الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الجمعة 21 أكتوبر 2016

عصام تليمة يكتب :هل نترحم على مؤيدي السيسي؟!
سؤال سيظل يطرح كلما مات شخص كان مؤيدا للسيسي وانقلابه، وبخاصة لو كان من أهل العطاء الفكري أو العلمي أو اللغوي، لكنه كان ممن له رأي سواء استمر عليه، أم غيره دون إعلان، أو مالأ ونافق به السلطة، ولست أقلل هنا من جرم من يؤيد الانقلاب، ولست أطلب من كل من يبغض مؤيدي السيسي، عند موت أحدهم أنه مجبر على الترحم عليه، لكن الأمر هنا يخص الحديث عن معيار مهم في تقييم الناس ومواقفهم، حتى لا يختل الميزان في التعامل.

لقد وضع القرآن الكريم معيارا لميزان الناس، سواء في الدنيا، أو في الآخرة، ففي الدنيا، نجده عند حديثه عن الكفار لا يضعهم جميعا في وصف واحد، بغض النظر عن مآلهم وحسابهم في الآخرة، فالبعض عند حديثه يرفع شعار: الكفر كله ملة واحدة، وهو كلام صحيح من حيث مآلهم في الآخرة، لكن في التعامل في الدنيا القرآن يفرق هنا، فنجد في وصفه لهم يختلف بحسب موقفهم وعدائهم، وهو تصنيف مهم ليحسن المسلم التعامل مع كل بحسب ما يناسبه، فمرة يقول: (الذين كفروا) فقط، ومرة يقول: (الذين كفروا وظلموا)، وثالثة: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله)، وهذا ليعلم المسلم أن كل مستوى من الكفر له معاملته التي يستحقها. وهو ما نبه عليه القرآن الكريم كثيرا أن نقع فيه، وهو باب التعميم، فقال تعالى: (ليسوا سواء)، وسنلاحظ أن كل لفظة (ومن) في القرآن، هي دليل على عدم التعميم، لأن من للتبعيض في اللغة.

ولست محتاجا أن أوضح أني لا أعني بذلك تكفير المخالف أو المؤيد للانقلاب، بل ضربت هذا النموذج ليرى الإنسان، أن القرآن علمنا الإنصاف والدقة في توصيف المخالف في العقيدة والكفر بالله، فما بالنا بمن يتفق معك في العقيدة ويختلف معك في السياسة، أو في القيم والمبادئ، ولست بحاجة إلى التذكير بحرمة الدم، وحرمة تأييد سافكه، وحرمة التشجيع عليه.

أما ميزان الله في الآخرة، فهو ميزان يقوم على حساب مهم أن نضعه في اعتبارنا، إنه ميزان من يحصل على مجموع 51% ينجو، ويكون من أصحاب الجنة، وربما كان من الـ (49%) الباقية فيها ترك صلاة، وزكاة، وكبائر، مع التأكيد على تطهره وتكفيره عن ذلك بحسب ما يحكم الله به عليه، وفق قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها)، لكن المهم هنا: بعد انتهاء الإنسان من تكفيره عما فعله في التسعة وأربعين في المائة، ينتهي به الأمر بالدخول للجنة، لأنه حصل على نسبة الواحد والخمسين في المائة، وهو معيار رباني يفيدنا في تقييم الناس من حيث ارتكابهم للكبائر والمعاصي، وعلى رأسها: تأييد سفك الدم والظلم.

فتأييد الانقلاب جريمة لا ينكرها أحد، ولكن هل يقيم الإنسان لجرم فعله في حياته وإن مات عليه، لتختصر كل حياته فيه؟! وبخاصة لو كان من أهل العطاء العلمي والفكري والأدبي، مع إيماننا أنه كان يبنغي أن يحميه علمه وإيمانه من الوقوع في مثل هذه الخطيئة الكبرى، فمثلا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، لا يمكن بحال من الأحوال أن نقبل منه تأييده لبشار وإجرامه، بل هي خطيئة كبرى للرجل، لكن هل معنى ذلك أن نلغي علمه، وتراثه الفكري، الذي لا ينكر أهميته أحد من أهل العلم؟ إنني أقدر الغضب والسخط – وأنا من الساخطين والغاضبين – من مواقف مفكرين وأدباء وعلماء من السلطة المستبدة في كثير من الوطن العربي والإسلامي، وهو ما حدث بكثرة في تاريخنا الإسلامي، منذ بداية الحكم الوراثي الجبري في الأمة، وتخويف أهل العلم بالسيف والبطش، وقد رأينا إماما كبيرا كيحيى بن معين تحت الترهيب بالتعذيب قال بخلق القرآن، ومع ذلك لم يلغ العلماء فضله ودوره في علم الجرح والتعديل.

وهو معيار طبقه النبي صلى الله عليه وسلم، فرغم علمه بجرم أناس، لكنه أحسن إليهم بعد وفاتهم، وذلك من باب مراعاة شعور أقرباء لهم، فعبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق، أسدى جميلا لعم النبي صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب في غزوة بدر وكان من الأسرى، ولم يجدوا قميصا على مقاسه كي يرتديه، إلا قميص أعطاه له ابن سلول، فلما مات ابن سلول، طلب ابنه وهو مؤمن من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفن أباه في قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل ذلك ردا لجميل ابن سلول مع عمه من قبل، وإكراما لابنه.

وفعله صلى الله عليه وسلم في بدر، بعد أن أسر كفار قريش، فقال: "لو كان المطعم بن عدي حيا وكلمني في هؤلاء النتنى لأعطيتهم له"، والمطعم مات كافرا، ولكن له جميل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أدخله مكة في جواره، أي في حمايته بعد عودته من الطائف تتربص به قريش لإيذائه، ومع ذلك كان على استعداد أن يعفو عن كل الأسرى لو كان المطعم حيا وتوسط لهم عنده، رغم كفره وموته كافرا.

الموضوع متشعب وكبير والاستدلال عليه يطول، سواء من القرآن الكريم، أو من السنة المطهرة، أو من تاريخنا القديم والحديث، في كيفية وزن الناس، ووضعها حسب معايير منصفة، وبخاصة عند موتها، وفي علاقتنا بالمجتمع وكيف نتعامل في مثل هذه القضايا الاجتماعية والإنسانية التي ستتكرر كثيرا، وهل يلزم أن يكون موقفنا جميعا موقفا واحدا، أم في الشريعة ما يسع تعدد المواقف؟ علينا أن ندرس الآراء كلها، ولا نهاجم من تبنى رأيا منها، وعلينا أن نراجع موقفنا من المجتمع الذي يؤيد السيسي هل تظل علاقتنا به علاقة الدعاء عليه فقط، أم دعوته للهدى والرشاد، وهو ما أبينه في مقال قادم إن شاء الله.
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 هل نترحم على مؤيدي السيسي؟!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7