الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الثلاثاء 18 أكتوبر 2016

محمد على إبراهيم يكتب : التوك توك أسقط مكياج الحكومة !
لا أعلم بالضبط السبب الحقيقى وراء الهجوم الضارى على سائق توك توك أفرغ ما فى جوفه فى كلمتين يقول مثلهما الآلاف على المقاهى وفى الميكروباصات ومترو الأنفاق ووسائل المواصلات العامة ؟ السبب فى رأيى ليس الانتقاد الممنهج المنظم الذى تحدث به بطلاقة وانسيابية يحسده عليها رئيس البرلمان الذى يخطىء فى اللغة العربية بمعدل عشر أخطاء فى الدقيقة!
ولكن السائق أخطأ في نظر مؤيدي الرئيس السيسى عندما قال أنه قبل عامين لم يكن هناك هذا الغلاء وتلك الأزمات التموينية .. والمعنى أن مجيء الرئيس أدى لتفاقم الوضع الاقتصادى وتردى الجنيه وغير ذلك .. كلام الرجل يكتبه كثير من المعارضين ولا يحاسبهم أحد .. لكن لماذا اهتزت الدولة من الفيديو الذى أصبح أشهر كليب لعام 2016 .. فى رأيى أن هناك أسبابا .. ربما أكون مخطئا أو مصيبا فيها لكن دعونا نفكر معا..


أولا: الرجل من الجماهير الكادحة وكلامه وضع الخبراء الاقتصاديين فى أزمة وكذلك الحكومة ! منذ 25 يناير والرؤى تكاد تكون واحدة .. إما مع الدولة بتعصب وإما ضدها بتطرف .. لكن لا أحد فكر فى المواطن .. وجهات النظر بعضها يقول لابد من صندوق النقد وآخرون ينتقدون الاقتراض .. تجد من ينادى بتحرير العملة والبعض يرفض .. ينادون بتقليل الاستيراد وزيادة التصدير .. ولا يحدث شىء من ذلك كله .. من ثم فسائق التوك توك رغم عصبيته أسقط مكياج الحكومة.


ثانيا: أسوأ ما فى الحكومة الوعود والتكلف وازدراء الرأى الآخر .. من ثم فهى لا تشغل بالها كثيرا بأزمات الشعب فى الخدمات والتعليم والصحة والزراعة .. لذا عندما تكلم واحد من الشعب وحقق هذا الانتشار السريع، أدركت الحكومة أن سائق التوك توك أهم من كل المقابلات المحلية والأجنبية التى تجريها وتبرر بها عجزها .. تنفق مليارات وتدّعى الفقر .. كلام الرجل ببساطة أثبت أن مقابلات الحكومة وتصريحاتها ومانشتات صحفها ومبالغات وزرائها كلها ليس لها أساس .. الحكومة تتحدث ليل نهار عن تحديات .. وللأسف أصبح حديثها غير مقنع خاصة وأنها تتميز بالبذخ الشديد وبرلمانها أثبت أنه عدو الشعب وليس نائبا عن الجماهير.


ثالثا: كلام السائق برهن على أن هناك هوة سحيقة بين الحكومة والشعب .. سائق التوك توك أثبت أن الاجتماعات التى تتم منذ 5 أعوام سواء فى مقر مجلس الوزراء أو قاعة المؤتمرات أو وزارة البترول "المقر القديم لرئيس الوزراء " لم يسفر عنها شىء .. توزع أوراق مجهزة بالتحديات ويتحدثون ويناقشون ساعتين أو ثلاثة وربما يوما كلاما ثم يخرجون بعدها كما دخلوا ..

إن حوار سائق التوك توك – بعيدا عما إذا كان إخوانيا أو لا – أظهر أن مصر مازالت تعانى رغم كل الاجتماعات والمؤتمرات .. وهى لم تتوصل بعد لحل لأزماتها .. كم مرة قدمت الحكومة توصيات ورؤى !. وكم مرة تحدثوا عن التحديات ! وفى كل مرة يفشلون فشلا ذريعا .. لماذا نستمر فى الفشل ولدينا خبراء فى كل شىء .. هل الأزمة فى الإدارة أم الخبراء أم النظام؟!


هذا السائق أثبت أن فى مصر خبراء آخرين هم " أولاد الواقع" أو أبناء الشارع .. مصر ليست شباب الجامعات المتأنقين أو شباب البرنامج الرئاسى .. كلام سائق التوك توك أثبت أن "علم الواقع" أهم من علم الكتاب .. استفيدوا من علم الكتاب فى التجارب والمؤتمرات الصحفية، لكن استفيدوا من علم الواقع .. غيروا خريطة خبرائكم الذين تختاروهم كما تختارون حكوماتكم وبرلمانكم من أهل الثقة ! جربوا الاستعانة بشباب .. بحرفيين .. بفلاحين .. برجال صناعة .. شكلوا مجلس خبراء الإنقاذ .. وبلاش أهل الثقة فى كل شيء .. اطلبوا مساعدتهم بدلا من إشعارهم أنهم منبوذون وخونة وعملاء .. يمكن يكون لديهم عقول تخرج البلد من أزماتها .. جايز تقدروا تعمقوا فيهم الانتماء للبلد.


ولا داعى لأن تروجوا مقولة أن سائق التوك توك لا يدفع ضرائب ولا مخالفات والبلد سايباه "يبرطع فيها ".. عيب قوى الكلام ده .. وعيب معايرة الشقيانين باللقمة والأمان وتهديدهم بمعيشة الخيام وتمزيق البلد .. الغلابة صابرون لأنهم لا يعرفون وطنا غير هذا .. أما الآخرين فمشتتون بين الأموال والأنفس والثمرات.


وتبقى الطامة الكبرى وهى أن هذا السائق المجهول اسما حتى لعمرو الليثى المذيع الذي استضافه، استقطب اهتمام رئيس الوزراء وحرص على مقابلته وسأل عن عنوانه لكى يتواصل معه .. والحمد لله أنه لم يصل إليه .. لأن صرخة الوجع التى أطلقها السائق كانت ستنتهى بشقة من المحافظة والتقاط بعض الصور معه لتتصدر الصفحات الأولى من الصحف القومية والخاصة وربما يحصل على وظيفة بمرتب كبير فى شركة بترول.


وبهذا تقتنع الحكومة – أو تقنع نفسها – أنها حلت مشاكل الملايين أمثاله دون أن تتوفر لهم الفرصة للحديث أمام الكاميرات.

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  التوك توك أسقط مكياج الحكومة !

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7