الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الثلاثاء 18 أكتوبر 2016

جمال سلطان يكتب: دلالات زيارة رئيس مخابرات «بشار» للقاهرة
أمس الاثنين ، أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية الحكومية (سانا) أن اللواء علي المملوك ، رئيس مكتب الأمن الوطني لنظام بشار ـ أعلى سلطة أمنية واستخباراتية هناك تسيطر على جميع الأجهزة الأمنية الأخرى ـ زار القاهرة بناء على دعوة من الجانب المصري استمرت يوما واحدا، والتقى خلالها نائب رئيس جهاز الأمن القومي في مصر اللواء خالد فوزي وكبار المسئولين الأمنيين ، وأضافت الوكالة أن الاتفاق الذي تم بين الجانبين يتضمن تنسيق المواقف سياسيا بين دمشق والقاهرة وتعزيز التنسيق في مكافحة الإرهاب الذي يتعرض له البلدان .

الخبر تناقلته جميع وسائل الإعلام العربية والعالمية ، إلا الإعلام المصري ، تجاهله تماما حتى هذه اللحظة ، بدون سبب معلوم ، كما أن هذه الزيارة ، والتي كانت بمبادرة مصرية ـ حسب قول الوكالة السورية الرسمية ـ تأتي في سياق توترات في العلاقة بين مصر والسعودية على خلفية الموقف المصري الداعم لبشار الأسد ونظامه ، والمناقض تماما للأمن القومي السعودي والخليجي بشكل عام ، وبدون شك ، أن تأتي هذه الدعوة في تلك الأوقات ، فلا يمكن إغفال أنها رسالة سياسية ليست بمعزل عن سياق الأحداث القلقة التي تشهدها المنطقة خلال الأيام الأخيرة .
التنسيق السياسي بين مصر والنظام السوري ، أي بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وبشار الأسد ، يعني أننا بإزاء محور سياسي ، وبطبيعة الحال هذا المحور مضاد للمحور السياسي الذي تقف فيه السعودية ، وأيضا التنسيق في مجال مكافحة الإرهاب يعني قطيعة كاملة بين الموقفين المصري والسعودي في الملف السوري ، لأن نظام بشار الأسد وأجهزته تعتبر أن المعارضة المسلحة المدعومة من السعودية والخليج منظمات إرهابية وأن السعودية هي الشيطان الأكبر الذي يدعم هذا الإرهاب ويموله ، حسب الخطاب الرسمي لنظام بشار ، وبالتالي فلنا أن نتصور "العقيدة السياسية" التي تحكم القرار المصري الآن في الشأن السوري ، وأيضا سيكون السؤال ضروريا عن مغزى تأكيد السيسي على أن العلاقات مع السعودية متينة ولا تشوبها شائبة وأن أمن الخليج من أمن مصر ، إلى آخر الخطاب المعروف .
اللقاء الذي جرى بين القيادات الأمنية المصرية مع قيادات نظام بشار أتى بعد يومين من اجتماع خليجي تركي شهدته العاصمة السعودية الرياض ، ناقش وضع استراتيجية شاملة لمواجهة مشكلات المنطقة ، وهو ما يمكن أن يفسر دعوة مصر لعلي مملوك بأنه رد على هذا اللقاء أو هذا المحور الذي بدأ يتشكل للتعامل مع أزمات المنطقة ومشكلاتها ، بما فيها بطبيعة الحال الملفات : السورية والعراقية واليمنية ، وذلك بدون وجود مصر أو حضورها أو مشاركتها ، وهي إشارة مؤلمة على أن "الخليج" لم يعد يعول على مصر كثيرا ، أو أنه بات مقتنعا بأن القيادة المصرية لها حسابات بعيدة عن المصالح الخليجية ، وأن أولويات الأمن القومي للخليج يختلف كثيرا عن رؤية السيسي لأولويات الأمن القومي المصري ، وبالتالي بدأ الخليج يبحث عن شريك آخر بعيدا عن مصر والسيسي ، والملاحظ أن الأمر لم يتوقف على السعودية أحد أهم داعمي السيسي بل ومنقذيه ، بل حتى الإمارات بدأت تنسيقا مع تركيا ، وكان وزير خارجيتها في أنقره قبل يومين وتحدث عن تنسيق استراتيجي جديد بين البلدين .
مصر تخسر الخليج ، الخريطة الجديدة واضحة ، وهذا يعني أن النظام يخسر أهم داعميه وأقوى حلفائه ، بالنظر إلى أن أزمته الأكثر خطورة الآن اقتصادية ، وبالنظر إلى وجود مصالح خمسة ملايين مصري على الأقل يعملون في الخليج ويفتحون بيوتهم في مصر من المال الخليجي ويرعون ضعف عددهم في أسرهم هنا ، إضافة إلى استثمارات ضخمة للخليج في مصر هي الأكبر بين جميع الدول وودائع بحوالي اثني عشر مليار دولار لحماية الاحتياطي النقدي المصري من الانهيار ، لا بأس ، من حقك أن تدير ظهرك للخليج الذي لك ولشعبك معه كل هذه المصالح الحيوية ، ولكن من حقنا أن نعرف المقابل ، البديل ، الضرورة ، لصالح من نخسر الخليج ، لكي نكسب نظام بشار المنبوذ عالميا والمتهم بارتكاب جرائم حرب وحشية والمجمع على أنه بلا مستقبل ، انتظارا لإنهاء خطر الجماعات المتطرفة في سوريا فقط ، هل من الحكمة أن تستقبل مصر مجرما مثل علي مملوك تطارده المحاكم الدولية لتورطه في أعمال إرهابية واغتيال شخصيات لبنانية وتهريب متفجرات للبنان .
حسنا ، ألقي دول الخليج وراء ظهرك ، ولكن من حق الشعب أن تشرح له الثمن ، المقابل ، البديل ، الدافع ، الضرورة ، لا يكفي الشعارات الفضفاضة عن استقلالية القرار المصري ، فهي ليست محل خلاف أصلا ، لا أحد يريد ولا حتى يفكر في ارتهان القرار المصري لأي جهة كانت ، لكن من حق الشعب الذي يتضرر من قرارك أن يفهم حسابات هذا القرار أو ضروراته ، الشعب الذي يدفع ـ وحده ـ الثمن في النهاية وتطالبه بالصبر على البؤس والفقر والمرض والخراب ووقف الحال ، من حقه أن يعرف السبب الذي يدفعك للتضحية بمصالحه تلك الحيوية وقوت أولاده ، والبديل .
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  دلالات زيارة رئيس مخابرات «بشار» للقاهرة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7