الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الثلاثاء 18 أكتوبر 2016

وجدي عبد العزيز يكتب: المأساة المصرية

اختلفت مع زميلي بالثانوية العامة وفي كلية الإعلام بجامعة القاهرة خالد صلاح، الإعلامي الآن ورئيس تحرير موقع اليوم السابع، عندما بدأنا البث التجريبي للموقع، رغم أننا حلمنا أن نقدم صحافة جادة تفيد القارئ وتنذر الحاكم. كان الخلاف على مقال لي بعنوان "كذبة أبريل" نُشر أونلاين لمدة ساعة في أول أبريل، وسخرت ساعتها من الدعوة للإضراب العام في 6 أبريل 2008، ومن الاستعدادات لانتخابات محلية كان قائدها ورمزها "السيد" جمال مبارك وقتها. قلت إننا في مصر بخلاف كل دول العالم لدينا كذبتين، لا كذبة واحدة، فلا يمكن تصديق الدعوة لإضراب عام مهما كانت سخونة المد العمالي؛ بسبب غياب التنظيم الحقيقي للعمال القادر على توحيدهم خلف الإضراب العام المنتظر، ولا إجراء انتخابات محلية حقيقية منذ وقتها وحتى الآن.

صداقتي بخالد صلاح منذ الصبا، وحتى الآن في الفيس بوك فقط، تمنعني من الخوض في كيفية تألقه، ولكنه في الحقيقة بارع في فهم الموجة وطرق اعتلائها، لذا قرر ساعتها رفع مقالي من على الهواء. أتذكر ما حدث، لأننا نواجه في هذه الأيام نفس المنطق الذي نطق به خالد صلاح وقتها والآن وغيره كثيرين من الأصدقاء مثل عمرو أديب ولميس الحديدي، وهي أن مصر تواجه أزمة، وأراها مأساة، والسبب المباشر لها في رأيي نظام الحكم العسكري الذي بدأ مع فكر وتصورات الحركة "المباركة" لتنظيم الضباط الأحرار المستمر في التحكم والحكم في بلدي، ولذلك قلت وأقول اليوم: كفى كذباً على الناس.

المأساة المصرية الحالية، التي تشمل الحكم العسكري بكل ما تحمله الكلمة من معان، إضافة لمأساة مجتمعية وفكرية تهدد مستقبل البلاد، ليس لتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار ولا عدم توافر السكر لدى البقالين فقط، إنما لأن مصر اعتادت سيطرة المحتل سواء كان أعجميا أو عربيا، والحقيقةأن مصر أكبر بكثير من كل من حكمها والذين تلاعبوا بها مع المحتلين دوما، وكانت نخبتها المثقفة تتبع موجات المحتل، تارة إسلامية حتى "الخلافة" العثمانية، وتارة مدنية ليبرالية، ولبعض الوقت يسارية واشتراكية "عربية" وأخيرا متخبطة بلا هوية حقيقة.

وكان التصويت على قرار في مجلس الأمن حول الوضع في سوريا كاشفا للمأساة، فهل تتبع مصر المملكة العربية السعودية السنية الوهابية ومعها أمريكا والغرب مجتمعاً حول مشروع القرار الفرنسي، أم تنحاز للدولة والشعب السوري ومن يدعهما ممثلين في إيران وروسيا. فوجئ الجميع بالموقف المصري المؤيد لحقن الدماء بموافقته على مشروع القرار الفرنسي لحقن الدماء في حلب عبر منع الطيران الحربي في محيطها، وفي نفس الوقت على مشروع القرار الروسي بوقف الدعم لجماعة فتح الشام "جبهة النصرة" المدعومة سعوديا وأمريكيا بدعوى كونها معارضة معتدلة مسلحة رغم تبعيتها لتنظيم القاعدة.

ورغم تندر الكثيرين على الموقف المصري المتناقض، فهو يوافق على قرار وعكسه في نفس الوقت، فلا يجب أن نهتم كثيرا بما حدث في جلسة مجلس الأمن، فهو فقط مؤشر على عمق المأساة المصرية، ليس فقط فيما يتعلق "بالرز" أو المواد البترولية القادمة من السعودية أو دول الخليج، فرغم تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعانيها مصر، فإنها قادرة على تجاوزها ببدائل عدة، وهو ما حدث ويحدث دوما، ولكن تكمن المأساة في إنها أكبر من الرهان على السيسي، فهو بنفسه وفكره دليل انحطاط شرعية العسكريين منذ يوليو 1952، وجهلهم بالسياسية الدولية ومصادرتهم للحياة السياسية والمدنية وخنقها لصالح حفنة من الطغاة القدامى والجدد المشهود لهم بالبراعة في التلاعب بالمشاعر الدينية ودغدغة طموحات المفقرين في بلدي.

كما كان الانقلاب على حكم أردوغان في تركيا منذ ثلاثة أشهر، والمظاهرات العارمة في إثيوبيا نموذجين لدى منافقي الحكم في إظهار صحة مواقفهم المؤيدة للعسكر، وتمنوا لو كانت لهم يد فيها كما زعم أردوغان نفسه في يوليو أو كما تدعي الحكومة الإثيوبية الآن. والحقيقة العارية أن مصر مهددة بالانهيار إذا ما نفذ السيسي تخويفه للشعب من الانتفاض رفضالسياسته المتأرجحة على كل الحبال، وإذا ما استمرت المحاكمات العسكرية للمدنيين مثلما يحدث مع الكثير من الشباب وعمال الترسانة البحرية، أو محاكمة مديري التليفزيون المملوك للدولة بدعوى إهانة السيسي، ومع عدم تحقق الشعارات الأساسية للانتفاضة الشعبية في يناير قبل خمس سنوات، وأهمها سقوط شرعية العسكريين بدءاً من 23 يوليو 1952، وتحقيق العدالة الاجتماعية والحرية، فلا ننتظر سوى موجة ثورية جديدة، ولكنها حتى الآن تفتقد للرؤية الاستراتيجية لبناء مصر ديمقراطية مدنية عصرية، دولة لاتعتمد على تدفق المساعدات سواء من دول الخليج أو البنك والصندوق الدوليين، وإنما ببدء حقبة جديدة في التاريخ المصري لاتخضع لرغبات المحتل أو المانح، بل تبني خططها على الإمكانيات الكبيرة للواقع المصري مهما كانت التحديات.
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المأساة المصرية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7