الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
السبت 15 أكتوبر 2016

محمد مصطفي موسي يكتب .. سائق الـ توك توك الذي أرعبهم !

والله العظيم مضحكون، ولولا أننا نتسلى بغبائهم الكلاسيكي، في المشهد المقرف الراهن، لأصابتنا العلل النفسية والجسمانية، حتى نموت كمدًا.

أعضاء حكومة، أشبه بالمخبرين الأغبياء في أفلام "الأبيض والأسود"، حيث كانوا يخرقون الصحيفة، ويرتدون البالطو الثقيل في عز الصيف -الذي يزورنا هذه الأيام، رغم أنف منتصف أكتوبر- ويجلسون إلى طاولات نائية، لمراقبة أفراد العصابة الظرفاء، مثل استيفان روستي وتوفيق الدقن وعباس فارس.

ما إن بثت قناة الحياة، فيديو "سائق التوك توك" حتى هرعت الدولة المصرية للبحث عن الشاب الذي حقق في أقل من أربع وعشرين ساعة، أكثر من مليون مشاهدة على الشبكة العنكبوتية، كأنها في نوبة هستيريا جامحة، حمل فسيفساء مشهدها العبثي، تحريكًا إعلاميًا لجوقة الببغاوات، للتشويش على أصل القضية، وهو أن الشاب قال كلامًا يخلي من عنده نقطة دم، يتكسف من خيبته، ويتوارى خجلًا من عاره.

لكن هذا لم يحدث في دولة الثلاثين من يونيو، فالرجل إخواني.. نعم هيا نروج لذلك، فنطمس معالم الآثام التي ترتكب بحق الكادحين في أرض هذا الوطن، بل الأكثر من ذلك أنه انتسب لحزب الحرية والعدالة المنحل، ما يعني أنه تنظيمي وربما إرهابي، ولعله مدفوع من قبل التنظيم الدولي، والمؤكد أنه "قابض من قطر وتركيا وإسرائيل وأمريكا.. وربما السعودية بعد الخلاف مؤخرًا"، لتشويه الإنجازات الفظيعة البديعة التي تتحقق في زمن قياسي، على يد حكيم الفلاسفة.

على أن منهج التشويش ذاك، لم يعد يجدي نفعًا، فالشماعة الإخوانية تكسّرت من فرط ما حملت من مبررات بالية، والناس أصبحوا يجأرون بالشكوى، ليل نهار، يصرخون من فاتورة تضربهم، وغلاء يجلدهم، وسلع تموينية تختفي فتدّوخهم، ومصروفات مدرسية تستنزفهم، وخدمات علاجية تقتلهم، ودواء يرتفع ثمنًا، ويقل عرضًا.

وبغض النظر عن دوافع بث الفيديو، عبر قناة الحياة المملوكة لرجل الأعمال السيد البدوي، في برنامج عمرو الليثي تحديدًا، وكلاهما لم نر له موقفًا، إزاء أي موقف، فلا معارضة للمخلوع ولا المعزول ولا الراهن، يبقى الواقع أن الكلام كشف عن ألف بطحة فوق رأس النظام، فإذا برد الفعل أشبه بردح بنت ليل تريد أن "تلهي خصومها وتجيب ما فيها فيهم".

نحن إزاء شاب يقول بلا مواربة: فاض بنا الكيل، وكيف بالله عليكم ستقفون يوم القيامة أمام الواحد الأحد صاحب الملك؟.. وكيف صغرت مصر تحت وطأة الفشل حتى صارت تتسول رغيفها، وهي التي كانت تجود بكسوة بيت الله الحرام؟

التأصيل التاريخي من هذه الجهة، لا يحاكم النظام الحالي فحسب، بل يدين دولة الثالث والعشرين من يوليو بأسرها، وهو الأمر الذي يزلزل الأرض تحت الأقدام، وينذر بأن الصورة غدت واضحة شعبويًا، والمطالبة بابتعاد الجيش عن السياسة لم تعد خيانة، كما كان يشاع لدى قطاع من الرأي العام، حقن إعلام التهتك عقله بأن "البلد مينفعهاش إلا عسكري"، متجاهلًا مواقف عسكريين "بحق"، مثل المشير الجمسي الذي يقرر في مذكراته أن دخول الجيش يفسد السياسة، ويفسد الجيش معًا.

هناك حقائق غدت بادية، فالديكتاتورية التي قمعت تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" في مرحلة عبدالناصر، مرورًا بذريعة حساسية المرحلة السياسية إبان مفاوضات كامب ديفيد، وما بعدها من خريف غضب السادات، ثم نداءات الحفاظ على الاستقرار أو بالأحرى البلادة، في عهد المخلوع الحرامي، وصولًا إلى هتاف "تحيا مصر" الذي أصبح فزاعة لترهيب كل معارض، وصرخة تنحو إلى الهمجية لإدراجه في عصبة العملاء الخونة، كارهي الوطن.. هذه الديكتاتورية تدحرجت إلى أدنى مراتب الفشل، فانكشف تهافتها، فلا تنمية حققت، ولا رغيفًا وفرت، ولا حصافة اقتصادية أو سياسية أظهرت.

كلام السائق لم يبتدع بدعة، ولم يأت بما لم يدركه الأوائل، فتقرير السعادة الدولي عن العام الجاري يضع مصر في المركز المائة والعشرين، بعد العراق الذي سبقها بثمانية مراكز، في مفارقة مؤلمة وفاضحة معًا، لنظام لا يستنكف عن معايرة "خلق الله" بأنه حفظهم من مصير سورية والعراق!

إن دولة الثلاثين من يونيو، حينما راهنت على الجهل، وترويج الخرافات بشأن المؤامرات الكونية، ودسائس "مجلس قيادة العالم" الذي يترك ما هو وراءه وما هو قُدامه، لإسقاط مصر، تجاهلت أن الرهان لن يؤتي نتيجة حينما تقرقر البطون الجائعة، وصكت أذنيها عن حقيقة أن انتهاز فقر الفقراء يزرع البغضاء، كما يقول شاعرنا الراحل صلاح عبدالصبور.. وهي بغضاء تخرج من غمدها عادةً كالسيف في صدور "الانتهازيين".

سائق الـ"توك توك" أرعبهم إذن، هذا يفسر حالة السعار بحثًا عنه، بالتوازي مع حملته شيطنته.. هذا بغض النظر عمن وراءه، وبعيدًا عما إذا كان إخوانيًا أو حتى صهيونيًا.

إنه أرعبهم لأن كلامه دخل كالمشرط في عمق الصديد والقيح، لأنه نطق بالحقيقة، والحقيقة دائمًا مرعبة بما تمتلكه من قوة أخلاقية، تبدد الأكاذيب المتهافتة والشماعات الرخيصة.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  سائق الـ توك توك الذي أرعبهم !

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7