وهو أمر بالغ الخطورة بما له من دلالات.


ويدخل في ذلك السياق استمرار ارتفاع السعر بالسوق الموازية خلال أيام انعقاد مؤتمر الشباب بشرم الشيخ، والتى خصصت إحدى جلساته لقضية سعر الصرف لكنها لم تخرج بجديد، وكان رد فعل السوق تجاه عدم شعوره بأية إجراءات حكومية غير القروض لتخفيف مشكلة نقص الدولار، وبما يشير إلى حالة الإنفصام الحالية بين واقع السوق وبين سرعة تجاوب إجراءات النظام الحاكم معها، وهذا هو الأهم والأخطر لما له من تداعيات سلبية على الاقتصاد وعلى المواطن، ويزيد من المخاوف خلال الأيام القادمة.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  أزمة الدولار والواقع الاقتصادي المخيف

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7