الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الثلاثاء 18 أكتوبر 2016

محمد القدوسي يكتب .. مصر: ذكر ما جرى
علمنا التاريخ أن المنازلات، خاصة الكبرى، تصل ـ دائما ـ إلى ذروة المواجهة، مهما بدت نتيجتها محسومة. كما علمنا أن الصراعات لا تسير ـ بالضبط ـ وفق إرادة أحد أطرافها، مهما كانت درجة ميل ميزان القوى لصالحه، فالميزان نفسه ليس أبديا بل هو ناتج تفاعل مجتمعي يتغير بتغير معطياته.

وهكذا يمكن الحكم باستمرار "الثورة المصرية" باعتبارها منازلة لم تصل إلى غايتها بعد، وإنما تمارس دورات "الكر والفر".

كان منطلق 25 يناير متواضعا للغاية: مجرد محاولة لتعديل التوازن النسبي بين "الأقليات المتساندة" في الدولة التي وَصَفْتُ بنيتها منذ 2010 بأنها تقوم على "جنرال في القلب وأقليات متساندة من حوله وركنها الثالث استبعاد الأغلبية". ولم تكن الأقليات تسعى إلى أكثر من إعادة ترتيب مواقعها، لأن ترتيبها لم يعد يتسق مع التغيير الذي طرأ على أوزانها النسبية.

آخر صيغة مستقرة لترتيب هذه الأقليات كانت "تحالف قوى الشعب" كما سماها "الاتحاد الاشتراكي" وفيها يتصدر اليسار الرسمي، ثم يسبق الأزهر وتوابعه الكنيسة وروادفها في المؤسسة الدينية الرسمية، ثم يأتي الليبراليون تحت لافتة "الرأسمالية الوطنية". وتتأخر الطفيلية، وتقمع الراديكالية إسلامية ويسارية.

لكن اليسار فقد كثيرا من أوراقه في الداخل والخارج منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، والكنيسة تبلور لها دور سياسي باعتبارها مفتاحا للعلاقة مع أمريكا، بينما الطفيليون يمسكون بزمام الاقتصاد، وزمام الأمن أيضا، لا بواسطة "البلطجية" فحسب، إنما ـ في الأساس ـ بالسيطرة على وزارة "الداخلية" التي أصبحت في سنواتها الأخيرة وزارة "الحراسات الخاصة" منصرفة عن "الأمن العام" إلى حماية من يدفع، وهكذا كانت تحمي "لصوص" البنوك لا البنوك، و "لصوص" الآثار لا الآثار. وفي الانتخابات كانت تحمي المزورين لا المرشحين، والبلطجية لا الناخبين.

ومع هذه السيطرة على الاقتصاد "الأسود" و "جهاز القمع" كان طبيعيا أن يتطلع الطفيليون إلى مكانة أكبر، وهو ما سعى إليه حراك الأقليات المتساندة في 25 يناير، إذ أراد وضع الطفيليين (بقناع ليبرالي) في المقدمة، وبعدهم المؤسسة الدينية وفيها الكنيسة ثم الأزهر، وأخيرا اليسار الرسمي. مع منتهى القمع للراديكاليين. لكن الأغلبية التي كانت مستبعدة قلبت المشهد في 28 يناير، لنصبح بصدد انطلاقة ثورية حقيقية، مشروعها تغيير النظام برمته، ولا شأن لها بمنظومة الأقليات وما تريده.

ويبقى حديث آخر عما جرى بعد ذلك.
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  ذكر ما جرى

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7