الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الأربعاء 26 أكتوبر 2016

جمال سلطان يكتب: الدعوة علنية في «إعلام السيسي» للفوضى وحمل السلاح والتصفية الجسدية
تبقى الدولة ككيان رمزي ومعنوي شديدة الأهمية لاستقرار الأوطان وثقة مواطنيها بالوجود وبالمستقبل مهما كان حالكا أو قاسيا أو صعبا ، إلا أن الإحساس بأنك في حكم "دولة" وليس في حكم ميليشيا مثلا كما هو الحال في سوريا أو غيرها ، وأن هناك سيادة للقانون والنظام العام مهما كان فيه من خلل أو حيف ، يبقى ضرورة للعيش والتعايش وضمانة للأوطان من التفتيت والفوضى والضياع .

ولذلك أشعر باستغراب شديد من انتشار دعوات علنية في الإعلام الرسمي أو الموالي للرئيس السيسي إلى الفوضى الشاملة وحمل السلاح والتصفية الجسدية ، ونسف فكرة الدولة من أساسها ، وإلغاء أي اعتبار للقانون أو النظام العام ، لم أصدق عيني ولا أذني وأنا أشاهد وأسمع شريط فيديو لإعلامي "شبيح" من هؤلاء الذين أطلق عليهم وصف "الدببة" الجدد ، الذين يقدمون أنفسهم كأصوات للنظام وحماة للرئيس ومروجين لسياساته وهم أول من يدمرونه ، وهو يعلن على الهواء مباشرة وعلى شاشة قناته الفضائية وأمام الملايين أنه قرر حمل رشاش آلي لحماية نفسه ، بعد جريمة اغتيال الشهيد عادل رجائي قبل أيام ، وأنه سيقتل به أي شخص "يشتبه" في نيته الاعتداء عليه حسبما يرى ، ويقول هذا "الشبيح" أمام نظر الدولة والسلطة والجيش والشرطة والنيابة والقضاء أنه قرر أن يحمل رشاش آلي سواء وافقت الداخلية على ترخيصه أو لم توافق ، معتبرا أن هذا هو "العرف" الذي يعمل به أهله في الصعيد ، وهو الصحيح لأن القانون لن ينفعه أو ينقذه من الموت ، ويعيد التحدي العلني والتأكيد على جملته "أنا بقول أهو ، والكل سامعني ، وبكرر ، من بكره ها شيل سلاح آلي" ، مؤكدا أن الدولة لن تنفعه إذا أصيب بمكروه وأنه "يا روح ما بعدك روح" حسب كلامه .


هذا الكلام الخطير والسفيه ، سمعه الجميع ، وكل أجهزة الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والقضائية والسياسية والقانونية ، دون أن يطرف لأحدهم جفن ، عادي ، التحريض على الخروج على القانون والإقرار بذلك والتباهي به علنا والإعلان عن أنه سيفعل ذلك بنفسه ، وإهدار كرامة الدولة ، واعتبارها غير موجودة أساسا أو غير ذات قيمة أو دولة عاجزة عن حماية مواطنيها ، وأننا في غابة ، كل واحد يحمي نفسه بنفسه ، وكل إنسان يحمل سلاحه ولا ينتظر الدولة لكي ترخص أو لا ترخص ، باختصار : غابة ، وبطبيعة الحال ، ومن تحصيل الحاصل ، طالما استبحنا ذلك ، سينحاز هذا "الشبيح" إلى أقاربه ويسلحهم ، ويشكلون نواة "ميليشيا" مسلحة ، وطالما فتح الباب ، فإن كل أسرة وربما كل كتلة مالية أو سياسية أو إعلامية تتراص وتتكاتف مثله ، لتكوين ميليشيا مسلحة لتحميهم من الإرهاب ومن أمور أخرى ، طالما أن الدولة عاجزة ، ويا روح ما بعدك روح ، وأن الدولة بكاملها تتسامح مع مثل تلك الدعوة الإجرامية والسلوك الخارج على القانون والنظام العام ، باعتبارها أحد أساليب "الشعب" لمواجهة الإرهاب والدفاع عن نفسه .
بالتوازي مع تلك الدعوة ظهر خطاب آخر على شاشات التليفزيون ـ الموالي للسلطة ـ ، وسمعه الملايين ، تدعو إلى تجاهل القضاء وتجاهل وجوده ، ويعتبرون القضاء المصري أداة فاشلة وغير رادعة ، وتمارس "الدلع" مع الإرهاب والعنف ، ودعت تلك الأصوات عبر شاشات التليفزيون علنا إلى "التصفية الجسدية" للمعارضين ، "اللي يتمسك يتصفى" كما قال أحدهم ، والذي أضاف : مش عايزين قضاء ولا منتظرين قانون ، وهو كلام شديد الخطورة ، ودع عنك أنه إهدار لفكرة الدولة ذاتها ، وإهدار لفكرة القانون وتجاهل وجوده ، فكل واحد له قانونه الخاص ، وينفذ قانونه الخاص ، وكل شخص يمكن أن ينصب نفسه جهة الاتهام وجهة القضاء وجهة التنفيذ ، باختصار ، هو الدولة أو هو البديل للدولة ومؤسساتها وقوانينها وعدالتها .
لا يحتاج الإرهاب في بلادنا أفضل من تلك الدعوات المجنونة لكي تخدمه ، وتسوق رؤيته عن غياب الدولة وأنه لا يوجد قانون ولا عدالة ولا دولة من حيث الأصل ، لا يحتاج الإرهاب إلى من يخدمه إعلاميا ويسوق خطابه الدموي والتكفيري أفضل من هؤلاء "الشبيحة" أو "الدببة" الجدد ، الذين يدفعون بالوطن إلى منحدر الفوضى الشاملة وقانون الغاب .
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الدعوة علنية في «إعلام السيسي» للفوضى وحمل السلاح والتصفية الجسدية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7