الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الأحد 16 أكتوبر 2016

محمد يسري يكتب: هل هي نهاية الطريق بين السيسي والسعودية؟
في نهايات عام 1962 كانت علاقة المملكة السعودية بنظام عبد الناصر في مصر قد بلغت الحضيض. تبادلت إذاعات البلدين السباب صباح مساء، واتهم عبد الناصر السعودية بدفع الملايين لتمويل الانقلاب الذي أدى لتفكيك الوحدة بين مصر وسوريا وإنهاء «الجمهورية العربية المتحدة». صفعة رد عليها عبد الناصر بدعم الثورة الجمهورية في اليمن، على مشارف السعودية، وإرسال الجيش المصري لمساندتها في وجه حكومة «الإمام» المدعومة من النظام السعودي، بل والتهديد بأن القوات المصرية الموجودة باليمن «ستعمل على القضاء على العدوان، ثم ستعمل على القضاء على قواعد هذا العدوان، المتمثل في ملوك السعودية وأمراء السعودية».

لاحقًا، وعقب الهزيمة التي منيت بها مصر في 1967، والتي أوهنت نظام عبد الناصر وحطمت أسطورته، قرر «ناصر» الجريح سحب الجيش المصري من اليمن، وتلقى بالشكر الدعم الذي قدمه الملك فيصل في قمة الخرطوم.

لكننا لسنا في الستينات
أثار تصويت مصر في اجتماع مجلس الأمن لصالح مسودة القرار الروسي، والذي لم يمرر لعدم حصوله على العدد الكافي من الأصوات، استهجانًا حادًا من قبل المملكة السعودية إلى حد استنكار خالد التويجري، الرئيس السابق للديوان الملكي في عهد الملك عبد الله، وأحد عرابي نظام السيسي، للموقف المصري و«تأسفه» على الطريقة التي اختار بها السيسي رد سابق مواقف المملكة تجاهه.

تصويت مصر لصالح مسودة القرار الروسي،والذي أثار استهجانًا سعوديًا، تزامن مع قرار أرامكو بوقف إمداد مصر بالمنتجات البترولية.
الأمر الذي تزامن مع قرار أرامكو السعودية بوقف إمداد مصر بالمنتجات البترولية وفق العقد الذي تم توقيعه إبان زيارة الملك سلمان ويتيح لمصر شراء 700 ألف طن من المنتجات البترولية من السعودية شهريًا على أن يتم تسديد ثمنها على 15 عامًا.

رد الفعل على التصويت المصري، والتوتر في العلاقات الذي عكسه قرار أرامكو الأخير، والذي دفع مصر لطرح مناقصات عاجلة لشراء حاجتها من البترول، في نفس الوقت الذي وقعت فيه أرامكو اتفاقات تفاهم مع 18 شركة تركية في مختلف المجالات، ثم مغادرة السفير السعودي للقاهرة في اليوم التالي، يعيد للأذهان التكهنات بتدهور العلاقة بين مصر والسعودية وتخلي المملكة عن الدعم المكلِّف لنظام السيسي.

في الستينات كان بإمكان السعودية إنفاق الملايين لمناوءة نظام ناصر متزايد القوة، لكن اليوم، ورغم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها السعودية، فإن قرار التوقف تمامًا عن دعم النظام المصري المتهالك، فضلًا عن «معاداته»، ليس بهذه السهولة.

المشهد الحالي مختلف تمامًا عن مشهد الستينات على المستوى الإقليمي، فـ «حلف بغداد» الذي كان أعمدته النظامان الإيراني والتركي العلمانيان والمواليان للغرب، تحطم بعد وصول الخميني إلى السلطة في إيران وتأسيس ولاية الفقيه، بالتزامن مع صعود الإسلاميين في تركيا تدريجيًا بقيادة أربكان، انتهاءً بوصول تلميذه أردوغان إلى كرسي «أتاتورك» وتدشين «تركيا الجديدة».

وعلى المستوى الدولي فالدعم الأمريكي للنظام السعودي، والذي كان الاعتماد عليه أحد ثوابت السياسة السعودية، وأثبت نجاعته بالفعل إبان غزو الكويت، لم يتراجع فقط، بل أصبح محل شك بالأصل لاسيما مع تمرير قانون «جاستا»، والذي حصل على موافقة أكثر من ثلثي أعضاء الكونجرس؛ الأمر الذي يعني أن كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري قد أحرقا المراكب السعودية، واتفقا معًا، في واقعة قليلة الحدوث، على دعم هذا القانون الذي يستهدف السعودية بلا مواربة.

تسببت السياسات السعودية في تحطيم العالم العربي السني وانتشار الفوضى فيه، في لحظة بالغة الحساسية، عبر تدخلها المدمِّر ضد الربيع العربي.
الآن تخوض إيران، العدو الأول للسعودية منذ الثورة الإسلامية في 1979، أحد أكبر حروبها التوسعية، مستعينة بفواعل متعددة، ومستغلة الفوضى التي يعيشها العالم العربي السني؛ الأمر الذي جعل المسؤولين الإيرانيين يتباهون بسيطرتهم على أربع عواصم عربية هي بغداد، ودمشق، وبيروت، وصنعاء، وكلها عواصم تحيط بالسعودية وتضيّق الخناق عليها.

الموقف بالغ السوء الذي تجد السعودية نفسها فيه اليوم، كانت هي المتسببة به ابتداءً. تسببت السياسات السعودية في تحطيم العالم العربي السني وانتشار الفوضى فيه، في لحظة بالغة الحساسية، عبر تدخلها المدمِّر ضد الربيع العربي. بدلًا من أن يتفاهم النظام السعودي السابق مع الحركات الإسلامية الديموقراطية الصاعدة حديثًا إلى السلطة، والتي لطالما لاحقتها اتهامات ودعاوى تلقي الدعم من السعودية على مدار تاريخها، اختار نظام الملك الراحل عبد الله، ورئيس ديوانه «المتأسِّف»، أن يضع الإسلاميين في صدر قائمة أعدائه، حتى قبل الغريم الإيراني التقليدي، وأن يجعل شغله الشاغل تحطيم هذه الحركات وإزاحتها من السلطة بأي ثمن. وفي الوقت الذي وجّه محمد مرسي – الرئيس المصري المعزول – أولى زيارته الخارجية للملكة السعودية، ردت السعودية بأن كانت أول دولة ترحب بعزله، وتهنئ الرئيس الجديد (عدلي منصور) الذي لم يكن أحد يعرف اسمه بعد.

كان الموقف السعودي من الربيع العربي خاتمة لسلسلة من السياسات غائبة البصيرة التي اتبعها الملك عبد الله ابتداءً من تشكل العراق بعد الغزو الأمريكي، والموقف من القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل، وانتهاءً باستضافة ابن علي وصالح ودعم انقلاب مصر وحتى ضرب الإصلاح في اليمن؛ ليكون آخر مشهد يراه الملك السعودي على فراش الموت الحوثيون وهم يدخلون صنعاء من كل باب.

ملك جديد، سياسة قديمة
عقب الاجتماع الذي ضم الرئيس التركي أردوغان بالملك سلمان، وحضره الأمير محمد بن سلمان، في مارس/آذار 2015، رشحت عن الاجتماع تسريبات بأن الرئيس التركي دعا الملك السعودي الجديد لاتخاذ موقف مغاير لسلفه تجاه النظام المصري، مبينًا الحاجة لمصر قوية ومستقرة وديموقراطية لتحقيق التوازن اللازم ومجابهة تحديات المنطقة. إلا أن الرد السعودي أتى بأن المملكة حريصة على قوة مصر واستقرارها بالفعل، لكنها ترى أن المصريين لا يصلح لهم، ولا يضمن الاستقرار في بلادهم، سوى الحكم العسكري الذي اعتادوه لأكثر من 60 عامًا.

لسنا بحاجة لإثبات أو نفي وقوع تلك الحادثة إذ أن وقائع وممارسات السياسة السعودية تجاه مصر لاحقًا مغنية عن ذلك.
على الرغم من التغييرات التي جرت في نهج السياسة السعودية، خاصة مع وجود الأمير الشاب محمد بن سلمان في قلب دائرة صنع القرار، إلا أن المقاربة السعودية تجاه النظام المصري والإسلاميين والتحالفات والعداوات الإقليمية لم تشهد إلا تغيرًا طفيفًا، تمثل في إرجاع إيران إلى موقع الصدارة في قائمة الأعداء، وإبعاد الإسلاميين منه مؤقتًا.

يعود ذلك بالأساس لوجود طبقة بيروقراطية من المستشارين والدبلوماسيين والأمراء في دائرة صنع القرار السعودي اعتادت على اعتناق رؤى واستخدام أدوات محددة وتبني نظرة إستراتيجية للذات والمحيط، تراكمت عبر العقود، ليس من السهل أن تشهد انقلابًا جذريًا حتى وإن طرأ عليها تغييرات تكتيكية.

لذا وفي مقاربتنا للأزمة الجارية بين النظامين السعودي والمصري الحاليين، علينا أن نتذكر أنها ليست الأولى؛ إذ سبقتها عدد من التوترات المحدودة، كسماح الحكومة المصرية بالتظاهر أمام السفارة السعودية في مطلع عملية عاصفة الحزم، والتراشق الكلامي، بالوكالة، بين الصحفيين المصريين والسعوديين لاحقًا. هذا التوتر في العلاقات سرعان ما عاد للهدوء إثر زيارتي الأمير محمد بن سلمان والملك سلمان لمصر والتي تم فيهما توقيع عدد من الاتفاقيات (تضمنت قضية تيران وصنافير المثيرة للجدل) وتعهدت السعودية بالاستمرار في دعم الاقتصاد المصري، عن طريق الاستثمارات، ووودائع البنك المركزي، وشحنات البترول آجلة السداد، مؤكدة على أن العلاقة مع مصر هي «نموذج للشراكة الإستراتيجية».

ما البديل؟
تتمثل أهمية النظام المصري بالنسبة للسعودية في امتلاكه لجيش كبير يمكن إرساله للحرب بسهولة -نسبية- تحت إغراء المال، وحتى رغم الاحتجاجات الشعبية، بالضبط كما حدث في مشهد حرب «تحرير الكويت»، والذي أسقطت على إثره نصف ديون مصر لـ «نادي باريس».

تحتاج السعودية للحماية والدعم اللذين اعتادت أن توفرهما لها الولايات المتحدة، لكن هذه الحماية كما أسلفنا أصبحت موضع شك لاسيما بعد الموقف الأمريكي من «حرب اليمن»، حيث تلكأت شركات السلاح الأمريكية في الاستجابة للطلب السعودي بتعويض ما استهلكته الحرب من الآليات والذخائر التي أوشكت على النفاد؛ الأمر الذي وضع السعودية في موقف بالغ الحرج، واضطرها للقبول بمفاوضات الكويت، التي اتهمت أمريكا السعودية بإفشالها وسحبت على إثر ذلك خبراءها العسكريين، كما صعّدت من لهجتها ضد السياسة السعودية إلى الدرجة التي أصبحت فيها إدارة «أوباما» أقرب لنظام «روحاني» من نظام «سلمان». أصبح من الصعب التعويل على «الحليف الأمريكي» بعد الآن.

يأتي هذا في لحظة تشهد تصاعدًا حادًا للعداء مع إيران، وأزمة اقتصادية جراء انخفاض أسعار النفط وارتفاع البطالة وغيرها من المشاكل الهيكلية التي يحتاج إصلاحها لإجراءات صعبة، قد تعيد تشكيل العقد الاجتماعي السعودي، وقد تهدد باشتعال احتجاجات شعبية تستغلها وتأججها إيران لنقل الصراع إلى قلب السعودية.

في ظل تراجع الدعم الأمريكي وتصاعد العداء مع إيران بحثت السعودية عن داعمين إقليميين بإمكانهم تعويض الدور الأمريكي، ابتداءً بمصر وتركيا، مرورًا بخيارات غير واقعية/فعالة لأسباب يطول شرحها، كباكستان والسودان والسنغال، وانتهاءً بترويج بعض السياسيين السعوديين، كتركي الفيصل وأنور عشقي؛ للتقارب والتحالف مع إسرائيل ضد إيران، والذي يعد خيارًا بائسًا وبالغ الضرر لمشروعية النظام السعودي.

البديل الوحيد عن مصر يتمثل في تركيا، والتي تملك أحد أكبر الجيوش في العالم والمنطقة، إلا أن السعودية غير قادرة حتى الآن على أخذ قرار هذا التحالف على محمل الجد لعدة أسباب؛ أهمها اختلاف طبيعة العلاقة مع النظام التركي عما اعتادت عليه المملكة تجاه «حلفائها» و«أدواتها» السابقين. فأردوغان ليس رفيق الحريري ولا مبارك ولا السيسي، ورغم الحماس التركي للاستثمارات السعودية، إلا أن طبيعة العلاقة بينهما لن تكون على شاكلة «سياسة دفتر الشيكات» التي اعتادت عليها السعودية. إقامة تحالف مع تركيا تستلزم تغييرًا كاملًا في الرؤية السعودية لذاتها وللمنطقة وقضاياها، في صورة أقرب ما تكون للسياسة القطرية، ولكن السعودية لا تبدو مستعدة/راغبة في ذلك بعد.

ففي الفترة بين يونيو/حزيران ونوفمبر/تشرين الثاني 2015، التي فقد فيها العدالة والتنمية أغلبيته البرلمانية، شهدت علاقة السعودية تجاه تركيا درجة من الفتور. الأنكى من ذلك كان الموقف السعودي تجاه محاولة الانقلاب في يوليو/تموز 2016، حيث ظهرت قناة العربية وكأنما ترحب بالانقلاب في ساعاته الأولى، بينما تلكأ النظام السعودي في إعلان رفضه للانقلاب ودعمه للنظام الديموقراطي، ولم يزر أي مسؤول سعودي رفيع تركيا إلا بعد محاولة الانقلاب بشهور. يأتي هذا على النقيض من موقف قطر، أو حتى إيران التي سارعت في نفس الوقت لإعلان دعمها وإرسال وزير خارجيتها «جواد ظريف» لأنقرة بعد محاولة الانقلاب بأقل من شهر؛ ليصرح وزير الخارجية التركي بـ «أنه ونظيره الإيراني لم يناما طيلة الليلة التي شهدت محاولة الانقلاب، وأن ظريف اتصل به في تلك الليلة من 4 إلى 5 مرات، ليطمئن على الأوضاع في تركيا».

رغم حرص تركيا على التقارب مع السعودية، واستعدادها لتوسيع دائرة نفوذها ونشر جنودها بالخارج في قواعد عسكرية تركية، إلا أنه يصعب عليها تحويل هذا التقارب إلى تحالف في ظل هذه المواقف والرؤى السعودية الراهنة، كما أنها بالأصل ضد أي مزيد من التصعيد والاقتتال الطائفي السني-الشيعي، وترى فيه خطرًا وفخًا منصوبًا لإحراق المنطقة، بما فيها تركيا؛ الأمر الذي تجلى في لهجة أردوغان تجاه إيران في حديثه الأخير مع الصحفي السعودي «جمال خاشقجي».

تقف السعودية اليوم في مفترق طرق، وما لم تأخذ قرارًا بإحداث تغيير جذري وحقيقي في سياساتها ورؤيتها لذاتها وللمنطقة، وبالتالي أصدقائها وأعدائها، وهو أمر صعب ومستبعد، فإنها ستظل بحاجة لدعم النظام المصري، الذي اعتادت التعامل معه رغم الاختلاف في الرؤى وغياب الثقة بينهما، على الأقل حتى الانتخابات الرئاسية في 2018. وحتى ذلك الحين تستمر سياسة «الرز» على أمل أن يكون الدعم «مسافة السكة».
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  هل هي نهاية الطريق بين السيسي والسعودية؟

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7