الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الجمعة 28 أكتوبر 2016

التسعير العسكري
أشرف دوابه
عقد عبد الفتاح السيسي خلال هذا الأسبوع اجتماعا ضم محافظ البنك المركزي ورئيس مجلس الوزراء، ووزراء الدفاع والخارجية والداخلية والمالية ورئيسي المخابرات العامة وهيئة الرقابة الإدارية، وكان مما شهده الاجتماع بحث سبل توفير السلع الغذائية الأساسية بأسعار مناسبة في الأسواق.

ويأتي هذا في الوقت الذي أعلنت فيه مصادر حكومية أن "قرار تحديد هامش الربح على السلع جاهز للتطبيق إذا لم يستجب القطاع الخاص لمناشدات السيطرة على الأسعار".

وفي هذا الاتجاه أيضا أعلن على المصيلحي رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس نواب الانقلاب، دعمه لقرار الحكومة بتشكيل لجنة لتحديد هامش الربح على السلع، مشيرا إلى أنه يتصدى لانفلات الأسعار والممارسات الاحتكارية.

وهذا التوجه في عالم يسود فيه الاقتصاد الحر وقوى السوق يعود بنا بالذاكرة إلى فترة الستينات مع الفارق في أن وقتها كانت السلع والخدمات يتحكم فيها دولة اشتراكية عسكرية، واليوم حل محلها دولة عسكرية احتكارية ، لم يكفها السيطرة على مفاصل الاقتصاد فاتجهت إلى التحكم في أسعار السلع للبقية الباقية من القطاع الخاص.

كما أن هذا القرار يخالف أصلا ما نص عليه دستور الانقلاب في المادة 27 التي جاء فيها : يلتزم النظام الاقتصادي بمعايير الشفافية والحوكمة ودعم محاور التنافس وتشجيع الاستثمار، والماء 28 التي جاء فيها: الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية والخدمية والمعلوماتية مقومات أساسية للاقتصاد الوطني، وتلتزم الدولة بحمايتها، وزيادة تنافسيتها، وتوفير المناخ الجاذب للاستثمار، وتعمل على زيادة الإنتاج، وتشجيع التصدير، وتنظيم الاستيراد.

إن هذا القرار يعكس النظرة العسكرية السلطوية للحكومة والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تدير اقتصادا أو تحقق تنمية فضلا عن قدرتها على توفير السلع أو تخفيض الأسعار. فمازال الحول يسيطر على عين الحكومة التي تركت المرض وما زالت منغمسة في العرض. فما قيمة وضع هامش للربح على سلع لا توجد في السوق أصلا، وحتى ما وجد منها هو في جله سلع استيرادية يتحكم في سعرها سعر الدولار الذي عجزت الحكومة عن التعامل معه ومواجهة أزمته إلا بمثل هذه القرارات السلطوية التي تزيد الأمر اشتعالا والاقتصاد ترديا وانهيارا.

كما أن التناقض في تصريحات رئيس الوزراء بقوله أنه لن يتم فرض تسعيرة جبرية وأن تحديد هامش الربح هو آلية لتحديد هامش ربح متحرك، يعكس العيش في ثوب التنظير بعيدا عن الواقع وهو ما سوف يؤدي حتما إلى فرض تسعيرة جبرية على السلع، ومن ثم فتح الباب على مصراعيه لاختفاء السلع وارتفاع أسعارها بصورة مبالغ فيها، كما أن ذلك يهدم أي دعوة للاستثمار في مصر في ظل التحكم والتدخل الحكومي في تحديد هامش الربحية للمستثمرين في وقت تتنافس فيه الدول لجذب رؤوس الأموال محليا وخارجيا.

ولعل في تصريحات بعض المستثمرين المصريين وممثليهم ما يعكس خطورة مثل هذا القرار فقد قرر مجلسا إدارة اتحاد الصناعات والغرف التجارية تقديم مذكرة لمجلس الوزراء لإعلان رفضهما لهذا القرار باعتباره مخالفا لقانون حماية المنافسة والدستور. كما جاءت تصريحات رجل الأعمال نجيب ساويرس -الذي له حظا من كحكة العسكر الاقتصادية- ناقدة لهذا القرار متهما الحكومة بجهلها بمبادئ اقتصاد السوق وعدم الإلمام بمصطلح الاقتصاد الحر، متوقعا من الحكومة مراجعة سياساتها وممارساتها الاقتصادية والالتفات إلى أضرار معالجة موضوع تفاوت أسعار السلع بالدعم المباشر في غير محله. موجها كلامه لها قائلا : الاقتصاد يا سادة لا يدار بالعقلية البوليسية. ارسوا على حل.. اقتصاد حر ولا مش حر؟.. والله العظيم زهقتونا.

وكلام ساويرس يؤكد مدى التخبط الحكومي والعقلية البوليسة أو عقلية الدبابة العسكرية التي يدار بها الاقتصاد. والقضية ليست في العودة للتسعير بقدر الحاجة لإقرار قوى السوق وزيادة المعروض من تلك السلع الأساسية ، وهو ما يحتاج إلى مزيد من الدولارات للاستيراد ، ولا سبيل لمواجهة ذلك سوى بالإحلال محل الواردات وزيادة الصادرات وهذا شبه مستحيل في مجتمع يفتقد للأمان المجتمعي ويعاني من الخلخلة الاجتماعية وفقدان الشفافية والنزاهة والعدالة منذ الانقلاب العسكري حتى وقتنا هذا.. فمتي يفيق المخلصون لإنقاذ ما تبقي من اقتصاد مصر، بل ما تبقي من مصر نفسها؟!!
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 التسعير العسكري

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7