الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الجمعة 21 أكتوبر 2016

جمال الجمل يكتب: فرص السيسي الضائعة

قبل عامين تقريبا نشرت مقالاً بعنوان [أنا والسيسي و”العك”]، ولم أكن أقصد بكلمة “العك” أي شيء يتعلق بسياسات الرئيس، بل كنت أقصد ما قد يراه القارئ من تناقضات في مواقفي المتباينة تجاه السيسي.. بحيث يمكن للبعض أن يحتار: هل أنا مؤيد للرئيس أم معارض؟، فقد كنت أؤيده أحيانا، وأعارضه أحيانا، لأنني أؤيد وأعارض السياسات وليس الشخص، لكنني في الفترة الأخيرة فقدت الأمل في الرئيس تماماً، ولم أعد أنظر إلى إيجابياته الفرعية بمعزل عن أخطائه الكبرى وخطاياه الاستراتيجية، فركزت مقالاتي في معارضته وفقط، حتى وإن كانت هناك بعض الإيجابيات في فترة حكمه.. فلم تعد ذات قيمة بالنسبة لي، لأنها مجرد خطوات موفقة في طريق الخطيئة.

(2)
بعد تعيين المستشار أحمد الزند وزيرا نشرت مقالا غاضبا بعنوان “أيها الرئيس.. الزند فراق بيني وبينك”، لكن المقال لم يكن قطيعة نهائية للأمل في السيسي رئيسا، كان أقرب إلى صرخة الإفاقة، لكي يبتعد الرئيس عن فلول نظام مبارك، ويلتزم بأهداف ثورة يناير، والمبادئ التي أعلنها بنفسه للشراكة الوطنية كميثاق لثورة 30 يونيو، لكن الرئيس تمادى في صمته على نيل الأوغاد من ثورة يناير، واكتفى بتصريحات بلاغية، وكلمات أخلاقية لم نجد لها انعكاسا في سياساته، فبعد ملامح الثورة على الفساد في قضية وزارة الزراعة (فودة جيت) استبشرنا الأمل في نقلة نوعية باتجاه دولة القانون وتحقيق النزاهة في الحكم كمقدمة للعدالة الاجتماعية، لكن فودة خرج من السجن بما يوحي ببراءته من الرشوة والفساد، وانحصرت القضية الكبيرة في شخص وزير الزراعة صلاح هلال، وما أثير حوله من قصص تقليدية تتعلق بتصفية حسابات داخل النظام، دون أمل في “ثورة على الفساد” ولا يحزنون.

إقرأ أيضا: حازم عبد العظيم السيسي ليس مرسي والجيش تورط في السياسة
(3)

بعد فضيحة “فودة جيت”، أثيرت ضجة تصريح وتقرير المستشار هشام جنينة، وتجدد معها فرصة السيسي ليستند على التقرير، ويضع جدولا زمنيا لمواجهة الفساد داخل نظامه، بتعقل لا يسمح بتكوين تكتلات قوية من الفاسدين تهدد استقرار حكمه، لكن الرئيس تحرك في الاتجاه الذي بشرنا به مصطفى بكري أحمد موسى وأسامة هيكل وأمثالهم، والذين أعلنوا مبكرا أنهم سيعزلون جنينة ويحاكمونه، بتهمة الإضرار باقتصاد مصر، وقد شارك الرئيس بعد ذلك في تصفية جنينة ودعم تيار “يحيا الفساد”، فقد استخدم قانوناً معيبا لعزل رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، وأعطى الضوء الأخضر لمحاكمته، وتحويله إلى عبرة لكل من يهديه ضميره للوقوف ضد مافيا الفساد المتشعبة داخل مؤسسات وأجهزة الدولة، بما فيها مؤسسات تنظر إلى نفسها باعتبارها “فوق دستورية” وبالتالي فوق القوانين والمواطنين.

(4)
كان الرئيس يتحرك بدافع من الغيرة على صورته، وعلى نزاهة عصره، فلم يتحمل خلافا في تقدير حجم الفساد الذي قال المستشار جنينة أنه أكثر من 600 مليار في 4 سنوات، وروجه المغرضون بأنه تصريح هجومي ضد شخص الرئيس، على اعتبار أن جنينة يقصد تقدير حجم الفساد في فترة حكم السيسي وفقط، وهو أمر يمكن مناقشته أيضا دون حساسية، طالما أن الرئيس لا يخشى شيئا، لكن اللجوء إلى أسلوب تشكيل لجنة من الفاسدين للنظر في تقرير عن الفساد، لا يخرج عن الأسلوب القديم الذي ساد في عصر مبارك وعائلته وشلة المحاسيب، الذين فشلنا في استصدار أحكام قضائية ضدهم، لسبب بسيط جدا، وهو أن اللصوص أنفسهم هم الذي كانوا يسنون القوانين، ولهذا لم يكن من العقل أن يفصل أحد بين السيسي وبين الفساد المتفشي داخل نظامه، فهو حتى الآن، لم يتعامل مع تقرير جنينة بالشفافية والموضوعية اللازمة، ولم يتعامل مع شخص جنينة نفسه بالاحترام الذي يليق بمنصبه كمحتسب لكشف الفساد في البلاد.

إقرأ أيضا: هل تندلع ثورة شعبية جديدة بمصر؟ دعوات التظاهر ضد السيسي تتصاعد في ظل تزايد حالة الفقر
(5)
قبل أن تهدأ ضجة جنينة، فوجئنا بالطريقة الإمبراطورية التي تم بها توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، وإعلان تسليم جزيرتي تيران وصنافير للمالك الجديد، الذي اشترى في غفلة من أصحاب الأرض الأصليين، وهو تجاوز يضرب عرض الحائط بالدستور والقوانين، وبتقاليد الحكم، بل وبأي علاقة يمكن البناء عليها بين حاكم وشعب، خاصة وأن السيسي لم يخسر الأرض في حرب، ولم يكن واقعا تحت ضغط “الضرورة” التي برر بها الكثير من سياساته، والتي غفرنا له من أجلها كثير من الأخطاء الصغيرة، فالرجل يواجه تحديات الإرهاب والأزمات الاقتصادية في الداخل، ويواجه أطماع القوى الإقليمية والدولية في الخارج، لكن هل كان السيسي (ونظامه) يتوقع أن نغفر له الخطايا الكبرى، لمجرد أننا غفرنا من قبل ما تصورنا أنه هفوات وأخطاء مؤقتة سنصلحها ونتجاوزها حين استقرار الأوضاع؟
وهل وصل به “خطأ التوقع” و”غرور التفويض” أن يعتبر “الضرورة” والأزمة الاقتصادية حجة كافية تسمح له بالتفريط منفردا في أرض الوطن، وفي ترتيباته الاستراتيجية؟

(6)
الموقف هنا، لم يعد يتعلق باللغة الطيبة، و”اللسان الحلو”، والأمنيات المجانية التي تبشر بأم الدنيا التي ستتحول إلى كل الدنيا، ولا بوعود الأمان وقطع اليد التي تمتد على الشعب، ولا بالمعجزات التي يحققها الرجل المهذب الخلوق الذي لم يغدر ولم يخن، لكنها كانت تتعلق بسياسات واستراتيجيات ووقائع على الأرض، لذلك فإن خلافي مع السيسي لم يكن خلافا مع شخصه، ولم يسقط في نكايات نفسية ورطتني في محاربته زورا، أو التشهير به غيظاً بشائعات ومعلومات خاطئة، أو أوقعنى الهوى في مبالغات تضخم من أخطاء صغيرة، أو “تلكيكات فاضية” على تصرفات وقرارات تحتمل الخلاف وتتسع للتأويل، فقد حرصت أن أظل بعيدا عن هذا السلوك الرخيص، فلم أتحدث يوما عن ذمته المالية دون دليل، ولم أتطرق لوظائف أفراد عائلته فقد تكون عن جدارة ودون واسطة، ولم أتطوع بالتشكيك في نواياه الوطنية أو أصوله الدينية وما إلى ذلك مما يثيره آخرون، لكنني اعترضت على سياسات واضحة، وهاجمت قرارات تخل باستراتيجيات الوطن، ولن أسكت عن ذلك ما دمت قادرا على الكتابة، وعلى الكلام.

(7)
في نقدي للسياسات لم أهتم كثيرا بلغة الرئيس الطاهرة وأخلاقياته وحرصه على الصلاة والزكاة، فهذه أمور شخصية، لا تشفع لأحد عند حسابه على واجبات وظيفته، وقد كتبت من قبل أنني أتعامل مع الرئيس كتعاملي مع سائق المترو، لا يهمني أن أراه، أو أتعامل مع شخصه، أو أعرف القليل أو الكثير عن دينه ولغته وسحنته ونوع جمجمته، يهمني أن يقوم بواجبه بما ييسر لي حياتي، ويجعلها أفضل… وأعتقد أن حياتي (كمواطن) على كل المستويات النفسية والصحية والاقتصادية.. صارت أسوأ في عهدك أيها الرئيس
وللحديث بقية..
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 فرص السيسي الضائعة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7