الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الأحد 9 أكتوبر 2016

بهي الدين حسن يكتب: كيف سيتذكّر التاريخ «السيسي»؟
لو جرى قتل ألف دجاجة في ميدان عام في مصر، لبادر النائب العام إلى إجراء تحقيق في اليوم نفسه، وإبلاغ نتيجته للرأي العام في أسرع وقت. ولكن هذا ما لم تفعله أي جهةٍ قضائية حتى هذه اللحظة، على الرغم من مرور ثلاث سنوات على أبشع مذبحةٍ فى تاريخ مصر الحديث، والتى أسفرت عن مقتل نحو ألف إنسان، في 14 أغسطس/ آب 2013. حينذاك، أصدر المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو هيئة غير مستقلة عن الحكومة، تقريراً يدين فيه بشكل ناعم وتبريري قوات الأمن التي اقتحمت بالقوة المسلحة اعتصاماً نظمته جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة. حينئذٍ، طلب رئيس الجمهورية المؤقت، عدلي منصور، من النائب العام التحقيق في التقرير، لكن الأخير رفض. على الأرجح، لأن رئيس الجمهورية "الفعلي"، أي وزير الدفاع حينذاك، المشير عبد الفتاح السيسي، الذي صار لاحقاً الرئيس "الرسمي" اعترض على إجراء التحقيق، حتى لو كان صورياً.

ليس السيسي أول قائد عسكري في مصر يترقّى إلى رتبة المشير، من دون أن يكون ذلك مكافأةً على قيادة بلاده إلى إحراز نصرٍ مظفر في حرب، وفق ما جرى العرف عالمياً، لكنه أول من ينالها من دون أن يخوض أي حرب على الإطلاق خلال خدمته العسكرية الممتدة إلى نحو 40 عاماً، بل هو أول من نالها، بعد إشرافه على قتل ألف من مواطنيه. "قام السيسي، بشكل ناعم وتدريجي، بتغيير نوعي في عقيدة الجيش المصري، لتصير المهمة الرئيسية بشأن "العدو" فى الداخل، وليس خارج الحدود".

لم يكن ذلك مصادفةً، فقد قام السيسي، بشكل ناعم وتدريجي، بتغيير نوعي في عقيدة الجيش المصري، لتصير المهمة الرئيسية بشأن "العدو" فى الداخل، وليس خارج الحدود. كانت الخطوة الأولى في العام 2010، عندما كان مديراً للمخابرات الحربية، واستطاع إقناع وزير الدفاع آنذاك، المشير حسين طنطاوي، بأن على الجيش أن يستعد للتدخل لمنع جمال مبارك، نجل الرئيس الأسبق، حسني مبارك، من وراثة مقعد أبيه، عند الإعلان المتوقع في مايو/ أيار 2011 عن ترشيح نفسه. توقع السيسي أن يخرج ملايين المصريين، حينئذٍ، احتجاجاً على التوريث، الأمر الذى سيفرض على الرئيس دعوة الجيش إلى التدخل لحفظ النظام. ومن ثم يمنح الجيش فرصةً ذهبيةً لدفن مشروع جمال مبارك وحلفائه من رجال الأعمال، لتحجيم دور الجيش في الاقتصاد والسياسة.

جاءت الفرصة مبكّرةً عن موعدها بأربعة شهور، مع اندلاع انتفاضة 25 يناير 2011، لكن الجيش كان قد أتم تدريباته، ولذا رفض المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة أي مساومةٍ توارب الباب أمام استمرار مبارك وابنه، أو أن يخلفه حليفه القوي مدير المخابرات العامة ونائبه لاحقاً، عمر سليمان. تذرّع المجلس، حينذاك، بالغضب الشعبي العارم، لكن ذلك لم يمنع المجلس، بعد أسابيع محدودة من توليه الحكم في 11 فبراير/ شباط 2011، من إدارة (وتنفيذ) عدة مذابح وأعمال اغتيال متوالية ضد مظاهراتٍ سلميةٍ فى ميادين القاهرة وشوارعها، إما بواسطة الشرطة من وراء ظهر وزير الداخلية حينذاك، أو مباشرةً بقوات الجيش، مثل مذبحة ماسبيرو (قرب مبنى التلفزيون المصري) للأقباط في أكتوبر/ تشرين الأول 2011. من المفارقات المدهشة أن هذه المذابح جرت بتواطؤ "الإخوان المسلمين" أو مباركتهم، قبل أن تتعرّض الجماعة لاحقا لمذبحةٍ كبرى، بعد أقل من عامين تحت إشراف السيسي أيضاً. في مذابح عام 2011 ضد شباب الليبراليين واليساريين، كان السيسي، من موقعه مدير المخابرات الحربية، هو "الجندى المجهول" دائما، وهو أيضا مهندس اقتحام قوات الجيش، لأول مرة فى تاريخها، مقار منظمات حقوق الإنسان، مرتين في فبراير/ شباط وديسمبر/ كانون الأول 2011، وتنظيم كشوف العذرية على المتظاهرات في مراكز احتجاز الجيش في 2011، وتبرير ذلك بنفسه بشكل رسمي.

بعد انتخابه رئيساً للجمهورية بأسابيع قليلة، عاد السيسي ليشن حرباً "صليبية" مسعورة ضد الشباب، بمن فيهم مشجعو كرة القدم، بحملات القبض وتلفيق الاتهامات والمحاكمات المسيّسة والقتل، ثم ليدير معركة استئصال المنظمات المصرية لحقوق الإنسان، بما في ذلك تهديد بعض قياداتها بالقتل، بعد أن تم إغلاق مكاتب كل المنظمات الدولية لحقوق الإنسان في مصر، خلال عام رئاسته غير الرسمية للجمهورية.
لم تكن انتفاضة يناير 2011 المناسبة الأولى التى يستدعى فيها الجيش إلى التدخل لحفظ النظام. كانت الأولى خلال "انتفاضة يناير 1977" ضد ارتفاع أسعار السلع الرئيسية، بعد إلغاء دعمها، والثانية في عام 1986، عندما تمرّدت بعض وحدات الأمن المركزي التابعة للشرطة، واجتاحت القاهرة. في المناسبتين، انحصر تحرّك الجيش بمهمته المحدّدة، على الرغم من أن طريق الاستيلاء على الحكم كان ممهدّاً، خصوصاً في المناسبة الأولى، حيث كان هناك سخط شعبي واسع النطاق متواصل سنوات ضد رئيس الجمهورية حينذاك، أنور السادات. كما كان وزير الدفاع المشير عبد الغني الجمسي يحظى بشعبيةٍ كبيرة، لكونه شخصيةً كاريزمية، ورئيساً للعمليات العسكرية في حرب أكتوبر 1973. ولكن الجيش لم يكن قد صار بعد إمبراطورية اقتصادية، و"دولة" داخل الدولة، ولا كان لدى وزيري الدفاع في المناسبتين ذلك الطموح الشخصي الذي كان قد تملك من السيسي بجنون، حتى قبل أن يصير وزيراً للدفاع.

قبل انتخابه رئيساً للجمهورية، كشف السيسي عن الأحلام المبكّرة التي كانت تراوده في نومه بأنه سيكون رئيساً لمصر، وكيف كانت هذه الأحلام تلهم خطواته اللاحقة. بعد انتخابه، بلغ به "خاض السيسي سلسلة من المؤامرات داخل أجهزة الدولة والجيش، ومعارك دامية ضد "الإخوان المسلمين" والليبراليين، وشن حرباً صفرية مستحيلة ضد الشباب" جنون العظمة أن يعتقد أن الله بعثه طبيباً لعلاج نفسية الشعب المصري وشفائه، وأن ملائكةً تحيط بخطواته. تحت هيمنة هذه الهلاوس، اتخذ السيسي منفرداً أخطر القرارات، بما في ذلك إطلاق مشاريع اقتصادية عملاقة بمليارات الدولارات، من دون مشاوراتٍ أو دراسات جدوى اقتصادية. وإبرام صفقات شراء أسلحة ثقيلة بمليارات الدولارات في دولةٍ مفلسة، ولا يحتاجها جيش انحصرت مهماته الرئيسية داخل الحدود، وتقتصر فعلياً على مكافحة الإرهاب، وحماية النظام السياسي الضامن للإمبراطورية الاقتصادية للجيش، وتشكيل خط دفاع ثان خلف شرطة قمع أعمال الاحتجاج الشعبي المرشحة للتصاعد السريع. من المفارقات المذهلة، أن تضع بعض حكومات الغرب كل ثقلها وراء شخصيةٍ غير مستقرة، تقود قراراتها الهلاوس والأوهام الشخصية، باعتبارها مفتاح الاستقرار لدولةٍ مركزيةٍ توشك أن يصير سكانها مائة مليون، بل وأن ترى فيها ضمانةً لاستقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها!

ليس واضحاً بعد مدى انعكاس هذا الانقلاب في العقيدة العسكرية على الجيش ذاته؟ ومدى انعكاس ذلك واقعياً على صورة الجيش في الضمير الجمعي الوطني العام، كجيش محارب ضد عدو خارجي؟ ومدى تأثير الفشل الفاضح عسكرياً أمام "داعش" الذي يتمدّد فرعه الأضعف في سيناء، بينما ينكمش جسمه الرئيسي في سورية والعراق وليبيا، سواء على معنويات الجيش أو صورته في وجدان مواطنيه؟ ولا مدى تأثير الفشل الكارثي في إدارة الاقتصاد، بما في ذلك على جيشٍ قوامه مئات الألوف من الجنود الذين ينتمى أغلبهم لأسر فقيرة فى دولةٍ يعيش نحو ثلث مواطنيها تحت خط الفقر؟ من المرجح أن تطرح هذه الأسئلة وغيرها على المجلس الأعلى للقوات المسلحة في ربيع عام 2018، عندما يكون عليه أن يبتّ فى إعادة ترشيح عبد الفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية، أو يقرّر النأي بالجيش عن تحمل المسؤولية السياسية، والاكتفاء بدعم مرشح مدني "موثوق" يحمي الإمبراطورية الاقتصادية للجيش. وهو الخيار الذي استبعد في عام 2014، لصالح السيسي رئيساً، على حساب المصالح الكلية بعيدة المدى للمؤسسة العسكرية ذاتها، غير أن تطور الأمور في مصر، والتفاقم المتزايد للأزمات وللفشل، قد يجبران الجيش على التبكير بعملية إعادة التقييم، من دون انتظار عام 2018.

اعتقد السيسى أن في وسعه إعادة عجلة التاريخ إلى الخلف، والعودة إلى حكم العسكريين المباشر لمصر، على النحو الذي كان عليه الحال خلال السنوات الأولى لانقلاب الجيش في يوليو/ تموز 1952. لتحقيق ذلك الهدف غير الواقعي، خاض السيسي سلسلة من المؤامرات داخل أجهزة الدولة والجيش، ومعارك دامية ضد "الإخوان المسلمين" والليبراليين، وشن حرباً صفرية مستحيلة ضد الشباب، أي ضد المستقبل والتاريخ. خلال هذه الصراعات والفشل المتواصل على كل الجبهات، يوشك السيسي أن "ينجح" في إقناع عموم المصريين، فى أن الجيش أيضاً (مثل الإسلام) ليس حلا في السياسة. وهو إنجاز لو تحقق على يديه، فإنه ربما يكون إنجازه الوحيد الذي يقابل به ربه والتاريخ.

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  كيف سيتذكّر التاريخ «السيسي»؟

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7