الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الجمعة 14 أكتوبر 2016
New Page 1

عبد الله الأشعل يكتب: الخلاف المصري السعودي.. عابر أم جوهرى؟!
الأزمة التي تفجرت مؤخرا بين مصر والسعودية تعكس الفشل في إدارة ملف ستكون له تبعات خطيرة علي المدي البعيد في علاقات البلدين.

فليس التهديد بالكشف عن شراء السعودية لوطنية النخب أمرا عابرا وسوف يمتد للكشف عن دور السعودية في الشؤون المصرية منذ الإطاحة بالدكتور محمد مرسي بمساندة سعودية معلنة في أكبر دولة عربية. ولامعني لتفسير الخلاف بأنه صراع علي زعامة العالم العربي لسببين الأول أن مصر الحالية هي رجل المنطقة المريض كما لم يعد هناك عالم عربي أصلا، ثم أن مصر الحالية والسعودية في نفس معسكر أمريكا وإسرائيل بدرجات . والأرجح أن سعار الزعامة السعودي لم يتسامح مع ماتعتبره استثمارا سعوديا في النظام المصري ، لكن السعودية لاتعول علي أي بعث مصري بعد قتل مصر ثلاث مرات الأولي انسحاق وعلاقته بحرب اليمن 1967 والثانية عام 1979 والثالثة سحق الثورة المصرية عام 2011 ، ولكنها شعرت بالإحراج في الإقليم بسبب الصدام بين أولوية السعودية واعتقادها بأنها دولة عظمى وبين أولوية مصر السيسي التى لا يهمها الأولوية السعودية ولا تزعجها بل بالقطع أراحها قول السيسي أن مصر صارت شبه دولة كما عبر وزير الخارجية عن أن مصر لا تطمح إلي أي مكان علي خريطة المنطقة ، فكانت تلك تطمينات أكيدة للسعودية بأن مصر لن تقوم لها قائمة ،وأن الضغط عليها في هذه المرحلة قد يسهم في أن تذهب إلي غير رجعة في الظروف التى تتحمل السعودية والسيسي وحدهما مسئوليتها ، ولكن المحقق هو أن أي انفجار في مصر سوف يغير خرائط المنطقة بما فيها السعودية.والمحقق أيضا أن مصر كانت قبل السيسي تخطط لمعالجة الدمار الذي خلفه مبارك ثم ظهرت مصر فجأة في قبضة الحاجة والمعونة والاستدانة وكأنها تعيش يوما بيوم مما يدعو إلي الربط بين هذه الحمي وبين علاقات السيسي مع السعودية وتضع علامات استفهام كثيرة حول مصلحة مصر مع من؟.
لقد اتسمت العلاقات تاريخيا بين مصر والسعودية بالاضطراب الشديد أو بالهدوء الشديد، فهذا التطرف ناجم عن أن مصر هي أكبر الدول العربية وأن السعودية كانت تمثل قمة المحافظة والاعتدال والأهمية في إقليمها حتي قبل الثروة النفطية .

حدث الصدام الكبير بين عبدالناصر والسعودية بسبب تمدد القوة المصرية ثم تعارض المعسكرات التى انتمت إليها مصر والسعودية فكان عبدالناصر يعتبر السعودية هى سفينة الرجعية العربية والتبعية للولايات المتحدة ، وعندما تهدأ العلاقات في مرات نادرة كان عبد الناصر يبررهذا الهدوء بأنه رغبة في أن تستخدم السعودية علاقاتها مع الولايات المتحدة لكى تضغط علي إسرائيل وكانت تلك من صور السذاجة السياسية لعبدالناصر. ثم حضرت السعودية بقوة بعد هزيمة مصر الساحقة التى وضعت نهاية كاملة لأي دور مصري في المنطقة ، وسلمت مصر بالفعل بأن شئون الخليج تنوب السعودية عن الدول العربية في التعامل معها عندما قررت بريطانيا الانسحاب من الخليج في إطار ما سمى آنذاك بسياسة شرق السويس. وهكذا انتهى التهديد المصري للسعودية وبدأت السعودية تروج لأحلام القضاء علي الشيوعية والتصدى لصدام حسين الذى ظهر طامحا إلي وراثة مصر ولم يشعر بأن السعودية هي التى تخطط لذلك فإن ما يجمع بين العراق والسعودية هو الفراغ الذى تركته مصر بانكسارها عام 1967 .

أما مؤهلات صدام حسين للزعامة فهي أنه يكره إسرائيل ويدعو إلي تعزيز العروبة والفكر القومى ضد إسرائيل والفرس والإنجليز ويشعر أنه الوريث الطبيعى بهذه المؤهلات لاستمرار الفكرى القومى نيابة عن مصر وعن طريق العراق وأنه يجب أن يسيطر علي الخليج من الجانب العربي بعد رحيل بريطانيا . ثم انفجرت الثورة الإسلامية في إيران ومعها أزمة الرهائن الأمريكيين في نفس الوقت أو بسبب هذه التطورات سارعت مصر وإسرائيل إلي إبرام اتفاقية السلام . هذه التطورات الثلاثة وضعت السعودية والعراق في المعسكر الأمريكى ضد إيران فحارب صدام معركة الولايات المتحدة والسعودية بأموال خليجية وأسلحة غربية ثم استدرج صدام لأن يغزو الكويت فتحملت السعودية العبء الأكبر بالتصدى له ثم تواطأت الدول العربية بما فيها مصر والسعودية مع الغزو الأمريكى للعراق وإنهاء العراق كقوة عربية . في هذه اللحظة ظنت السعودية أن الطريق أصبح مفتوحا أمامها لكى تحصل علي الجائزة مقابل المساهمة في ضرب إيران عن طريق صدام ثم القضاء علي صدام ودعم المجاهدين نيابة عن أمريكا في أفغانستان وكذلك في الشيشان ضد روسيا . فقد أختفت مصر والعراق وتم السيطرة علي اليمن وهاهي السعودية مؤهلة لدى واشنطن للقيام بدور زعامة المنطقة العربية .

كان من مؤهلات الزعيم هي التصدى لإسرائيل فأصبح من تقاليد الزعامة التقرب من إسرائيل وأصبح العدو في المنطقة هو إيران وليس إسرائيل وأنفقت السعودية معظم رصيدها لتدمير سوريا والعراق واليمن تحت ستار التصدى لإيران . فلما وقعت الثورة في مصر في 25 يناير كان ذلك تحديا لوضع السعودية وإيذانا لعودة مصر هذه المرة بحكم الشعب وليس بحكم القيادة العسكرية فتصدت السعودية لكل ثورات الربيع العربي وأنفقت الكثير من المال والجهد لكى تنتكس هذه الثورات وتمزق الأوطان في مصر وسوريا واليمن وتردد في الخطاب السعودى أن السعودية أصبحت بهذا الدور القوة العظمى في المنطقة المتحالفة مع إسرائيل ضد مشروع الإيراني التوسعى وأنفقت الكثير لتشويه صورة إيران والمقاومة التى تدعمها إيران وأنخرطت في حرب حقيقية في سوريا واليمن كما أنفقت الكثير في العراق بحجة دعم السنة وهم نفس الفصيل الذي ينتمي إلي البعث العراقي والذي حارب إيران بدعم سعودى كما قاوم الاحتلال الأمريكى الذى دعمته السعودية ،مثلما إحتضن داعش في مدن السنة أملا في صد توحش القوي الشيعية المدعومة من إيران.

ولما كانت السعودية قد فتنها المال فقد ظنت أن الدور والزعامة يمكن شراؤهم بالمال المعروفة بدبلوماسية الشيكات، فقد كبرعليها أن السيسي الذي ألقت بكل ثقلها وراء حركته يجب أن يكون مثل غيره أو علي الأقل واضحا معها.
وقد بالغ الإعلام المصرى والسعودى في تصوير الخلاف بين مصر والسعودية في الأزمة السورية ولكن الحقيقة هي أن السيسي يلتقى مع بوتين في نقطة معاداة التيار الإسلامى في كل مكان ولما كان هذا التيار الإسلامى هو أداة السعودية في سياستها في سوريا وأن موقف السيسي يدعم الموقف الروسي الذي يبيد الشعب السوري ومعه الجماعات المسلحة المدعومة من السعودية فقد كانت السعودية تأمل بأنها- وقد أصبحت الدولة العظمى- أن تدارى مصر موقفها وهو في نظر السعودية لن يقدم ولن يؤخر في سوريا مادامت مصر لا تملك من أوراق اللعب شيئا . المشكلة ببساطة هي أن السعودية تنفق وتنتظر المقابل ولو السكوت من جانب مصر وتفادى إحراج السعودية وإحراج حكومتها أمام شعبها خاصة وأن الإعلام المصري يدافع عن موقف السيسي لمجرد الموقف في سوريا .

والخلاصة أن الخلاف بين السعودية وبين السيسي لا يمكن تسويته ببساطة ولا تفادى الصدام بين أولويات كل منهما. فالسعودية تستخدم الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية في سوريا واليمن ولبيبا في تعزيز دورها ونفوذها،بينما تبدوأولوية السيسي المطلقة هي محاربة هذه التيارات فكيف يمكن التوفيق بينهما؟. ومادام الخلاف كما هو واضح، فيجب علي الشعبين في مصر والسعودية أن يتجنبوا من الانزلاق إلي ما ينال من العلاقات بينهما خاصة وأن علاقات الحكام في مصر والسعودية في مرحلتى الاضطراب والهدوء لم تؤثر علي الشعبين فلا يزال الملايين في الخليج معجبين بعبدالناصر رغم أنه كان عدوا لحكوماتهم .

الحل هذه المعضلة أحد أمرين إما أن يتخلي السيسي عن أولويته في تعقب التيار الإسلامى ويجري مصالحة كاملة معه داخل مصر فيفقد نفقطة الإرتكاز مع بوتين ولكنه يمكن السعودية بالاستمرار في استخدام هذه التيار أداة في سياستها في المنطقة بما يتقمع السياسة الأمريكية والإسرائيلية . والبديل الآخر هو تخلي السعودية عن استخدام التيار الإسلامي في سياستها وإجراء مصالحة مع إيران والتركيز علي قضايا العالم الإسلامى ولكنه يغضب إسرائيل وأمريكا ولا يجعلها بحاجة إلي السيسي. وأنا شخصيا أدعم هذا الحل الذي تسلم به الأمة الإسلامية وتعيد السعودية إلي موقعها خادما للإسلام والمسلمين . وعدم الأخذ بأحد البديلين سوف يضر بمصالح مصر والسعودية معا عن المدى البعيد
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الخلاف المصري السعودي.. عابر أم جوهرى؟!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7